; خلافات السلطة الداخلية: كسر العظم بين أبو عمار وأبو مازن | مجلة المجتمع

العنوان خلافات السلطة الداخلية: كسر العظم بين أبو عمار وأبو مازن

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003

مشاهدات 59

نشر في العدد 1568

نشر في الصفحة 24

السبت 13-سبتمبر-2003

  • الصراع جعل كل زوايا البيت الفلسطيني مكشوفة لكل عابر سبيل أجنبي ليمارس ضغوطه!

انتهت معركة كسر العظم بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» بتقديم أبو مازن استقالته ثم اختيار عرفات لأحمد قريع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني لتشكيل حكومة جديدة، في حين وصل التدخل الصهيوني بالشأن الفلسطيني الداخلي إلى حد إعلان رئاسة الحكومة الإسرائيلية في بيان لها: «أن استقالة عباس هي مسألة فلسطينية داخلية، إلا أن إسرائيل تتابع التطورات عن قرب في هذه القضية». وكان مسؤول إسرائيلي كبير قد أكد في وقت سابق أن عباس يبقى «المحاور الفلسطيني الوحيد بالنسبة إلى «إسرائيل» في كل ما يتعلق بعملية السلام».

الخطير والمخيف في الخلاف الفلسطيني أنه يفتح الباب على مصراعيه للتدخلات الخارجية كي تفرض وصايتها على الشعب الفلسطيني وعلى الحكومة، ومن ثم تصبح كل زوايا البيت مكشوفة لكل عابر سبيل، وتكثر الإملاءات والشروط وتصبح إرادة الفلسطينيين مرهونة بالموقف الأمريكي أو الإسرائيلي. أزمة السلطة والحكومة الفلسطينية تبدو في كثير من الأحيان مستعصية على الحل بسبب كثرة التعقيدات والتداخلات، فضلًا عن عامل التدخل الخارجي الذي أصبح عنصرًا مهمًّا وثابتًا في أي تشكيلة سياسية - أمنية فلسطينية. واليوم أصبحت تسميات: السلطة - الحكومة - القيادة الفلسطينية متداخلة بشكل كبير من حيث الحدود والصلاحيات والاستقطاب لمختلف العناصر الفعالة داخل هذا المثلث.

المشكلة بدأت بـ «عرفات - أبو مازن» ثم تشعبت وتفرعت لتصل إلى «الرجوب – دحلان» ثم وصلت إلى وزارة الداخلية، وفي طريقها حملت الخلافات المالية والسلطوية فضلًا عن الخلافات داخل حركة فتح نفسها. مصادر في السلطة الفلسطينية تعتقد أن الواقع القائم بما فيه من تناقضات وخلافات سيضعف من هيبة السلطة - الحكومة، بل سيفتح الباب أمام مزيد من الاستعداء الإسرائيلي - الأمريكي.

تل أبيب وواشنطن ترفضان وجود عرفات كليًّا وتعتبرانه «جزءًا من المشكلة وليس جزءًا من الحل». وعرفات مُصر على ألا يخرج من الصورة ويبرز بين الحين والآخر بمفاجأة لجميع الأطراف لإثبات أنه سيد الموقف وأن كل الخيوط بيده.  دحلان يجد نفسه تائهًا بين «مطاردة» عرفات له من موقع لآخر وبين «فتح» التي تنظر إلى أن هناك من هو أولى منه بالمناصب الكبيرة.  الرجوب أصبح في صدارة الأخبار بعد أن توارى أكثر من سنة كاملة، اعتقد خلالها أنه أنهى دوره، وفي هذه الأثناء يراقب الشارع الفلسطيني هذه الأحداث ولسان حاله يقول: «هذا ما كان ينقصنا؟!».

وصاية خارجية

ویرى الكاتب هاني المصري أن المساس بالشأن الفلسطيني الداخلي وصل إلى حد ظهور وصاية أجنبية إدارية أمنية مالية تكاد تكون كاملة. «إسرائيل» وأمريكا دستا أنفهما بشكل صارخ في تعيين رئيس الوزراء، ثم فرض البيت الأبيض وزير المالية، ثم عاد الطرفان لإملاء وزير داخلية جديد، وتدخلت أطراف أوروبية لضبط التشريع الفلسطيني والوصاية على «دستور الدولة»، كما جرت ضغوط على أعضاء المجلس التشريعي من قبل موظفي الإدارة الأمريكية لاستبعاد كل من يؤيد الرئيس عرفات. هذا الواقع يشير إلى أن الأطراف الخارجية وبسبب الخلاف الداخلي القائم، هي التي تعمل على إعادة صياغة المشهد الفلسطيني من جديد، وكأنما تحول هذا الشأن إلى مصلحة دولية خالصة لا شأن للفلسطينيين بها، حتى في أصغر التعيينات فإنه يؤخذ في الحسبان المواقف الأمريكية الإسرائيلية، وكما يقول بعض المحللين فإن من شأن هذا الوضع أن يحول الدولة الفلسطينية المرتقبة إلى رهينة بيد الإملاءات والشروط الخارجية، كما أنه يقطع الطريق على الفلسطينيين لإثبات ذاتهم وقدراتهم في صياغة مستقبلهم ومصيرهم.

