العنوان خواطر في رحلة العمر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1973
مشاهدات 11
نشر في العدد 149
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 08-مايو-1973
نحمد الله سبحانه وتعالى أن يسر
لنا فريضة الحج وزيارة روضة رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم، وكانت رحلة ربانية
قدسية أسعدنا الله بها بأشرف الأعمال وأقدس المواقف والأماكن والبقاع، كأننا عشنا
هذه اللحظات العلوية في رؤيا سماوية ومعراج نوراني طافت فيه أرواحنا قبل أجسامنا
بمشاهد الذكريات الجليلة من عهد إبراهيم الخليل عليه السلام والذبيح إسماعيل الوفي
الأمين، واستمتعنا بمنظر الكعبة الغراء يطوف بها أمواج من البشر من مشارق الأرض ومغاربها،
حتى رأينا شبابًا من الإنجليز يكبرون الله بملابس الإحرام يفيض محياهم جمالًا
وجلالًا ويكسوهم الخشوع والأوار، ورأيت صورة من الحشر الأكبر.
وما أجمل حمائم الحرم تحلق فوق الرؤوس
في أمان وسلام، لا تخاف زجرًا ولا همسًا.. وشاهدت معرض الأجناس في الألوان واللغات
يجمعهم جميعًا هذا الحرم القدسي الجامع، وهذه البقعة الطاهرة المكرمة، فسبحان من
دعا وسبحان من جمع، وهنيئًا لمن لبى وهنيئًا لمن سمع، لبيك اللهم لبيك، إنها مشاهد
الآخرة، وصور المجد العريق، والذكرى الخالدة، فوق الأزمان والدهور.
ما أصدق الشاعر:
قدسية
الكعبة في جمعها أمتنا
من كل أقطارها
إنها
محور أمجادها وإنها
مصدر أنوارها
وكعبة
المؤمن في قلبه يطوف
أنى كان في دارها
ولو
حدثتك عن موقف عرفات وما فيه من جمال وجلال حيث نرى العالم كله فوق جبل والحشر
الأصغر قبل الأكبر.. جبل عظيم، ذراته البشر، وبشر عظيم في صورة جبل!
جموع
متلاحمة من الرجال والنساء والشيب والشبان يجأرون لربهم بالدعوات بمختلف اللغات،
وقد انصهر بعضهم في بعض كأنهم فرد واحد، وذاب الفرد في نفسه فتجلى قلبًا واحدًا،
وذاب القلب فصار دعوة تشق أجواء الفضاء: يا رب.. يا رب.. الله أكبر.. الله أكبر.
وكأنما
السماء قد هالتها الموقف الرهيب، فسكبت دموع المطر رحمة بالبشر، وهبت بعد هذا
الغيث الخفيف نسمات الرحمن من فردوس الرضوان، وهتف هاتف الحق جل وتعالى: «يا
ملائكتي: إن هؤلاء هم عبادي، انظروا إليهم وقد جاءوني شعثًا غبرًا، ألا فاشهدوا
بأني قد غفرت لهم»، وما رؤي الشيطان يومًا هو أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم
عرفة.
والحج
الأكبر في عرفات.. هذه الرمال نضار الجنات، وهذه الحصباء ولا الدرر الغالبات، في
هذا السهل الفسيح قام في حجة الوداع إمام الأنبياء والمرسلين يعلن في البشر رسالة
الإخاء، كما يعلن عن الفجر الضياء.
ولقد
رأيت العائدين من رمي الجمرات، وعلى محياهم مظاهر البشر والانتصار على النفس، شتان
بين حجر يُقبّل ويُعظم، وبين حجر يُهان ويُرجم، وكذلك الإنسان ذلك المخلوق الترابي
بالخير تعلو قيمته وبالشر تهبط منزلته، يفعل الخير فتكرمه دنياه وأخراه، ويفعل
الشر فيغضب عليه مولاه ويرجم التاريخ ذكراه.
وهل
أحدثك يوم أشرقت علينا مدينة الأنوار، وحرم المختار، ودار الأنصار، والقبة
الخضراء، والروضة الفيحاء؟! تباركت اللهم لك الجلال والقدرة، أكل جمال الوجود في
الحجرة؟!
وما
الشمس وما القمر؟ إنهما يضيئان البصر، ولكن محمدًا الكوكب الذي يضيء الأرواح والفكر،
وينقذ من الظلام حياة البشر، ويرفعها إلى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر..
تباركت اللهم! هاهنا باب الوفود ومبعث الجنود، ومطلع أسد الغابة، ومواكب الصحابة.. محمد البشير، والكتاب المنير، وبلال والتكبير، لحظات تشتري بكل العمر بين محمد وصاحبيه أبي بكر وعمر.. هنالك نودينا بصوت رخيم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (الحجر: 46).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل