; خواطر | مجلة المجتمع

العنوان خواطر

الكاتب محمد السوافيري

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1976

مشاهدات 15

نشر في العدد 303

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 08-يونيو-1976

أجلس في ساحة الحرم المكي كلما سنحت لي فرص الفراغ فأشاهد ما اعتاد عليه الناس من طواف أو صلاة أو تلاوة للقرآن.. أنظر إلى الكعبة يحيط بها المئات من الطائفين والمصلين والداعين فتأخذني في هذه اللحظة هزة من السرور فأحكم بداية أن الإسلام والمسلمين في خير ما دامت هذه الجموع من الآلاف المؤلفة على هذا المنوال.

ثم يزداد اغتباطي أصلًا فأقول: ما بالك لو خلي بين هذه الجموع وبين العمل للإسلام والمسلمين؟ لأحدثت انقلابًا هائلًا ولغيرت مجرى الأحداث ووجه التاريخ ولأصبح حال الإسلام والمسلمين غير الحال.

ولكن سرعان ما يصطدم ذلك الشعور في النفس بعوامل أخرى عنيفة يدفعها إحساسي المتقد على حال الإسلام والمسلمين في كل مكان فيضطرني إلى توجيه السؤال الآتي: أهذا هو الإسلام فقط؟ وما هو إذن؟ وما هو موقفي وموقف هذه الجموع منه؟

فأقول:

الإسلام عبادة حقًا، ولكن معها أشياء كثيرة منها حرية العبادة ومعها العزة والكرامة ومعها الفداء والتضحية والبذل. ومعها الإخاء والمساواة والعدل ومعها الصدق والإخلاص والإيمان ومعها الأمانة والوفاء، وهذه المعاني يجب أن تكون متوافرة في المسلم وفي كل مكان يعيش فيه المسلم هذا هو الواجب وهذا هو المطلوب. وإذا قلنا الواجب فما هو الواقع؟

إن الجواب على هذا السؤال يقتضينا أن نشرح حال المسلمين وأوضاعهم وحال الإسلام مع هذا الواقع.

إن تضافر قوى الشر والبغي في جميع بقاع الأرض حتى في بلاد الإسلام ضد الإسلام وضد من يرفع راية الإسلام لم تنحصر هذه القوى في قطر من أقطار العالم عند وجود راية الإسلام وارتفاعها على كثير من بقاع الأرض، وإن كانت قد خمدت نار الحقد في نفوسهم فترة من الزمن، غير أن هذا الركود لم يكن موتًا لتلك النفوس الخبيثة لكنه كان اقتناصًا للفرص المواتية.

ومنذ القضاء على الخلافة الإسلامية في تركيا حتى يومنا هذا والفرص تتوالى للأعداء؛ لهذا انكَبَّ الأعداء عليهم من كل جانب، ولم يتركوا مجالًا من المجالات الحيوية إلا وسلكوه في حربهم للإسلام والمسلمين. ولقد تمكنوا من جميع هذه الجوانب تمكنًا كاملًا حتى استطاعوا أن يكونوا جيشًا هائلًا ممن ينتمون إلى الإسلام يحارب الإسلام والمسلمين في شتى المجالات، ويمكن تعداد المجالات المتبعة في الحرب لكن لا على سبيل الحصر فيما يأتي:

1.      سلكوا في حرب الإسلام والمسلمين طريق العلم ومناهج الدراسة حتى سلكت هذه المناهج في نفوس الكثير منا مسلك الرضا والاغتباط، ولقد وصلنا إلى واقع صرنا فيه نشك في القدرة الإسلامية، ويؤكد الواقع أن مبلغ ما انتهت إليه الشخصية الإسلامية هو الخصول على وظيفة أو كرسي أو منصب، ولقد اطمأن العدو إلى هذا الجانب لأنه تمكن من كل التمكن وأصبح الواحد منا حريصًا على كرسيه أكثر من حرصه على قول كلمة التوحيد، ولأن أصابع العدو تمكنت من تحريك الكرسي في كل اتجاه ولن يعجزها ضخامة أي كرسي؛ وهو مع هذا حريص على بقاء هذه السيطرة.

2.      سلك الأعداء طريق العادات والتقليد: وعن هذا الطريق وصلوا إلى إنكار المسلم شخصيته الإسلامية، وبالتالي فقدانه جميع مقوماته الأخلاقية؛ فاستولى الأعداء عن طريق أنصارهم على جميع وسائل الإعلام، فسخروا وسائل الإعلام في كل خبيث وكل رذيلة، فصار الرقص في نظرتنا فنًا، والميوعة ذوقًا وتقدمًا، وتشبه الرجال بالنساء حضارةً، وإبراز المرأة في أشكال مزرية بحجة المساواة إصلاحًا عدلًا، وبدلًا من أن يتمنى الرجل أن يكون قائد أمته أو بطل معركته صار غاية ما يصل إليه الطموح أن يكون محبوبًا يرضى عنه الجمهور.. اطمأن العدو لهذا الجانب كما اطمأن لسابقه، وهو كذلك حريص على بقاء هذه السيطرة.

3.      لا يقل هذا الجانب عن سابقه أهمية وهو النظرة إلى الدين والتدين والمتمسكين به. وقبل أن أتناول هذا الموضوع بالشرح لابد أن أشير إلى الأحوال التي مر عليها العالم الغربي قبل التقدم العلمي وبعده.

إن تجربة الإنسان الغربي حين كان متمسكًا بدينه غير الصحيح أو متمسكًا -مزعومًا- بعقيدة فاسدة واهية كانت حالته العلمية والحضارية في أحط الحالات وأحقرها، وكانت السلطة إذ ذاك للكنيسة ولكنه ما إن تحرر من هذه السلطة وابتعد عن ذلك التمسك المزعوم طلع على العالم بعقلية علمية في جميع المجالات أخذ بسبب تأخره سابقًا المنسوب إلى ذلك التمسك المزعوم فأطلقها صرخة مدوية أن التمسك بالدين هو سبب تأخر البشرية، فلقيت هذه الصرخة لدينا هوى وشحًّا في الدين مطاعًا.

وكان يقصد الغرب بهذه الصرخة -كما يقولون- أن يصطاد عصفورين بحجر:

الأول: أن يصرف المسلمين عن دينهم وهذا غاية ما يطمح إليه.

الثاني: أن يبرر لنفسه سبب طرحه الدين جانبًا وإن لم يكن في حاجة إلى ذلك.

لهذا ركز الأعداء على هذا الجانب فطلعوا علينا بما يأتي:

أ- أن الدين يجب فصله عن الدنيا في جميع النواحي علمًا وسياسة ودستورًا.

ب- أن الدين لا يواكب ركب الحضارة والتقدم، فالدين رجعية والمتدينون رجعيون فيجب محاربتهم بكل الوجوه واحتقارهم وإبعادهم عن جميع المجالات الحيوية حتى يكونوا منبوذين عنها، وقد اطمأنوا إلى هذا الجانب لأنهم بلغوا الغاية فيه وتمكنوا منه فينا كما تمكنوا من غيره من قبل فأصبحت الغالبية العظمى من الطبقة المثقفة منا تدين بهذا المبدأ عقيدة وعملًا وصار المتدينون الحرفيون، وهم الكثرة، يجاملون خوفًا من وصمة عار الرجعية.

4.      الطريق الآخر الذي سلكوه لحرب الإسلام والمسلمين وهو استعمال القوة والإذلال والسيطرة، وليس تأخير هذا الجانب دليلًا على ضعفه وقلة تأثيره، فجميع الوسائل المستعملة في حرب الإسلام والمسلمين متساوية في أثرها الفعال البعيد غير أنه يمكن التفريق بين هذه الوسائل بما تدل عليه ويمكن تقسيمها إلى قسمين: غير عسكرية وعسكرية؛ فقد تقدم الحديث عنها، أما الأولى ففيها دليل خبث الضمير والانحلال الخلقي الذي يتأباه البهائم. وأما الأخرى -وهي التي سيأتي الحديث عنها- فهي دليل الوحشية والهمجية والتجرد من الإنسانية.

