; خواطر حول التغريب ودعاته | مجلة المجتمع

العنوان خواطر حول التغريب ودعاته

الكاتب مانع حماد الجهنى

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1980

مشاهدات 85

نشر في العدد 493

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 12-أغسطس-1980

بالرغم من أن تقليد الضعيف للقوي والإعجاب به حالة نفسية قديمة ربما قدم الإنسان نفسه فقد أُبتلي المسلمون في العصر الحاضر بأسوأ مظاهر هذه الحالة، وهو ما عرف بالتغريب. ورغم أن اللفظة تشير إلى اتجاه قبلة المستغربين، فليس من الضروري أن تكون التبعية العاطفية والفكرية وتبني أنماط السلوك الدخيلة مقصورة في منبعها على الغرب، فقد رأينا كثيرًا من المستغربين يولون وجوههم إلى الشرق، ويظهرون إعجابهم بالشيوعية وغيرها. وهذه وإن كانت منابعها من الغرب فقد أخذت شكل كتلة شرقية تسعى للاستقلال الحضاري والاستعمار الفكري. 

والتغريب في أعمق صوره ليس هو التبعية العاطفية والفكرية وتبني أنماط السلوك الدخيلة فحسب، بل هو انسلاخ من القيم التي كان ينتمي إليها المستغرب احتقارًا لها، والدعوة إلى تبني القيم الغربية إعجابًا بها. وعلى هذا الفهم لا يكون التغريب ضد الاستشراق في مفهومه؛ بل هو صورة من صوره المستشرق فيها من أبناء الشرق نفسه؛ وذلك أن الاستشراق في أصله وأغلب صوره هو دراسة الشرق وثقافته، ثم محاولة استغلال هذه الدراسة في سبيل بث الأفكار الغربية والتمكين للحضارة الغربية عسكريًّا وفكريًّا دون أن يتأثر المستشرق في الغالب بمحتوى الحضارة الشرقية؛ خصوصًا الإسلامية بشكل يجعله يدعو إلى الأخذ بهذه الحضارة أو التنازل عن منهجه الفكري وميله العاطفي وسلوكه الخارجي، وهذا الدور هو ما يوقع المستغرب؛ سواء أشعر بذلك أم لم يشعر.

 وقد يتساءل إنسان هل من الممكن أن يتخلص شخص من جذوره العميقة التي تأصلت في تربة أرضه الأولى، وسقيت بماء ثقافته وروافده الحضارية، وينشئ جذورًا بنفس العمق في أرض غريبة؟ للإجابة على هذا التساؤل قد يحتاج المحلل إلى دراسة استقرائية لعينة كبيرة من المستغربين؛ ليرى كيف كانوا، ثم كيف أصبحوا، وعن مدى تقبل أفراد المجتمع الغربي لهم كغربيين؟ ولكن الملاحظة الثانية تكشف أن المستغرب قد يبذل الجهد، ويحاول أن يبرز في مجال محاربة الفكر الشرقي واحتقاره لدرجة أنه لا يمكن أن يرى فيه شيئًا من الجوانب المشرقة التي يمكن أن يراها الغربي نفسه، وقد يكون إعجابه بالفكر الغربي وحماسه له، والدعوة المتفانية إليه يصل إلى درجة لا تمكنه من رؤية الجوانب المعتمة التي يراها الغربي نفسه أيضًا، وبهذا قد يكون المستغرب غريبًا بين بني جلده وغريبًا بين بني قبلته الجديدة، ويكون قد لاحقته الهزيمة النفسية في وطنه الأول وفي مهاجره؛ وذلك أنه مهما حاول فلن يتخلص كلية من رواسب ماضيه النفسية، ومهما جاهد فلن ينجح كلية في إقناع أفراد المجتمع الغربي أنه منهم قلبًا وقالبًا، وتكون النتيجة هزيمة تلو هزيمة، وصراعًا نفسيًّا مميتًا واحتقار الأجيال من أبناء المعسكرين.

