; خميس في بلاد العجائب (8) | مجلة المجتمع

العنوان خميس في بلاد العجائب (8)

الكاتب يحيي البشيري

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1989

مشاهدات 105

نشر في العدد 925

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 25-يوليو-1989

عاد خميس مع أمه وخالته حزين القلب، كاسف البال، بعد أن أخبره أحد السجانين على حين غفلة من مرؤوسيه أن هشامًا ومئات معه قد قتلوا في صبيحة يوم من شهر حزيران، وأنه لا فائدة من البحث عنه، وبحركة سريعة حدد له المكان الذي دفن فيه المئات قريبًا من سفح جبل

أحس خميس أن صدر هذا السجان لا يزال يحتوي قلبًا، وقد يكون قلبًا رقيقًا بخلاف مظهره! فهو يحمد الله أنه لم يشترك في قتل أي سجين لأنه يعمل في الحراسة الخارجية، ويكتفي بأخذ معلوماته عن أحوال السجن من زملائه في الداخل!

ووقف خميس حائرًا!! ماذا يقول لأمه وخالته؟ أيخبرهما بما قال السجان وهذا ما يميل إليه؟ أم يتركهما تعيشان على أمل لقاء هشام فيخبرهما بما قال مساعد «غانم» إن هشامًا نقل إلى سجن بالعاصمة، وهو باب من أبواب الابتزاز لا تقوى خالته الفقيرة على ولوجه؟

فحسم الأمر سريعًا واختار حكاية وسطًا من الروايتين وقال لخالته: إن هشامًا نقل من هذا السجن قبل مدة إلى العاصمة، وهم لا يعرفون في أي سجن هو.

لم يكن خميس يتصور أن العجوزين الريفيتين الصلبتين ستنهاران بهذه السرعة، وأن عليه أن يسرع بهما إلى القرية قبل أن تلقى إحداهما أجلها في الطريق، فمضت سيارته تنهب الطريق الصحراوي باتجاه المدينة.

وفي اليوم التالي كانت العجوزان طريحتي الفراش لا تقويان على الحركة فمضى بهما إلى الطبيب الذي ملأ الوصفة بأسماء الأدوية، مما جعله يشك في معرفة الطبيب بحالتيهما، ومع ذلك انطلق لجلب الدواء عسى أن يخفف عنهما.

دخل خميس صيدلية «نتمنى لك الشفاء» ومد يده بالوصفة، فجعل الصيدلي يلتهم السطور، وهو يحرك حاجبيه بالنفي دون أن يتلفظ بكلمة؛ فاغتاظ خميس من أسلوبه وقال بحدة: أليس عندك ولو دواء واحدًا منها؟!

ابتسم الصيدلي بمرارة وقال: يا سيد! هذه الوصفة تحتوي على دواء واحد، ولكن الطبيب كتب خمسة بدائل، ويؤسفني أن أقول لك: ليس موجودًا أي نوع منها.. ثم أحس أنه تورط عندما نفى وجود الدواء فاصطنع ابتسامة وقال: أقصد يعني.. يعني غير موجودة عندي، لكن من الممكن أن توجد في صيدلية أخرى، ثم أدار ظهره لينفض الغبار عن بعض العلب القديمة الفارغة.

خرج خميس باتجاه شارع «قارون» المزدحم، ليدخل إلى صيدلية «الاكتفاء الذاتي» فأخذ الصيدلي الوصفة وقال: سألت في صيدلية أخرى؟

أجاب خميس بالإيجاب:

قالوا إن الدواء موجود عند غيرهم!

وإذا كانوا قد قالوا ذلك فهو صحيح، الدواء موجود في القطر، والأزمة مفتعلة، لا بد أن تجده، أتمنى لك التوفيق، مع السلامة أستاذ.

