العنوان خلفيات الصراع بين عون وجعجع: التصفيات النصرانية... النصرانية
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1989
مشاهدات 70
نشر في العدد 906
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 28-فبراير-1989
• الروس سلموا للأمريكان بالدور الرئيسي وانكفئوا على ذواتهم أيديولوجيًّا.
• لا يمكن لنصارى لبنان أن يخرجوا من جلباب الثقافة العربية الإسلامية.
• صراع عون- جعجع يندرج ضمن نطاق التحضير لحلول قادمة.
يبدو أن «سيناريو» الحل اللبناني وفق المعطيات الدولية والعربية يسير في اتجاه الصراع المرير بين طرفين متماثلين «أمل وحزب الله- الجيش اللبناني والقوات اللبنانية» في محاولة لتصفية أحدهما للآخر، يعقب ذلك وفاق مفروض سواء رجحت كفة أحد الأطراف أو خرجا بنتيجة «لا غالب ولا مغلوب».
والمحصلة النهائية لهذا «السيناريو» هو تهيئة المنطقة لحلول قادمة أو يجري التحضير لها بهدوء ولكن بإصرار سواء فيما يتعلق بالقضية اللبنانية أو القضية الفلسطينية أو القضية العراقية الإيرانية، أو أي قضية أخرى تشكِّل بؤرة صراع في العالم الثالث.
فمن هذا الإطار العام يتحرك الصراع (اللبناني- اللبناني) وبالتحديد: (المسيحي- المسيحي) أو الصراع بين قائد الجيش اللبناني في بيروت الشرقية رئيس الحكومة العسكرية «المجلس العسكري» العماد ميشيل عون من جهة، وبين سمير جعجع قائد «القوات اللبنانية» من جهة أخرى.
وليس غريبًا في لبنان، بل ضمن إطار اللعبة السياسية بوجه عام، أن يتحول الحليف إلى خصم وأن يتحول الخصم إلى حليف ما دامت الظروف الدولية والمحلية، الموضوعية والذاتية، تقتضي ذلك، وما دام رموز اللعبة ضمن إطار المبادئ لا قيمة لهم، وما دامت المبادئ يمكن تفصيلها على مقاس هذا الرمز أو ذاك، وما دام لكل رمز دوره ضمن المراحل المتعاقبة! وما دام الواقع يضغط في اتجاه تعديل الأفكار بما يتلاءم مع نتائج الصراع نصرًا أو هزيمة.
• طلب الصراع:
من هذه المقدمة ندخل إلى صلب الصراع في بيروت الشرقية التي من المفترض أنها في صراع مع بيروت الغربية، ولكن عندما توقف الصراع بين الشرقية والغربية عند الحد الذي لم يسمح فيه بتغلب أحد الطرفين على الآخر كان لا بد من تفجير الصراع في الجانب الغربي من بيروت بين الأطراف المتحالفة فلسطينية ولبنانية «منظمة التحرير- منظمة أمل» و(فلسطينية- فلسطينية) «عرفات- أبو موسى» ولبنانية سنية ولبنانية شيعية «قليلات- بري» وبين الشيعة والشيعة «أمل- حزب الله» والآن جاء دور الصراع في بيروت المسيحية بين ميشيل عون ممثلًا للحكومة العسكرية والجيش اللبناني ذي الغالبية المسيحية، وبين سمير جعجع ممثلًا عن القوات اللبنانية المسيحية، وإذا كان لا بد لكل صراع من شعارات ترفع فقد رفع عون شعار «لبنان الموحد» بينما رفع جعجع شعار حماية الكيان المسيحي في لبنان علمًا بأن كلًا من عون وجعجع يتفقان على ضرورة انسحاب القوات السورية من لبنان وأضاف جعجع مؤخرًا ضرورة انسحاب حزب الله أيضًا.
• الدور السوري:
ومن المعروف أن الأطراف المسيحية في لبنان استنجدت بالقوات السورية في بداية الأزمة اللبنانية قبل عشر سنوات لمواجهة تحالف القُوى الوطنية اللبنانية مع منظمة التحرير الفلسطينية كما ساهمت دمشق مساهمة كبيرة في إقناع كل من الوزيرين نبيه بري، ووليد جنبلاط بالموافقة على تعيين عون قائدًا للجيش خلفًا للعماد إبراهيم طنُّوس الذي قاد الجيش في عمليات قصف الضاحية الجنوبية من بيروت سنة 1983، وظلت علاقات عون مع القادة السوريين جيدة وخصوصًا مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام حتى أزمة انتخابات الرئاسة التي دعمت دمشق فيها الرئيس سليمان فرنجية ثم النائب ميخائيل ضاهر.
