; خلافة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما | مجلة المجتمع

العنوان خلافة عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1980

مشاهدات 116

نشر في العدد 464

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 08-يناير-1980

لما طُعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو في الصلاة وعلم المسلمون أنه ميت بهذه الطعنات قالوا له: يا أمير المؤمنين استخلف فقال: أي ذلك ما أفعل فقد فعله من هو خير مني أن أترك للناس أمرهم فقد تركه نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأن استخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر -رضي الله عنه-

فلما أعادوا عليه قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى عليا وعثمان والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وقال يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة.

فلما فرغوا من دفن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخين فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلي والله على أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقدم في الإسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ، ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه وعند البخاري من رواية حميد بن عبد الرحمن أن المسور بن مخرمة أخبره أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرحمن لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر. ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم. فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع أولئك الرهط ولايطأ عقبه، ومال الناس إلى عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان- قال المسور- تركني عبد الرحمن بعد هجع من الليل. فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائمًا فوالله ما اكتملت هذا الثلاث بكثير نوم. انطلق فادع الزبير وسعدًا فدعوتهما له. فشاورهما، ثم دعاني فقال: أدع لي عليا، فدعوته فناجاه حتى أبهار الليل. ثم قام علي من عنده وهو على طمع. وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا. ثم قال: ادع لي عثمان فدعوته، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح. فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى كل من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد -وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر- فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي أني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، فقال أي عبد الرحمن مخاطبًا عثمان- أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون، والأنصار، وأمراء الأجناد، والمسلمون.

وهكذا تمت خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بطريق رسمه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقد جمع عمر بين طريقتي التعيين ثم الانتخاب فعين ستة من الصحابة الذين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راضٍ يختارون من بينهم أحدهم ليكون خليفة المسلمين. فمن رضي عنه هؤلاء الستة رضي عنه المسلمون فأوكل بذلك الأمر شورى بين هؤلاء الستة لا ينفرد به أحد منهم. وقد أوصاهم فيمن تآمر منهم على غير مشورة من المسلمين فأضربوا عنقه، وهو بذلك يحملهم مسؤولية المشورة آخذين في اعتبارهم موافقة المسلمين على هذا الاختيار حتى تتم البيعة طاعة ورضا للخليفة.

وهو بذلك يفتح الباب في التعيين لأكثر من واحد ويضيق في الاختيار بين هؤلاء الستة فقط ولقد كان هذا الأسلوب حكيما موفقا، فقد كان هؤلاء الستة محل أنظار الناس وأن كل واحد منهم وراءه عشيرته وأنصاره خصوصا عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ولما لهما من مكانة، حتى أنه ورد في بعض الروايات أن عمر لما جمع الستة قال لعلي وعثمان «يا علي إن وليت من أمر المسلمين شيئا فلا تحملن بني عبد المطلب على رقاب الناس، وقال لعثمان يا عثمان إن وليت من أمر المسلمين شيئا فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس».

ولا شك أن صنيع عبد الرحمن بن عوف وهو من هو في فضله وسبقه وتقواه كان حكيمًا إذ استطاع ابتداء أن يحصر شقة احتمال الخلاف بين اثنين هما علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان بدل أن يكون احتمال الخلاف بينهم جميعا ثم أنه ظل ليالي ثلاث وهي أقصى مدة أعطاها إياهم عمر بن الخطاب فقد ورد أنه دعا صهيبا -رضي الله عنه- وأرضاه أن يصلي للناس ثلاثًا- وفي هذا الثلاث كان يستشير أهل الحل والعقد حتى إذا استجمع عليه الرأي وقام وبايع عثمان وتبعه الصحابة والمسلمون فكانت خلافة عثمان مقبولة بإجماع المسلمين. فيتمكن حينئذ من ذلك، ورأى الآخرون أن بيعته لم تنعقد لافتراق الصحابة أهل الحل والعقد بالآفاق، ولم يحضر إلا قليلًا ولا تكون البيعة إلا باتفاق أهل الحل والعقد، ولا تلزم بعقد من تولاها من غيرهم أو من القليل منهم، وأن المسلمين حينئٍذ فوضى فيطالبون أولًا بدم عثمان ثم يجتمعون على إمام ، وذهب إلى هذا معاوية وعمرو بن العاص وأم المؤمنين عائشة والزبير وابنه عبد الله وطلحة وابنه محمد وسعد والنعمان بن بشير ومعاوية بن خديج وبعض هؤلاء حسب الرواية السابقة ممن بايع عليًا في المدينة، ومن كان على رأيهم من الصحابة الذين تخلفوا عن بيعة علي بالمدينة إلا أن أهل العصر الثاني من بعدهم اتفقوا على انعقاد بيعة علي ولزومها للمسلمين أجمعين وتصويب رأيه فيما ذهب إليه وتعين الخطأ من جهة معاوية ومن كان على رأيه وخصوصًا طلحة والزبير لانتقاضهما على علي بعد البيعة له فيما نقل مع دفن التأثيم عن كل من الفريقين كالشأن في المجتهدين، وصار ذلك إجماعًا من أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول، ولقد سئل علي -رضي الله عنه- عن قتلى الجمل وصفين فقال: «والذي نفسي بيده لا يموتن أحد من هؤلاء وقلبه نقيًا إلا دخل الجنة» يشير إلى الفريقين، نقله الطبري وغيره.

فلا يقعن عندك ريب في عدالة أحد منهم ولا قدح في شيء من ذلك فهم من علمت وأقوالهم وأفعالهم إنما هي عن المستندات. وعدالتهم مفروغ منها عند أهل السنة. وإذا نظرت بعين الإنصاف عذرت الناس أجمعين في شأن الاختلاف في عثمان واختلاف الصحابة من بعده وعلمت أنها كانت فتنة ابتلى الله بها الأمة.

خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه 

٤٠ ه- ٦٦٠م

لما قتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين بويع لعلي بن أبي طالب-رضي الله عنه- بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان بالخلافة بايعه طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد ابن زين بن عمرو بن نفيل وعمار بن ياسر وأسامة بن زيد وسهل بن حنيف وأبو أيوب الأنصاري ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت وخزيمة بن ثابت وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولقد حُمل علي بن أبي طالب على قبول الخلافة حملًا فلم يكن راغبًا فيها لولا إصرار المهاجرين والأنصار وصعوبة الظروف التي كانت تعيشها الأمة بعد مقتل عثمان بن عفان إلا أن الأحداث ومجريات الأمور كانت تسوء يومًا عن يوم مما جعل خلافة علي بن أبي طالب مضطربة، وينقل ابن خلدون أخبار تلك الفترة مبينًا أن الناس كانوا عند مقتل عثمان مفترقين في الأمصار فلم يشهدوا بيعة علي والذين شهدوا فمنهم من بايع ومنهم من توقف حتى يجتمع الناس ويتفقوا على إمام ... والذين في الأمصار عدلوا عن بيعته أيضًا إلى الطلب بدم عثمان وتركوا الأمر فوضى حتى يكون شورى بين المسلمين لمن يولونه وظنوا بعلي هوادة في السكوت عن نصر عثمان من قاتليه لا في الممالات عليه، فحاش لله من ذلك ثم اختلفوا بعد ذلك فرأى علي أن بيعته قد انعقدت ولزمت من تأخر عنها باجتماع من اجتمع عليها بالمدينة دار النبي -صلى الله عليه وسلم- ومواطن الصحابة وأرجأ الأمر في المطالبة بدم عثمان إلى اجتماع الناس واتفاق الكلمة والحق أن خلافة علي بن أبي طالب كانت خلافة شرعية تمت برضى المسلمين وإقرارهم فقد بايعه المهاجرون والأنصار وهو في المدينة ولا يقدح في خلافته امتناع البعض فقد امتنع بعضهم عن مبايعة الخلفاء من قبله كما امتنع عن مبايعة علي بن أبي طالب نفسه وبنو هاشم والزبير بن العوام وخالد بن سعيد بن العاص وسعد بن عبادة الأنصاري فلم يسقط ذلك خلافة أبي بكر وإن كان جميع هؤلاء بايعوا بعد موت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا سعد بن عبادة فإنه لم يبايع أحدًا إلى أن مات، وكانت بيعتهم بعد ستة أشهر. ثم أن عليًا لم يقبل إلا أن تكون البيعة له علنية يشهدها المسلمون في المسجد. فقد روى الإمام أحمد في المناقب عن محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب قال: كنت عند أبي حين قتل عثمان فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا له إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحدًا أحق بهذا الأمر ولا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله منك، قال: لا تفعلوا فإني وزير خير من أن أكون أميرًا قالوا لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك قال: ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفية، ولا تكون إلا عن رضى المسلمين، فدخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايع الناس.

وهكذا أصل المسلمون للخلافة الراشدة طريقها وأسلوبها، فاختار المسلمون أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- في اجتماع السقيفة بعد مشاورات ومناقشات وعهد أبو بكر الصديق بالخلافة من بعده لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعين عمر ستة يختار منهم خليفة للمسلمين. فجمع بين التعيين والاختيار، فاختاروا من بينهم عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم اختار المسلمون من بعده عليًا بن أبي طالب كرم الله وجهه، وفي كل الأحوال كان أهل الحل والعقد هم أول من يختار ويبايع ثم يبايع الناس بعد ذلك وهذه الطرق التي تمت بها الخلافة الإسلامية لا تخرج عنها أساليب الدول الحديثة عمومًا في اختيار رؤسائها وحكامها غاية ما هنالك أن الخليفة الذي يختار في الدولة الإسلامية يرتضيه الناس لدينهم أولًا وبالتالي يرتضونه لدنياهم يقيم فيهم شرع الله وينشر دينه ويدافع عن بيضة الإسلام وحوضه مهما تكن طريقة توليته لإمرة المسلمين، فالمنصب حينئٍذ تكليف قبل أن يكون تشريفًا.

الرابط المختصر :