العنوان دافوس «الاستثنائية» حلقة من حلقات فرض الهيمنة
الكاتب عبداالحميد الغزالي
تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2003
مشاهدات 2
نشر في العدد 1559
نشر في الصفحة 34
السبت 12-يوليو-2003
دافوس «الاستثنائية» حلقة من حلقات فرض الهيمنة
أ. د. عبد الحميد الغزالي(*)
(*)
أستاذ الاقتصاد كلية الاقتصاد. جامعة القاهرة
هناك عدد من الحقائق التي نشهدها ونعيشها،
تبدو منفصلة، ولكنها في وأقع الأمر شديدة الترابط والتواصل، تحدد فيما بينها الملامح
الرئيسة المخطط الهيمنة الأمريكية الصهيونية على منطقتنا، ثم على العالم هذه الحقائق
نجملها فيما يلي:
الحقيقة الأولى تتمثل
في أن عملية العولمة، والتي تعني حرية انتقال ليس فقط السلع والخدمات وعناصر الإنتاج
من أيدي عاملة ورؤوس أموال وإنما الأفكار والمفاهيم والمدركات والمصطلحات، بل والتصرفات
والسلوكيات عبر الحدود والسيادة والجنسيات والخصوصيات والأيديولوجيات، بلا شروط أو
قيود وبغض النظر عن الظروف والمراحل التي تعيشها أو تمر بها دول العالم، هذه العولمة
هي: نفسها (الأمركة).
ويؤكد
ذلك: ما قاله الرئيس الأمريكي السابق «كلينتون» من «أننا نريد أن نسير العالم وفقًا
لنمط الحياة الأمريكية، كما يؤكد الشيء نفسه ما قاله الرئيس الحالي «بوش» من أن أسلوب
الحياة الأمريكي غير قابل للتفاوض، ولا تنوي أمريكا التخلي عنه حتى ولو أقتضى الأمر
حوض الحروب، ويستطرد قائلًا: ويقوم هذا الأسلوب بشكل شبه كلي على إتاحة النفط الرخيص.
إذا
العولمة تعني ببساطة فرض النموذج الحضاري الأمريكي، وتنميط حياة البشر في العالم وفقًا
له، ومن ثم توحيد وتجانس السوق العالمية لضمان منافذ شاسعة لتصريف المنتجات الأمريكية
من ناحية وضمان مصادر متنوعة وغنية للمواد الخام ومصادر الطاقة وعلى رأسها النفط من
ناحية أخرى.
الحقيقة الثانية: تتركز
في أنه بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق ظهرت القوة الأمريكية كقوة أحادية القطبية
تعمل على فرض سيطرتها على العالم من خلال عملية العولمة أو الأمركة للحفاظ على المستوى
المعيشي الأمريكي وزادت وتيرة هذا الفرض، واتضحت معالمه الفجة بعد أحداث الحادي عشر
من سبتمبر فاختارت– بلا دليل أو سبب أو شرعية– أضعف الحلقات في المنظومة الدولية، وهي
الحلقة الإسلامية، فأعلنت عليها حربها العجيبة الغريبة الحرب ضد ما يسمى بـ «الإرهاب»
لضمان سيطرتها على منابع النفط وخطوط توصيله إلى الأسواق العالمية، ومن ثم نفذت استراتيجيتها
المسماة بالحرب الاستباقية، فدمرت واحتلت أفغانستان والعراق وساعدت وتساعد الكيان الصهيوني
على تنفيذ مخططه الإجرامي في العمل على تصفية القضية الفلسطينية.
الحقيقة الثالثة: تتمحور
حول المحاولات الدائمة والدائبة لترسيخ الاحتلال وتنفيذ المخططات في أفغانستان والعراق
وفلسطين من خلال تكوين تحالفات شكلية من بعض الدول ومنها بكل أسف دول عربية وإسلامية
ومن خلال طرح مبادرات غير جادة كتحرير الشعب الأفغاني من رجعية نظام طالبان وسطوة وسيطرة
تنظيم القاعدة، وتحرير ودمقرطة العراق من نظام صدام الاستبدادي ووهم قيام دويلة فلسطينية
كنتونية.
كل
ذلك لتجميل صورة الاحتلال من ناحية والإثارة الإرباك والبلبلة والانقسام في الجانب
العربي والإسلامي بادعاء تلبية بعض المطالب الأساسية من ناحية أخرى.
الحقيقة الرابعة: تتمثل
في أن خطة خريطة الطريق لا تعدو أن تكون محاولة خبيثة لتخدير الجانب العربي والإسلامي،
ومحاولة لوقف المقاومة الفلسطينية المشروعة وواد الانتفاضة الباسلة، ليتفرغ العدو الصهيوني
لعملية ترسيخ الوضع القائم كخطوة لتفريغ الأرض من أصحابها، ومن ثم تحقيق مشروعه في
اغتصاب كامل التراب الفلسطيني، كجزء من حلمه غير المشروع في كيان يمتد من النيل إلى
الفرات خاصة بعد الاحتلال الأنجلو أمريكي للعراق.
ويؤكد
هذا المنحى الخطير في حاضر
ومستقبل القضية والمنطقة اعتماد جانب رسمي للمطلب الأمريكي الصهيوني في اعتبار حركات المقاومة منظمات إرهابية من ناحية، والتزام الولايات المتحدة
على لسان رئيسها بأمر
الكيان الصهيوني كدولة يهودية من ناحي أخرى، والتزام رئيس الحكومة الفلسطينية بتصفية العنف والإرهاب
ضد «الإسرائيليين» أيًا
كان مصدره بالعمل على إنهاء الانتفاضة
المسلحة من ناحية ثالثة.
إن
هذه الخطة وما تلاها من بيانات تعد بحق شارونية التوجه ليكودية الفكر، صهيونية الصياغة، أمريكية التنفيذ، في ظل تسليم
أو استسلام فلسطيني "رسمي"
مشين غير مسبوق.
الحقيقة الخامسة: تتمثل
في التأكيد على أن كل
القوانين والشرائع والأديان
والأعراف، بل كل القيم الإنسانية النبيلة، تكفل وتحض على المقاومة المشروعة للمحتل، كما أن تاريخ شعوب العالم بعامة،
وشعوب المناطق
العربية والإسلامية بخاصة، يشير إلى أن المحتل لا بُدّ أن يرحل وتعود
الأرض والحقوق والثروات إلى أصحابها الشرعيين، ولقد بدأت المقاومة
المشروعة، كحقيقة وحق في الأراضي الفلسطينية والعراقية والأفغانية وغيرها من الأراضي
الإسلامية حتى يتم التحرير الكامل من براثن المحتل الغاصب.
أمام هذه الحقائق أنعقد مؤتمر «دافوس» الاستثنائي
بالأردن في منطقة الشونة على البحر الميت (22-24/٦/٢٠٠٣) بمشاركة نحو (۱۹۰۰) من قادة
دول وحكومات ورجال أعمال أكثر من (٦٥) دولة، تحت شعار «رؤية المستقبل مشترك» ومن خلال
مبادرات حول دور المرأة وحكماء العالمين الغربي والإسلامي، ومجلس لرجال الأعمال العرب
واستخدام المياه، كل ذلك تحت لافتة الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي في المنطقة.
ووأضح من توقيت المؤتمر وتشكيله وأعضائه، والموضوعات
التي طرحت فيه أنه تجمع ما بعد تدمير واحتلال العراق، فهو في وأقع الأمر فاعلية مفروضة
من المحتل الأنجلو أمريكي للجمع بين الجانب الأمريكي البريطاني الصهيوني المنتصر، والجانب
العربي الإسلامي المنهزم واقعيًا والأدلة على ذلك كثيرة ومؤلمة منها: أن الجانب السياسي طغى على الجانب الاقتصادي:
خريطة الطريق الوضع في العراق التسوية مع الكيان الصهيوني، ...إلخ، وأن «بول بريمر»
الحاكم الأمريكي للعراق، قام بتمثيل العراق، وأن الكيان الصهيوني على خلاف كافة المؤتمرات
السابقة، كان عضوًا أساسيًا وبارزًا في المؤتمر، وأن موضوع «الشرق أوسطية » وفي قلبه
الكيان الصهيوني، تم فرضه تحت مسمى منطقة تجارة حرة شرق أوسطية وكأن القتل الإجرامي
الصهيوني اليومي للفلسطينيين قد توقف وأن إعمار العراق يعد مسألة داخلية وشأنًا من
شؤون المحتل الأنجلو أمريكي، وأن الجامعة العربية ومنظمة الأمم المتحدة قد زاد تهميشهما
بشكل وأضح وملحوظ.
وقدْ
قدم الوفد الصهيوني (۱۲٥) مشروعًا للتعاون الإقليمي تصل تكاليفها إلى أكثر من عشرة
مليارات دولار، وتمول أساسًا من دول الخليج والمؤسسات الدولية لتكوين نواة لسوق شرق
أوسطية بديلًا عن السوق العربية التي تم تناسيها حتى على مستوى الدراسة والتفكير كما
يعمل الكيان الصهيوني على تكوين تجمع استثماري يضم أكبر ثلاث شركات أمريكية صهيونية
متعدية الجنسيات «بوينج، هولويت باكارد سيتي بانك» لإنشاء شركات صهيونية فرعية في الدول
العربية الموقعة «سلامًا مع الكيان الصهيوني أو تتمتع بعلاقات جيدة معه للدخول في الأسواق
العربية من خلال ما تطرحه هذه الشركات من مشروعات طويلة الأجل.
ومن أخطر المشروعات الصهيونية إقامة بنك للمياه
في الشرق الأوسط، بخبرة وتكنولوجيا صهيونية للاستفادة من حصص مياه أنهار النيل والحصباني
واليرموك، وإقامة شركة عربية صهيونية لتحلية المياه العربية الجوفية ونقلها من خلال
محطات ضخ وأنابيب عملاقة لاستصلاح صحراء النقب، وإقامة قناة لربط البحرين الميت والأحمر
بديلًا عن قناة السويس، وإقامة كيانات اقتصادية نفطية لنقل النفط العراقي إلى الكيان
الصهيوني، مع فتح المجال لنقل النفط الخليجي إلى موانئ أشدود وإيلات إلى الخارج، وإقامة
شركات وفقًا لنظام المناطق الحرة في عمان والعقبة وإيلات وإقامة عدة بنوك شرق أوسطية
تتمتع فيها العملة الصهيونية الشيكل بحرية التحويل وفقًا للعرض والطلب مما يدعم الاقتصاد
الصهيوني، وأخيرًا إقامة مؤسسات لتوظيف رؤوس الأموال العربية في داخل المنطقة وخارجها.
ولقد اتفق فعلًا الأردن والكيان الصهيوني والسلطة
الفلسطينية على البدء الفوري في تنفيذ قناة الربط بين البحرين الميت والأحمر وعدم تسييس
الموضوع أو ربطه بالوضع المتأزم في الشرق الأوسط، كما وقعت الأردن والكيان الصهيوني
اتفاقية بإقامة المزيد من المناطق الصناعية لإنتاج سلع يتم بيعها في الولايات المتحدة
وتم كل ذلك تحت رعاية الجانب الأمريكي!
وهنا، يحق للإنسان العربي المسلم أن يتساءل:
متى تخرج بعض أنظمتنا من حالة الانهزامية التي تعيشها، وتعرف حقيقة صديقها من عدوها،
ومن ثم تعود الأمة العربية والإسلامية إلى خيريتها؟ الإجابة عن هذا التساؤل تكمن فطريًا
ومباشرة في ضرورة وسرعة العودة الحقة والصحيحة إلى هويتها فلن ينصلح حال هذه الأمة
الآن وفي أي وقت إلا بما انصلح به أولها بالإسلام، فتتصالح الأنظمة مع شعوبها، وتتوحد
كلمتها وتتكامل اقتصاداتها، وتتقدم مجتمعاتها، ومن ثم تستطيع أن تسترد حقوقها، وتحمي
أرضها، وتصون عرضها، وتحافظ على ثرواتها، وتذود عن معتقداتها ومقدساتها، وتخرج في النهاية
من الضلالة التي تحياها، وصدق رسولنا صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ يقول تركت فيكم ما
إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي وصدق الحق تبارك وتعالى إذ يقول:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء
٩٢).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل