الثلاثاء 12-نوفمبر-1974
يكتبها: أبو أسامة
● كان دقيق الجسم ضعيف البنية نحيل القوام ومع ذلك كان قوي النفس سليم الطوية واسع الآمال، والآمال ضد الأحلام لأنها دليل الثقة بالباسط وعنوان الإيمان بالقابض وآية باليقين بالقادر وقديمًا وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم «سراقة» سواري كسرى وهو مطارد لا يملك لنفسه شيئًا فضلًا عن غيره وإنما هي الثقة التامة والإيمان العميق واليقين الراسخ وفي حديث ما معناه: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون أوثق بما عند الله أكثر مما في يده».
كانت هناك دورات تدريبية «من حين لآخر» تنظمها جوالة الجماعة وكانت هذه الدورات لا يتخلف عنها إنسان كائنًا من كان هذا الإنسان ومهما كان في أي مستوى من المستويات ومهما كانت مكانته بين الجماعة مادام قد ارتضى أن ينضم إلى صفوف هؤلاء الأوفياء.
كانت هذه الفترات تحتاج إلى الوعي الكامل بالكثير من الاحتمالات وتوطيد النفس على الرضى التام بكل ما هو آت، فهناك احتمال التأخير عن الأهل أيامًا وسنوات.
وهناك احتمال اللقاء أو عدم اللقاء.
وهناك احتمال الإبقاء على المال «ما لم تكن هناك ضرورة» لعدم الإبقاء وهكذا وهكذا تتعدد الاحتمالات، وتتباين بين القليل والكثير، فما لم يكن الهدف لدى الإنسان واضحـــًــــــا والرؤية صحيحة كان ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة:17).
هذا هو باب من أبواب الجهاد المفروض في الإسلام فقد يجاهد الإنسان بماله أو بلسانه أو بحياته أو بقلبه وليس وراء ذلك مثقال ذرة من إيمان.
كثير من الناس يدخلون هذا الباب ويظنونه كسائر الأبواب يصلون من خلاله إلى مأرب ويعبرون من ثناياه إلى مطلب فلم يلبثوا حتى يروا عقبة كأداء وبحرًا متلاطم الأمواج فلا وصول إلى مغنم ولا عبور إلى مأرب لأن البحر عميق والعقبة كؤود الناقد بصير. إذن فلا مناص من أمرين لا ثالث لهما فإما تصحيح ومضاء وإما تقاعس واسترخاء فمن وجد نفسه في الأولين فليحمد الله ومن وجد غيره في الآخرين فليقل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». بخلاف ما قال يوم ثقيف: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون». لأن الأولين مسلمون غير أنهم فروا أما أولئك فغير مسلمين فكان ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ (هود: 24)
في إحدى هذه الدورات طلب هذا الأخ الكريم ليأخذ مكانه بين أقرانه سواء كان في المقدمة أو المؤخرة وأيًا كان مأمومًا أو إمامًا.
ففي اليوم المحدد للقيام خرج من المنزل لصلاة الصبح ليبدأ رحلته من هناك أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء أسفاره من حيث الذهاب والإياب فما كان يخرج إلا من المسجد وما كان ينزل حين يعود إلا على المسجد.
فما كاد ينتهي من الصلاة حتى وجد من يناديه بشيء من الإلحاح فعلم أن هناك أمرًا يحتاج وجوده في الدار فنظر إلى السماء ثم قال: «اللهم لا تشغلنا بأنفسنا ولا تصرفنا عن واجبنا اللهم إنهم عبيدك فتول أمرهم فإنك الصاحب في السفر والخليفة في الأهل».
قال هذه الكلمات ثم انصرف إلى حال سبيله لاحقًا بالركب غير متخلف ثم عاش أيامه كأن لم يكن هناك شيء فوفاه الله كل شيء.
كانت أنبوبة الغاز قد انفجرت داخل الحمام وكان بعض الأولاد في حالة الاستحمام فصرخت الزوجة فهرع الأخ من الحجرة ثم خرج حامًلا الغلام بين الحياة والموت فتركه شبه مسجى وأسرع في استدعاء أبيه من الصلاة. فلما لم يفلح عاد بخفي حنين وجد البيت في حالة ضوضاء فما لبث أن رأى الولد باسمًا ويقول: «أخي لا تزعج أبي إن الأعمار بيد الله».
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل