العنوان دافعو الضرائب في العالم الثالث
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1996
مشاهدات 64
نشر في العدد 1184
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 16-يناير-1996
لا تبنى الأمم إلا على المجاهدين في سبيل العلم والمعرفة المجاهدين في سبيل التقدم والنهضة المجاهدين؛ في سبيل الاستقلال والحريات؛ المجاهدين في سبيل العلا والسمو لأن صروح الأمم وحضاراتها لا تشاد إلا على عزائم وكوادر تستطيع تحمل التبعات والصبر عليها، وما أصدق قول الإمام الشافعي، رضي الله عنه وأرضاه
|
بقدر
الكد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي |
ما نجحت أمة بلهو أو لعب أو بخمول وضياع أو
بترف وفساد، وإنما خربت وضلت وهوت وصدق الله: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا
مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا" بعض النفوس الضعيفة يُخيل
إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق فتختار الذلة والمهانة هربا من هذه التكاليف
الثقال، فتعيش عيشة تافهة رخيصة، مفزعة قلقة، تخاف من ظلها، وتغرق من صداها يحسبون
كل صيحة عليهم، ولتجدنهم احرص الناس على حياة هؤلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف
الكرامة يؤدونها من نفوسهم واقدارهم وسمعتهم وحريتهم، وطمأنينتهم وبعض النفوس
الكليلة يُخيل إليها أن للعلم ضريبة صعبة لا تحتمل، فتختار طريق الجهل والغباء
هربا من ضريبة التحصيل والصبر على الفهم والاستيعاب، فتحصد ندامة وتأخرا وتقع
فريسة الاستغلال والاستعباد والفقر والحاجة وكم من رجل كان يملك أن يكون شريفا
وكريما وأمينا، يصون أمانة الله بين يديه ويحافظ على كرامة الحق وكرامة الإنسانية،
فلما خان الأمانة التي بين يديه وضعف عن تكاليف الكرامة، وتجرد من عزة الحق، هان
على الذين يهابونه، وذل عند من كانوا يرهبونه ونبذ كالجيفة.
وكم تشاهد في الحياة من في وسعهم أن يكونوا
أحرارا، ولكنهم يختارون العبودية وفي طاقتهم أن يكونوا اقوياء ولكنهم يختارون
التخاذل وفي إمكانهم أن يكونوا مرهوبي الجانب، ولكنهم يختارون الجبن والمهانة
تشاهد من يهربون من العزة كي لا تكلفهم جهدا أو مالا، وهم يؤدون للذل القناطير المقنطرة
من الذهب والفضة، ويضيعون في سبيل العبودية الأعراض والدماء والأشلاء تشاهد من
يُشفقون من تكاليف الحرية مرة. فيظلون يؤدون ضرائب العبودية مرات.
لابد
من ضريبة يؤديها الأفراد، وتدفعها الجماعات والشعوب، فإما أن تؤدى هذه الضريبة
للعزة والكرامة والحرية وإما أن تؤدى للذلة والمهانة والعبودية التجارب والمشاهدات
والوقائع والأيام كلها تنطق بهذه الحقيقة التي لا مفر منها ولا فكاك ولدينا أمثلة
كثيرة وقريبة، على الأذلاء الذين باعوا الضمائر، وخانوا الأمانات وخذلوا الحق وتمرغوا
في الجهالة والعمالة، ثم ذهبوا في الأيام غير مأسوف عليهم من أحد، ولدينا امثلة أخرى
مشرقة صدعت بالحق، ونبهت بالعلم وسادت بالشرف ونهدت للمجد، فكانوا روادا لأممهم،
وأمثلة لأجيالهم، وعمداً لحضارتهم ومصابيح لدربهم، فسادت بهم الأمم وعزت واستضاءت
بهم الأيام وشرفت، وعاشوا أحياء في القلوب والنفوس وما رأيت أمة هان فيها المجاهدون
في كل فن وعلم إلا في امتنا، يهال على كثير من الطاقات التراب وتنبذ وتطرد كثير من
العقول ليستفيد منها سوانا وينهل من جناها أعداؤنا، ويقطف ثمارها غيرنا ونحن ذاهلون
عابدون ندفع ضريبة التأخر والهزيمة العلمية والفنية والتكنولوجية.
ومن
غرائب ما يشاهد في هذه الأيام مطاردة المجاهدين المسلمين في البوسنة واعتبارهم أعداء والتربص بهم، ومحاولة إثارة الأقطار المسلمة عليهم، وكان درس أفغانستان لم
يستوعب بعد حين قام المجاهدون نيابة عن امتهم برد الهجمة الشرسة عن ديار المسلمين واعتبرتهم
واشنطن نوابا عنها في قتال أعدائها، فلما انتهى الدور بنجاح، كان جزاء المجاهدين
المطاردة والقتل، وكان الأولى أن يؤهلوا تأهيلا نفسياً واجتماعيا في أممهم بدلاً من
أن ينقلب كل على الآخر في حرب قذرة تهلك قوى الجميع، فأي شيطان زرع هذا الفساد حتى
وقع فيه الأغرار وها هي الأمة توشك أن تقع في فخ اخر، في مجاهدي البوسنة المسلمين،
ولكن يجب أن يتساءل الإنسان لم يُعامل
المجاهد المسلم وحده هذه المعاملة وهو الشريف المدافع عن الحق، ولم يكن لقيطا شيطانا
كغيره؟ لقد ساعد الصرب مجرمون من اليونان والروس وغيرهم ذبحوا الصغار والشيوخ، وهتكوا
الأعراض وفتكوا بكل شيء ولم يطالب أحد بإخراجهم أو مطاردتهم، لقد قرات بياناً للمجاهدين
في جريدة "الحياة" 30/١٢/1995م، يقول:
لم تقود واشنطن حملة أطلسية عدائية ضد
المجاهدين المسلمين، ولفتوا أن الموقف الأمريكي السافر المعادي لكل ما هو مسلم وإسلامي
حتى أصبح هذا من أبرز معالم السياسة الخارجية الأمريكية، هذا وقد أصدرت اللجنة
الإسلامية للدفاع عن المضطهدين بياناً حمل عنوان احذروا المعالجة الخاطئة لقضية المجاهدين،
جاء فيه: (لم تنزعج أمريكا من الآلاف الذين ساعدوا الأطراف المختلفة في البوسنة،
فيم تقيم الدنيا على بضعة مئات من المجاهدين المسلمين على الرغم من أنهم أعلنوا غير
مرة أن ليس لهم أهداف سياسية في البوسنة، وأنهم سيغادرونها متى اطمأنوا إلى سلامة فأي دور لهم تدينه الولايات المتحدة إلا أنهم أفشلوا
مخططاتهم بوقوفهم ببطولة إلى جانب إخوانهم يدافعون عنهم بأرواحهم في الوقت الذي
كانت تراهن على هزيمة المسلمين واستسلامهم وهم محاصرون بين الصرب والكروات.
وتساءلت اللجنة الإسلامية للدفاع عن المضطهدين في بيانها: (ما هذه الغطرسة التي
تتحدث بها الولايات المتحدة مشيرة إلى المجاهدين ليسوا في حاجة لأحد لأن يعترف بدورهم
وعطائهم للبوسنة، واضافت بأي حق تنهم الولايات المتحدة المجاهدين بالإرهاب هل اغتصبوا
النساء؟ هل ذبحوا الأطفال هل أبادوا الجنس البشري كما فعل المجرمون الصرب والكروات
لا عجب في ذلك فالمعايير اختلت والعنصرية وامراض النفوس طغت.
وبعد أترى يا عزيزي كم سندفع اليوم أو عداً لمناً لضياع ابنائنا الشم والمجاهدين المخلصين في امتنا؟ وكم ستكون الضريبة المتوقعة لذلك أظن أنه سيكون ثمناً غاليا وضريبة فادحة.