وهنا دبَّ الخلاف بين عون الذي عينه الرئيس السابق أمين الجميل رئيسًا للحكومة العسكرية قبل أن تنتهي مدة رئاسته، وبين السوريين الذين اتفقوا مع الأمريكان على ترشيح ميخائيل الطاهر لرئاسة الجمهورية، هذا المنصب الذي ظل شاغرًا حتى الآن.
ومع اختلاف عون مع السوريين كان اقترابه من جعجع الذي يعتبر أن لبنان بتركيبته القديمة انتهى، وأنه لا بد من قيام صيغة جديدة على أساس اللامركزية السياسية أو التعددية الحضارية التي يقول إنها تميز المجتمع اللبناني، ومعنى ذلك أنه يطرح فكرة الكانتونات الطائفية في لبنان.
وقد وجد جعجع نفسه مندفعًا نحو تأييد ترشيح عون لرئاسة الحكومة رغم تعارض ذلك مع العرف اللبناني بأن يكون رئيس الحكومة من السُّنة، ورغم وجود حكومة الحُص، وذلك انطلاقًا من عقيدته السياسية، وحتى يحيط مشروع توسيع حكومة الحُص التي سعى إليها أمين الجميل قبل غيابه.
وهكذا جاءت وحدة المواقف بين عون وجعجع تحت تأثير المصالح المشتركة بين الطرفين ولكن الطموحات الشخصية لكل منهما إضافة إلى الطرح المتباين نسبيًّا إزاء مفهوم الدولة اللبنانية دخلت ضمن العوامل التي فجرت الصراع بينهما.
• رئاسة الجمهورية:
وما دام الصراع يدور حول رئاسة الجمهورية التي يتفق الطرفان عون وجعجع على أن تبقى حسب التقليد الذي وضعته فرنسا ملكًا للمارونيين، فإن عون يعتبر نفسه ممثلًا للشرعية وبالتالي فهو أحق بهذا المنصب بينما جعجع الذي انضم إلى القوات اللبنانية عام 1976من عائلة مغمورة استطاع أن ينتزع القيادة من أصحابها، وأن يبعد آل الجميل عن قيادة حزب الكتائب وأن يهزم إيلي حبيقة المدعوم من سوريا عام 1986، وهو المتهم بالهجوم على منزل النائب طوني فرنجية الابن الأكبر للرئيس السابق سليمان فرنجية الذي كان مدعومًا من سوريا وقد قتل في هذا الهجوم سنة 1978 طوني وزوجته وطفلته وعدد من مؤيديه.
• عون يكسب الجولة:
ولقد حول في صراعه الحالي تكرار الهجوم على عائلة عون، كما ذكر عون نفسه ولكن الهجوم أحبط ووجد نفسه هذه المرة عاجزًا أمام هجمات الجيش فأخذ يتراجع.
وأعلن عون أن الجيش هو الشرعية وهدد بإطلاق يد الجيش لإزالة القوات اللبنانية من الوجود واتهمها بأنها كانت تحاول إنشاء دويلة ضمن الدولة ووصفها بأنها فاشية تشبه المافيا وتمارس أعمال العصابات وتدير البارات وبيوت الدعارة وتشيع الخلاعة وتفرض الخوات «الضرائب» على الناس، وطالب بوقف الجبايات وتسليم المرافئ والمؤسسات الحكومية للدولة وإلغاء المجلس الوطني للإنماء الذي هو أشبه بالحكومة التابعة «للقوات» وهدد بتحطيم رؤوس أولئك الذين لا يلتزمون بالقانون.
وأعلن جعجع أنه يضع قواته تحت تصرف الجيش مُبدِيًا مرونة تكتيكية لالتقاط الأنفاس وقام بزيارة عون ولكنه رفض مبدأ حل ميليشياته والتوقف عن جباية الضراب وتسليم المرافق العامة ما لم تنسحب القوات السوري من الشطر الغربي من بيروت وسيطرة الجيش اللبناني على بيروت الإدارية.
وضمن مبدأ أنه لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون في السياسة فقد أعلن اللواء سامي الخطيب قائد جيش لبنان في غرب بيروت وقوفه إلى جانب عون في صراعه مع جعجع، كما أن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الذي اجتمع بعون في تونس مؤخرًا أعلن أن قواته في الجنوب اللبناني تحت تصرف عون.
وهكذا كسب عون الجولة على خصمه جعجع على ما يبدو، كسبها في الوسط الإسلامي في غرب بيروت من خلال تأييد سامي الخطيب له، وكسبها في الوسط الفلسطيني من خلال تصريحات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ويبدو أنه كسب أيضًا الجامعة العربية من خلال اللجنة السداسية ومن دعم العراق له، ويبقى موقف السوريين الذين وقفوا منه حتى الآن موقف المعارض بالرغم من اتصالاته الهادئة والسريَّة معهم.
• الموقف الأمريكي:
فالمتوقع أن يتغير رأي الأمريكيين إذا ضمنوا الهيمنة على لبنان ضمن مخطط الهيمنة على المنطقة ولا يهتمون كثيرًا بالأشخاص انطلاقًا من المبدأ الفلسفي البراجماتي الذي يحكم السياسة الأمريكية والذي صاغه الفيلسوف الأمريكي وليم جيمي.
ولا شك أن موقف السوريين من جعجع أكثر حدَّة من موقفهم من عون، ولكن قبولهم لعون كمرشح لرئاسة الجمهورية يخضع لكثير من المعايير منها موقف عون من المشروع السوري في لبنان، وموقف سوريا من موضوع المصالحة مع العراق، والتطورات المقبلة لموضوع المصالحة العراقية الإيرانية وموقف كل من سوريا وعون من منظمة التحرير الفلسطينية وموقف العدو الصهيوني من الانسحاب من لبنان بعد انسحاب القوات السورية كما يقول عون أو متزامنًا معها ثم موقف القوى الإسلامية التي ترفض التقسيم، كما ترفض العودة إلى صيغة ما قبل الحرب اللبنانية وتطالب بمزيد من المكاسب والحقوق التي حرمت منها في العهود السابقة وأخيرًا ظهور حزب الله على الساحة اللبنانية والقوى الإسلامية داخل الساحة اللبنانية والفلسطينية وموقفهم من حل القضيتين اللبنانية والفلسطينية.
ليس من السهل القول إن الأزمة اللبنانية قد انتهت إلا إذا افترضنا أن الأزمة الفلسطينية قد انتهت أو أن الحرب العراقية الإيرانية قد توقفت تمامًا، صحيح أن الروس قد سلموا للأمريكان بالدور الرئيسي وانكفئوا على ذواتهم أيديولوجيًّا فيما سمي بالبيروسترويكا وانفتحوا على العالم اقتصاديًّا وتخلوا عن التورط في نصرة الأحزاب الماركسية عالمية وتعاملوا مع الدول بغض النظر عن أيديولوجياتها واكتفوا بدور هامِشِي في القضايا الإقليمية لا يصل إلى حد التضحية والخسارة من أجل مبادئ لم يعودوا يؤمنون بها ومعنى ذلك استفراد الولايات المتحدة بترتيب أوضاع العالم بحيث لا يخرج من قبضتها والخاسر الوحيد هو الشعوب الصغيرة التي تستجيب لدواعي الفتنة وتعمل أسلحتها في أجساد بعضها بعضًا وهي تظن أنها تحسن صنعًا وترافع عن حقوق وتسعى إلى أهداف مشروعة.
والمطلوب أن تصحو هذه الأمة على الواقع المأساوي، وأن تدرك مدى الضلال الذي هي فيه، وأن تلم شعثها في عالم لا يرحم الضعفاء، وأن توحد صفها في مواجهة الأعداء الكبار وأتباعهم الصغار، فلا يمكن للبنان العربي أن يكون قطعة من فرنسا، أو امتدادًا للغرب، أو ولاية أمريكية، ولا يمكن لنصارى لبنان أن يخرجوا من جلباب الثقافة العربية الإسلامية كما لا يمكن لمسلمي لبنان أن يعيشوا في وطنهم في مرتبة دنيا وكأنهم أغراب أو عبيد.