 الإسلاميون والتغريب: هذه لا شك صورة المستغرب المتطرف وهي لا شك أيضًا تنطبق على الكثيرين، ولكن كما أنه ليس من الضروري أن يقرن المستغرب الهجرة الفكرية العاطفية والسلوكية بالهجرة الجسمية إلى أرض الغرب، فكذلك ليس من الضروري أن يكون المستغرب مستغربًا بالكلية، فقد يكون مستغرب العاطفة والسلوك، ولكن أصيل الفكر؛ بل وقد يكون إسلاميًّا وفيه مس من التغريب في فكره وسلوكه وعاطفته، وهذه حالة يعانيها الإسلاميون الذين تثقفوا في الغرب، وهي حالة ليست جديدة فقد قيل عن أبي حامد الغزالي أنه ابتلع الفلسفة الإغريقية ثم أراد أن يتقيأها فعجز، كما أنها صورة تختلط فيها الألوان، فالإسلام دين يحض على كل طيب نافع، ويؤكد على أن «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها» لكن الناس قد يختلفون في تحديد ما هو «نافع» وأحيانًا في تحديد «الحكمة» في أمر من الأمور، فمن القواعد العامة التي يتفق عليها الإسلاميون أنه لا بأس من أن نستفيد من الغرب في تقدمه التقني التكنولوجي في الأمور المادية من صناعة وإنشاء وغير ذلك؛ لكن لا يجوز بحال من الأحوال استيراد الفكر والثقافة الغربية؛ لتعارضها مع تعاليم ديننا، ولعدم ملائمتها لمجتمعاتنا، وهذه القاعدة على إطلاقها صحيحة، ولكن الواقع يشير إلى أن الفصل بين المنتجات المادية والقيم الحضارية الغربية ليس دائمًا من السهولة بمكان، وإن كان هذا الفصل ليس مستحيلًا إذا وجد الوعي الإسلامي، ووضح الفرق بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية كل بخصائصها ومقوماتها. 

سمة الاستغراب هذه التي يعاني منها حتى الإسلاميون مؤشر خطير إلى عدم صفاء منبع التلقي وإلى تعدد مصادر الأسوة، فمن المعروف أن المنبع الذي يستقي منه المسلم أفكاره وتصوراته هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الأسوة الحسنة مقصورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو التجسيد الحي لتعاليم هذا الدين، وبالتالي هذا المنبع وتلك الأسوة يجب ألا تشوبها شائبة، وإلا كانت النتيجة صورة مشوهة ومنهجًا غير سليم.

نرى كثيرًا من الذين يعملون بالإسلام شعروا أم لم يشعروا قد وقعوا فريسة للتغريب في سلوكهم وتصوراتهم أحيانًا، فأنت ترى أحدهم يلبس لباس الغربيين، ويظهر بمظهرهم، ويحاول أن يقلدهم أكثر من حرصه على تقليد الرسول صلى الله عليه وسلم في مسكنه ومشربه ومركبه، وأن كان هو مع هذا كله قد لا يرتكب محرمًا بذاته، لكن الصورة كلها تستشف منها أسوته الحسنة غير الرسول الكريم، وأن مصدر تلقيه قد شابه ما شابه؛ بل أحيانًا حتى في الأمور الفكرية أو الاعتقادية ترى تأثير الفكر الغربي الذي يتعارض مع الإسلام في كثير من إنتاج المفكرين المعاصرين والأمثلة أكثر من أن تحصى.

آثار التغريب: أن النتيجة الحتمية للانهزام النفسي والعبودية الفكرية والدعوة الدؤوب للقيم الغربية من قبل دعاة التغريب من مستشرقين ومهزومين هي تبعية الأمة الإسلامية المعاصرة للغرب في فكرها واقتصادها وسياستها، فقد أوجد التغريب جيلًا لا يرى قيمة  للتراث الإسلامي وللمنجزات الحضارية الضخمة للحضارة الإسلامية أكثر من أنها ثمرات فترة تاريخية معينة انتهت إلى غير رجعه ولا داعي للتمسك بها، أو حتى محاولة ربطها بمسير الحضارة الإسلامية المعاصرة، ويرى أنه لا بد من تغيير مصدر الإلهام والتلقي إذا أردنا أن نساير ركب الحضارة الغربية العالمية، كما يزعمون، وفي المجال الاقتصادي ربط دعاة التغريب مصيرنا الاقتصادي بالغرب بعد أن أقنعوا كثيرًا من المسلمين بضرورة تطبيق الاقتصاد الربوي والتبعية المطلقة للمؤسسات الغربية، وكانت نتيجة ذلك أن وضعت خيرات بلاد المسلمين فريسة للاحتكار العالمي والجشع اليهودي، وأصبحت أموال المسلمين لا يستغلها الأعداء فقط؛ بل صارت سلاحًا يحارب فيه الإسلام في كل مكان، وأصبح العالم الإسلامي رغم احتوائه على أثمن مصادر الثروة أفقر بقاع الأرض وأكثرها تخلفًا من الناحية الاقتصادية، وفي المجال السياسي نجح دعاة التغريب في القضاء على الخلافة أهم المؤسسات الإسلامية، ثم فرضوا أنماط السلوك والتفكير السياسي الغربي على المسلمين في كل مكان، ونصبوا تلاميذ أمناء في كراسي الحكم والتوجيه الفكري في كل مجال، فأصبحت وجهة العالم الإسلامي السياسية لا توجهها مصالح هذا العالم وإرادة شعوبه؛ بل توجهها أطماع الاستعمار الغربي أو الشرقي، وكانت النتيجة خلق صراع داخلي بين أفراد المجتمع الإسلامي، وخنق كل صوت ينادي بالحرية السياسية أو الفكرية، وكان نتيجة الديمقراطية المزعومة في بلاد المسلمين هو شقاء لا يماثله شقاء، فلا الأنظمة الديمقراطية الغربية طبقت، ولا النظام الإسلامي المثالي الشامل طبق، فجمع على  الشعوب المسلمة ويلات الشرق والغرب، ورغم هذا كله ما نزال نسمع الدعوة للتغريب، ووجود من يحاول إقناعنا أن سبب شقائنا هو أننا لم نتناول بعد الجرعات الكافية من التغريب.

دعاة التغريب: أهم دعاة التغريب هم المستشرقون وتلاميذهم ممن سمى الأستاذ يوسف العظم المنهزمين، ولكن الدعوة إلى التغريب من تمجيد للحضارة الغربية وإعجاب بأنماط السلوك الغربي واحتقار لكل ما هو محلي أمر يقوم به الأفراد، كما تقوم به المؤسسات في الدول الإسلامية.

فوسائل الإعلام وما تعرضه على الناس من منتجات الغرب المادية والحضارية هو دعوة للتغريب بالكلمة والصورة والإيحاء، أضف إلى هذا مقارنة نظرية للتسهيلات المادية المتوفرة بالغرب، وتعامل الناس المبني على التنافس المادي المفيد مع الصعوبات التي تواجه الفرد عند التعامل مع الأفراد أو المؤسسات في بلاد المسلمين، وكان لسوء الأوضاع الاقتصادية والاضطهاد السياسي والحرمان من أبسط مقومات الحرية، كل هذا دعا إلى الإعجاب بما يردده ويخترعه دعاة التغريب من فضائل للحضارة العربية؛ بل دفع كثيرًا من المسلمين إلى هجرة أوطانهم إلى بلاد الغرب؛ ليعيشوا هناك بقية حياتهم، كل هذه العوامل جعلت التغريب ظاهرة مستمرة رغم أن الحضارة الغربية قد ظهر إفلاسها في كثير من المجالات، وبدأ بعض أفراد هذه الحضارة يبحثون عن مخرج، ويتشبثون بخيوط العنكبوت من فلسفات الشرق الأقصى التي يظنون أن فيها بصيصًا من الأمل، ويمكن أن تعطيهم بعض ما فقدوه، ولكن سرعان ما يكتشفون أنهم خرجوا من ضياع إلى آخر قلما يهتدون إلى مصدر الهداية الحقيقي، والسبب هو حملات التشكيك والشبهات التي يلصقها دعاة التغريب بالفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية، وكل من يهتدي إلى قيمتها من أبناء الغرب. 

طريق العودة: المخرج الوحيد من العبودية للغرب والانسياق في تيار التغريب الجارف هو اختصار التركيز على إبراز محاسن الحضارة الإسلامية، وتنقية الفكر الإسلامي من الشوائب الغربية، ثم تثقيف النشء المسلم ثقافة إسلامية صافية توضح لهم أن سبيل العزة ليس في التبعية للغرب، ولكن في منهج الله القويم، ومما يساعد على ذلك شرح مفاهيم الولاء والحب والبغض في الله، وخطر موالاة غير المؤمنين، وكذلك خطر وحرمة تقليد أعداء الله، وأهمية تميز شخصية المسلم في كل زمان ومكان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

144

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 11

142

الثلاثاء 26-مايو-1970

قضية الحرب والسلام!

نشر في العدد 17

138

الثلاثاء 07-يوليو-1970

تحركات مشبوهة.. فأين المسؤولون؟