العنوان معالم على الطريق.. خوف اسمه «الجهاد».. ووهم اسمه «الإرهاب»
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 12-يونيو-2010
مشاهدات 77
نشر في العدد 1906
نشر في الصفحة 37
السبت 12-يونيو-2010
نحن أمة تعيش الوهن، وتعشق الوهم، وتسعد بالدجل، نحن أمة نركل الأمجاد ونسعد بالأباطيل، ونكره البطولات، نحن أمة تهيم بالضرب على القفا، وتسعد بالهوان والذلة والمسكنة، نحن أمة ماضيها أبطال وأسُود، وحاضرها أرانب، تاريخها عمالقة وبطولات، وحاضرها أقزام وخنافس.
نحن أمة تكره النابهين، وتقتل المصلحين وتسود الفاسدين، فكيف يكون أمرها، ويصلح شأنها؟ ولله در القائل:
تلقى الأمور بأهل الرشد ما صلحت
فإن تولوا فبالأشرار تنقاد
كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر
لهم عن الرشد أغلال وأقياد
أعطوا غواتهم جهلًا مقادتهم
فكلهم في حبال الغي منقاد
حان الرحيل إلى قوم وإن بعدوا
فيهم صلاح لمرتاد وارشاد
يا قوم، نحن أصحاب رسالة في الأرض كلفنا الله بها ولسنا هملًا، رسالة عالمية شاملة، لا يصلح لحملها السلبيون والانعزاليون، وإنما يحملها الإيجابيون المجاهدون.
رسالة غايتها أن يسود الحق والعدل، وينتشر الخير والهدى، ويعم الصلاح والاستقامة، وتعلو كلمة الله في أرضه.
رسالة جاءت لتقاوم الضعف في النفوس، والزيغ في العقول، والانحراف في السلوك، والبغي في الجماعات، والطغيان في الحكومات، والتظالم بين الأمم والشعوب.
رسالة جاءت لتزيل الوساطة المصطنعة بين الله وعباده، وتحطم الفوارق المفتعلة بين الناس بعضهم بعضًا، رسالة تقول للضعفاء شدوا سواعدكم.
وتصيح في الأذلاء: ارفعوا رؤوسكم.
وتصرخ في النائمين: هبُّوا من سُباتكم.
وتنادي المستعبدين: حطموا قيودكم.
وتدعو المستكبرين: أن انزلوا من عروش كبريائكم.
وتقول للأغنياء: أنفقوا من مال الله لا من أموالكم.
وتقول للحكام: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بالعَدْلِ﴾(النساء: ٥٨).
وتقول للمتفاخرين بالأنساب: «... من بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه»، وتقول للمتسلطين على الضمائر من أهل الكتاب: ﴿ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٦٤)، وتقول للناس جميعًا: ﴿إِنَ أكرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ۱۳).
ومثل هذه الرسالة الثورية الشاملة: لا بد أن يكون لها خصوم معاندون، وأعداء مكابرون، ومنهم من يدافعون عن مصالحهم، وينافحون عن نفوذهم ووجودهم. فلا غرابة أن يردوا حقها بالقوة، ويصادروا دعوتها بالحرب، ويصدوا دعاتها بالجبروت والعسف، ولا يمكن لمثل هذه الرسالة العامة الخالدة أن تغمض العين على القذى وتسحب الذيل على الأذى، وترضى من الغنيمة بالإياب، وتدع قيصر يعبث فيالحياة، ويأخذ سلطان الله لنفسه!!
لقد آن الأوان أن يعلم الناس: أن قيصر وما لقيصر لله الواحد القهار، وأن الله لا يخضع لحكم قيصر، ولكن قيصر هو الذي يخضع لحكم الله.
وإذن، فلا بد لهذه الرسالة ودعاتها من صدام مع الطغاة والمتجبَّرين، مع القياصرة وأشباه القياصرة، مع أدعياء التأله في الأرض، مع الفراعين والقوارين والهوامين فعلى المسلم أن يُعدَّ العدة، ويأخذ الأهبّة ويحمل سيف الحق، ومعول التطهير، ليهدم صروح الباطل والشر، ويدكَّ عروش الظلم والطغيان، ويرسي دعائم العدل والحرية للعقائد كلها: ﴿حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال ۳۹).
فمَن فهم طبيعة الرسالة الإسلامية: لم يصعب عليه تصوّر الجهاد فريضة من فرائضها، وعبادة من عباداتها، ﴿لِيُحِق الْحَقِّ وَيُبْطلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال:8).
ولقد أعزنا الله بفريضة الجهاد والجهاد بمفهومه الشرعي الشائع - وهو القتال - ينقسم إلى قسمين أساسيين: جهاد دفع وجهاد طلب.
والمقصود بـ «جهاد الدفع»: مقاومة العدو إذا دخل أرض الإسلام، واحتلَّ منها مساحة ولو قليلة، أو اعتدى على أنفس المسلمين أو أموالهم وممتلكاتهم أو حرماتهم، وإن لم يدخل أرضهم، ويحتلها بالفعل - كما يحدث في عصرنا من ضرب البلاد بالطائرات والصواريخ البعيدة المدى أو اضطهد المسلمين من أجل عقيدتهم وفتنتهم في دينهم، يريد أن يسلبهم حقهم في اختيار دينهم، وأن يكرههم على تركه بالأذى والعذاب. أو يكون قد تمكن من بعض المستضعفين من المسلمين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فسامهم سوء العذاب، وأمسوا يستغيثون ويدعون ربهم
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (النساء:75).
فمقاومة مثل هذا العدو الظالم المتجبر، والوقوف في وجهه بالسلاح، ومقابلة القوة بالقوة، هو ما يسمى: جهاد الدفع، مثل جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوتي أحد والخندق، وجهاد الجزائريين للاحتلال الفرنسي، وجهاد الفلسطينيين للاغتصاب الصهيوني، وهذا أمر واجب على المسلمين.
فهل ترى أمة يبلغ تعدادها ثلث العالم تعجز عن الوقوف في وجه هؤلاء الحفنة الباغية؟ إلا إذا كان هناك رقاد ينبغي أن يستيقظ، وموات ينبغي أن يحيا، ووهم يجب أن يتبع الحقيقة، وما أظن أن ذلك إلا سيكون إن شاء الله.