ركب خميس سيارته واتجه إلى الأحياء الشعبية لعله يجد الدواء فيها، بعد أن أقنع نفسه بوجوده في صيدلياتها لندرة من يشتري دواء هناك، وفي صيدلية «الوقاية خير من العلاج» التي هي أشبه ما تكون بدكان في قرية بائسة، وجد خميس كهلًا يأكل صحنًا من الفول، ويلتهم قطعًا كبيرة من البصل، فلم يستطع أن يحدد أهو الصيدلي؟ أم مساعده؟  أم رجل يعمل في تنظيف الصيدلية؟!! انتهى الكهل من الطعام، وأعاد إشعال سيجارته... ثم تجشأ مرة أو مرتين، ونظر إلى خميس ليقول: الفول غذاء كامل، والبصل يمنع تصلب الشرايين... وراح يعدد فوائد البصل وما يمكن أن يستحضر منه، مما جعل خميس يظن أنه الصيدلي فدفع إليه الوصفة فأخرج الكهل نظارتين سميكتين، وراح يقرأ ما فيها، وابتسامته تزداد كلما أوغل في القراءة.. ثم وضع يده على فمه وتجشأ، ونظر إلى خميس مبتسمًا وقال: الأستاذ من الريف؟!

نعم!

يا أهلًا وسهلًا... وطوى الوصفة وكأنه يريد أن يبدأ حديثًا لا علاقة له بالدواء، ولكن خميس عاد إلى موضوع الدواء وقال: هل أجد الدواء في صيدليات المدينة؟!

قال الكهل: الحقيقة.. يا ابني.. الدواء غير موجود.. أقصد عندنا، ونحن متفائلون بوصوله إلى مستودع أدوية «بومة- ميكس» التي تولت التوزيع، وهي شركة على قدر كبير من النجاح، استطاعت بجهود المسؤولين أن توقع «غراب- ميكس» في خسارة كبيرة.. فبدا لخميس وقد يئس من الحصول على الدواء أن يساير الرجل فقال: ولكني سمعت أن شركة «جردون- ميكس» ستتولى توزيع الأدوية بعد الانتهاء من تنظيف المستودعات.

استغرب الكهل مما يسمع وقال: وهل هناك شركة بهذا الاسم؟

قال خميس: طبعًا... وهي لكثرة ما لديها من أدوية لم تدرِ ماذا تفعل بها فاستأجرت غرفًا في «خان الحرير» و«قبو النجارين» ولكن الحشرات تسلطت عليها، فاضطرت إلى تعريضها للشمس، ورش الغرف والمستودعات بالمبيدات، وستعيد توزيع الأدوية لتغمر بها الصيدليات... ثم تنهد بحرقة وقال: ولكن ماذا أقول لهذا المرض الذي جاء في غير أوانه، ولم ينتظر قليلًا.

قال الكهل: الحقيقة إنني أسمع مثل هذا الكلام لأول مرة.. فالأستاذ «موفق» عندما سلمني الصيدلية لم يخبرني بشيء من هذا؟!

قال خميس: أليس حضرتكم الصيدلي؟!!

قال الكهل وقد بدا عليه الحرج: أنا- يا ابني- مساعد الصيدلي، وأكون زوج خالته.. موظف سابق في السجل العقاري.

قال خميس: وأين ذهب الصيدلي؟!

قال الكهل: افتتح محلًّا لبيع العطور وأدوات التجميل... وهو موفق جدًّا، فقد أصبح الوكيل الوحيد لمعجون لإزالة الشعر.

هز خميس رأسه بأسى، وقال: ولكن ألا يوجد بديل عن هذا الدواء؟! قال الكهل: لا شك أنه يوجد، وطالما أنت من الريف فأنا سأريحك من الذهاب للأطباء والوقوف على أبواب الصيدليات

خميس: دلني.. الله يطول عمرك.

الكهل: في البرية عندكم كثير من النباتات من مثل خف النملة، وسنام الديك، وضرس العصفور، وحنك البطة... هذه النباتات لو طبخت ثم عصرت، واستعملت دهنًا أو شربًا تنفع في كثير من الأمراض.

نهض خميس وشد على يد العجوز شاكرًا، ثم قال: خبرتك واسعة- يا عم- ما شاء الله، طبيب وصيدلي..

قال خميس: ولكن بقي شيء واحد أريد أن أستفسر عنه...

الكهل (بلهفة): تفضل.

خميس: إذا كان المعجون مجربًا في إزالة الشعر، فهل من الممكن- مثلًا- استعماله في إزالة آثار العدوان؟! ابتسم الكهل، وقد أدرك ما يقصده خميس، وقال: اتركها مستورة.. لا أريد أن أضيع شبابي في السجون.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 921

79

الثلاثاء 20-يونيو-1989

أدب وثقافة (العدد 921)

نشر في العدد 922

80

الثلاثاء 27-يونيو-1989

أدب وثقافة (العدد 922)