; دراسات اقتصادية أوبك.. البقاء للوفاق | مجلة المجتمع

العنوان دراسات اقتصادية أوبك.. البقاء للوفاق

الكاتب عبيد الامين الفكي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1984

مشاهدات 81

نشر في العدد 686

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 09-أكتوبر-1984

أقرت لجنة مراقبة الأسعار التابعة لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، في اجتماعها قبل أسبوعين في فيينا، مبدأ المحافظة على نظام معدل حصص الإنتاج وتجميد الأسعار وفقًا لما جاء في مؤتمر لندن 1982م، ولقد راهنت بعض الأوساط المراقبة لحركة سوق النفط على تجديد اللجنة لدعوة وزراء النفط لدول الأوبك لمؤتمر يناقش أسباب النزاع بين الدول الأعضاء وقضايا الأسعار ونظام حصص الإنتاج، ويأتي النزاع بين دول الأوبك استجابة للمتغيرات الدولية والتي تمثلت في أوضاع- سياسية أمنية- حرب الخليج ومتفجرات السويس- وتغيير الوضع في الأسواق الحرة، إضافة إلى ضغوط الدول المستهلكة للنفط.

النفط وحرب الخليج

ما زالت حرب الخليج تمثل أحد المداخل القلقة لوضعية تجارة النفط، حيث تنم عن تهديدات مباشرة لسير الإمداد النفطي مما جعل الدول الغربية تولي اهتمامًا بالغًا للأوضاع الأمنية بمنطقة الخليج خاصة والشرق الأوسط بعامة، خوفًا من امتداد انعكاسات الحرب مما ينذر بأزمة حادة في أسواق النفط واختناقات اقتصادية واسعة، وتنعكس آثار حرب الخليج على منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» في أشكال متعددة، حيث زادت النفقات في دول الخليج وأحدثت بعض التعريجات في خططها التنموية وهياكلها الاقتصادية، مما جعلها أشبه باقتصاديات الحرب، هذا فضلًا عن تلويح الولايات المتحدة من وقت لآخر بقوات التدخل السريع لحماية الإمدادات النفطية، مما يولد لدى الأوبك مزيدًا من حالة الضغوط النفسية، ولقد أدى اصطدام 15 باخرة في خليج السويس خلال الأسابيع الماضية إلى ردود فعل متباينة أقلها لفت الأنظار إلى خطورة استمرار حرب الخليج وأحداث قناعات جديدة بأهمية تأمين تدفق النفط للدول الاستهلاكية في غرب أوروبا، وليس أدل على هذا من تصريحات وزير الحربية الأمريكي كاسبر واينبرغر في خطابه، الذي ألقاه مؤخرًا في كاليفورنيا، والذي ركز فيه وبصورة خاصة على ضرورة الاهتمام بنفط الشرق الأوسط، وتأمين المنطقة التي وصفها بأنها منطقة مصالح حيوية للولايات المتحدة.

وفي النطاق الضيق لحرب الخليج فقد أدت إلى تضاؤل مستوى الإنتاج في العراق وإيران، كما أدت الحرب إلى ارتفاع سعر الإنتاج لنفط المنطقة حيث زادت أسعار التأمين على النقل، ووفقًا لهذا فإن دول الأوبك تنقسم حيال الحرب إلى قسمين مستفيد أو منتظر ومتضرر، ولعل التضرر ينصب فقط على دول الخليج، وهذا ما جعل النزاع داخل المنظمة يتخذ اتجاهين متقابلين غير أن قدرًا مشتركًا بين أعضاء المنظمة ساعد على تأجيل المواجهة حتى نهاية العام الحالي.

أوضاع السوق النفطية

اتضح في منتصف عام 1982م، أنه لم يعد بإمكان منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» حماية سعر نفطها الرسمي وبالتالي تم الاتفاق في لندن 1983م على تخفيض الأسعار بنسبة 15%، وليصبح سقف الإنتاج 17,5 مليون برميل يوميًّا، ولقد استمر ضعف سوق النفط بالرغم من تنفيذ هذه الخطوات، وتعتبر الأوضاع المتفلتة والحرية المطلقة في ترك حبل الإنتاج مرسلًا على غاربه هي المسئولة أساسًا عن حالة الانهيار في أسعار النفط، مما جعل الأوبك تحاول جاهدة السيطرة على أزمة الأمور، وحتى لا تفقد المقدرة على تماسكها النسبي.

ولقد أدت سياسة تخفيض الأسعار وتحديد سقف الإنتاج إلى تحسن أسواق النفط مؤخرًا.

مما ساعد في عودة الأسعار إلى الارتفاع، الأمر الذي سبب في الأسواق مرحلة من عدم استقرار الاتفاقيات الفردية والتي أتت بنتائج إيجابية، فقد أجرى الدكتور أحمد زكي يماني، وزير البترول السعودي، عددًا من المشاورات مع ممثلي الشركات البريطانية، ويقال بأن الشركات كانت قد أخذت بزمام المبادرة، لا سيما في أواخر يوليو الماضي، نتيجة للآثار التي أحدثتها في السوق أخبار صفقات النفط السعودي مقابل طائرات «البوينغ»، وفي ذات الإطار تم التنسيق مع أغلب الدول المصدرة للنفط غير الأعضاء في الأوبك على تبني أسعار تتوافق مع مواقف الأوبك إن لم تكن تطابق أسعارها تمامًا، وبذلك تم التنسيق مع كل من النرويج ومصر والمكسيك مما أثار حفيظة الأوساط الغربية، فجعل «الفايننشال تايمز» في منتصف أغسطس الماضي تصف بريطانيا بأنها «العضو الرابع عشر في الأوبك»، ولعل أوضح النتائج لهذه الاتفاقيات مع الدول المصدرة للنفط غير الأعضاء في المنظمة إزالة أسباب التخمة النفطية التي تولدت بعد السياسة الاستردادية للدول المستهلكة للنفط عقب أزمة 1973م.

كما أحدثت جوًّا من الثقة بين أطراف السوق المختلفة بعد أجواء الاتهامات، التي سادت قبل يوليو المنصرم، حيث تبادلت دول الأوبك اتهامهًا للنرويج وبريطانيا بالعمل على زعزعة سوق النفط العالمية.

ويعتقد المراقبون أن عودة الانتعاش إلى السوق الحرة قد تكون انعكاسًا لرغبة أطراف جديدة رئيسة في الحفاظ على استقرار السوق حيث إن آثار التدهور لن تقف عند حدود الدول المنتجة، وإنما تتعداه إلى شركات التنقيب المصارف الغربية مما يؤثر بالتالي على الاقتصاد العالمي، وأضاف المراقبون أن على دول الأوبك إجراء التعديلات اللازمة التي فرضتها حقائق سوق النفط في الثمانينات وتشتمل بعض هذه الإجراءات على خفض برامج التنمية والحاجة لاستغلال أكثر فعالية لمواردها حتى تستطيع الأوبك إعادة قواها في إصدار القرار.

الصراع بين المنتج والمستهلك

إن سنوات أزمة الطاقة قد أقنعت الدول الصناعية الكبرى بأن النفط ليس فقط سلعة إستراتيجية قابلة للنفاذ، وإنما إيجاد البدائل لها أمر دونه مصاعب وتكاليف باهظة، لذا فإن استرداد الهيمنة على مقدراته- ولو مؤقتا- أمر في غاية الأهمية، بهذا يتضح عمق السياسة للدول المستهلكة للنفط المتمثلة في دول منظمة التعاون الاقتصادي «دول السوق الأوروبية + الولايات المتحدة» مما جعل الصراع على أشده حيث تتضارب مصالح دول الأوبك والاتجاهات الاحتكارية للدول المستهلكة، ولذا تنبهت هذه الأخيرة لضرورة إفشال خطة الأوبك في توجيه الإنتاج والتسعير للنفط، وذلك بخلقها لسوق مواز ومحاولة الاعتماد على النفط المنتج من دول خارج الأوبك، ومن جهة ثانية عملت على إحياء الطاقة البديلة- صناعة الفحم في توليد الكهرباء والتدفئة- زعزعة السوق الحرة بغمرها بالنفط، فضلًا عن تبنيها لسياسة الاقتصاد باستهلاك الطاقة، لقد فعلت هذه الإجراءات والضغوط آثارًا قاسية على دول الأوبك وتجارة النفط بصفة عامة، مما جعل بعض الدول تستجيب لممارسة الضغوط عليها خاصة تلك التي في حاجة ماسة للتصدير ومهما كان الثمن لما تعانيه من مشاكل اقتصادية-مثل نيجيريا- ولعل هذه الضغوط هي التي جعلت الأوبك تقف جامدة حيال أزمة كساد سوق النفط، غير أن تماسك الأوبك والالتزام النسبي لأعضائها في تنفيذ قرارات مؤتمر لندن 1983م، فوتت الفرصة- ولو آنيًّا- في ضرب الأوبك وانفراط عقدها، ولكن الصراع ما زال مستمرًا حيث تتبنى الولايات المتحدة خط وضع العراقيل أمام تقدم الأوبك على الرغم من جنيها لثمار وافرة من جراء أعمال شركاتها في الدول النفطية، فقد حولت طبقًا لإحصائياتها للخزينة العامة خلال السنوات العشر الماضية ربحًا من التجارة الخارجية بنفط الغير زهاء 60 مليار دولار، كما أن خزائنها تستقبل ما لا يقل عن 250 مليار دولار من الفوائض النفطية ورغمًا من الامتيازات التي تتدفق عليها من نفط الدول النامية- أوبك وغيرها- إلا أن الطبيعة الاحتكارية تجعل من الولايات المتحدة العدو الأول لمنظمة الأوبك، علمًا بأن منظمة الأوبك تتخذ من الدولار وسيلة لمدفوعاتها في البيع ولكن عمق الصراع ما زال يدفع بالولايات المتحدة لتقويض دعائم الأوبك، حتى يتسنى لها إعادة السيطرة على النفط.

وماذا بعد:

على الرغم من استجابة مؤتمر فيينا التي كانت إيجابية، بحيث أخفت أسباب النزاع الداخلي لأعضاء المنظمة، إلا أن الوقت ما زال ضد صالح المنظمة بالرغم من تصور حالة الانتعاش لسوق النفط وزيادة الطلب من قبل الدول المستهلكة، فالمتغيرات الدولية تزيد من درجة تعقيد الأزمة، لاسيما أن الرقابة المفروضة على أسعار النفط قد بدأت تذهب لصالح الدول الغربية المستهلكة للنفط بشكل رئيسي في الثمانينات، وهذا مما ينذر ببقاء الأوضاع على ما هو عليه من تأزم؛ هذا إذا لم تتدخل عناصر خارجية تزيد من درجة تعقيد النزاع.

الرابط المختصر :