والحديث عن هذا الجانب لا يحتاج إلى إعمال الذهن لكثرته وبشاعته، فالحرب الشاملة تجتاح المسلمين في جميع بلادهم وحيث يوجد المسلم المتمسك بدينه، ولسوء الحظ أن المسلم يجد حربًا في بلده أشد ضراوة وأكثر إيلامًا منها في أي بلد آخر.

فمثلًا محنة الإخوان المسلمين في مصر والتي لا تزال آثارها ماثلة حتى يومنا هذا، ومحنة الإسلام عامة في سوريا حينما دخلت الدبابات المسجد الأموي تدوس المصلين، ومحنة الإسلام والمسلمين في لبنان والتي يندى لها الجبين، ومحنتهم في السودان وفي الصومال حيث أُحرِق العلماء لأنهم أنكروا على الحكومة تغيير حكم الله، ومحنة الإسلام والمسلمين في فلسطين التي صارت غير إسلامية بحكم الأقلية وسيطرتها من جانب والضعف والتخاذل من الجانب الآخر، مثل الحبشة والفلبين وتايلاند وغيرها من بلدان العالم، وكل يوم يمر نسمع نبأ جديدًا في قتل المسلم أو خطفه أو حرقه، وكل ذلك يشيب له الولدان، وهذه السبل العديدة المتبعة في حرب الإسلام والمسلمين كانت للجهود الصهيونية الخبيثة دورها الأكبر في التخطيط لها وتنفيذها واتباعها، ولا يرد على مفهوم الصفة في قولي الصهيونية الخبيثة لأن الجهود الصهيونية لا تكون إلا خبيثة.

والذي يهمني من هذا الموضوع ليس عرضًا لهذه الأحداث فقط لأنها أصبحت معروفة، ولقد وصلنا في معرفتها إلى درجة تبلد الإحساس والشعور وموت الضمير الحي، وإن أخوف ما أخافه على المسلمين اليوم أن يحرمنا الله سبحانه وتعالى من شرف فضيلة نصرة الإسلام لأننا لسنا أهلًا لذلك، ولا نستحق أن نمجد في التاريخ، وإنما يؤخر الله سبحانه ذلك إلى أهل الإسلام، لأن الله سبحانه ناصر دينه لا محالة ﴿وَمُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).

إن حال المسلمين اليوم وواقعهم هما عنوان خيبة ووصمة عيب تسم الإسلام رضي بذلك أو لم يرض؛ لأنه لم يجد الأهل الذين ينفضون عنه ذلك الضباب الكثيف، وإن الذين يفرون من جحيم المادة ويلجأون إلى الإسلام ليجدوا فيه المنقذ والمعين لكنهم يصطدمون بهذا الواقع. يا لله إذن للإسلام والمسلمين؟! إذ نحن أول من يصد عن كلمة التوحيد، وصد مَن نصد الهاربين نصف الحيارى نصب المستغيثين، يا له من إثم أعظم به!

إذن فعبادتنا لا تعدو كونها عادة ليس إلا، وإذا كانت كذلك فنحن بعيدون عن الإسلام.. إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، هذا خبر مؤكد مقطوع بصدقه، فالكاذبة والمغشوشة هي عبادتنا، وهذا هو موقفي وموقفنا جميعًا من الإسلام.

لكننا يا مولاي لن نيأس من رحمتك ولن نفقد الرجاء والأمل في عفوك فقد عظم الذنب لكن عفوك أعظم ورحمتك أوسع ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر: 53).

الرابط المختصر :