والأخطر من ذلك كله أن تعامل القيادات الفلسطينية مع هذه التداخلات والإملاءات قوبل في كثير من الأحيان إما بالتجاوب وإما بالصمت، وهو ما يضفي شرعية واضحة عليها ويمنحها صفة القرار الرسمي، وأصبح البعض يعتقد أنه ما دام البيت الأبيض هو الذي قرر أن محمود عباس الشخصية الأفضل لرئاسة الوزراء وسلام فياض هو الأنسب لوزارة المالية وأن دحلان هو الأولى بوزارة الأمن، فبإمكانه بعد ذلك أن يتدخل في أبسط القضايا وأقلها أهمية. «إسرائيل» والولايات المتحدة أصبحتا تعتقدان أن لهما حق الفيتو على كل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني، وقد أثبتت تجربتهما في إقصاء الرئيس الفلسطيني واستبعاده من المشهد السياسي أنهما الوحيدتان المخولتان بترتيب البيت الفلسطيني، بغض النظر عن المطالب التي تُطرح لإصلاح الوضع من قبل أحزاب ومؤسسات وشخصيات.

الصراع على القوة: ويعكس الكاتب الفلسطيني عدلي صادق طبيعة الخلاف بين عرفات وأبو مازن بقوله: «الرئيس عرفات لا يريد حشد كافة القوة الأمنية في اتجاه مخطط سياسي أمني يبقيه في الخلف حبيسًا، بينما رئيس الحكومة لا يريد طريقًا بغير أداة أمنية». ويرى صادق أن أبو مازن يرى في دوره اليوم بداية الفصل الأخير من رحلة اجتهاد سياسي طويلة، راهن فيها على التسوية وظنها ممكنة، ولعله يخطئ إنْ توهم أن سيطرته على أجهزة الأمن من شأنها أن تساعد في إنجاح مسعاه، بل ربما يكون العكس هو الصحيح لأن حكومة شارون تتبع حيال حكومة عباس منهجًا ينزع إلى أحد أمرين: إما توريطها وحرقها أو إفشالها. وفي نظرة جريئة يقول صادق: ومن حقنا أن نلفت نظر أخينا أبو مازن إلى عدم توافر الشرط النفسي والتاريخي للتقبل الشعبي الفلسطيني لدور له يتجاوز عملية إدارة مجلس الوزراء، فأبو عمار هو الذي يذهب بالأجهزة الأمنية إلى حيث يشاء، أما رئيس الحكومة فلا يتوافر له الشرط النفسي والتاريخي للتقبل الشعبي لأن يذهبوا بأجهزة الأمن إلى حيث يريدون.

 وإذ جاء الرئيس عرفات بالعقيد جبريل الرجوب من تحت الرماد، مانحًا إياه رتبة العميد ليكون مستشاره للأمن القومي، فإنه يعتقد أنه الآن قد يرضي أهل الضفة وهو المحاصر بين ظهرانيهم منذ سنتين؛ إذ إن قطاع غزة لم يعد مهمًّا كثيرًا في المعادلة، وبانت الضفة وحدها هي مرتكز القرار والفعل ورد الفعل. ويبدو أنه حتى خطة عرفات التي يدرسها الآن لإنشاء مجلس للأمن القومي لن تكون مرضية أو مقنعة للشريكين الأمريكي و«الإسرائيلي»، اللذين يفكران مليًّا باستبدال محمود عباس نفسه في وقت قریب برجل أقرب إلى الإصلاح وأبعد عن الفساد وأكثر خبرة في اتخاذ القرارات الراديكالية الاقتصادية مع انفتاح شديد، وهو سلام فياض.

 وبالطبع فإن سلام فياض وزير المالية الحالي في عرف واشنطن لن يعمل وحيدًا، ولن يتسنى له ذلك إلا بوجود رجل قوي بصلاحيات أوسع، هذا الرجل هو العقيد محمد دحلان، الذي أصبح من دون شك أكثر خبرة ودراية في التعاطي ليس أمنيًّا، ولكن سياسيًّا مع أطراف كثيرة. لقد استغل عرفات تفجير الحافلة في القدس، واغتيال المهندس إسماعيل أبو شنب، ليوعز إلى اللجنة المركزية لحركة «فتح» وهي الحزب القوي الحاكم لاتخاذ قرار بمنح اللواء نصر يوسف صلاحيات تعادل صلاحيات وزير الداخلية.

 وخلال أربع وعشرين ساعة كانت عصيبة على عرفات زادته حصارًا فوق حصاره، فإنه تراجع مغفلًا قرار اللجنة المركزية في شأن اللواء يوسف، حيث تذكر فجأة أنه لم يعد للمركزية دور في قرارات الحكومة بموافقة من المجلس التشريعي، لذلك فإنه ارتد إلى الأمام باختيار العقيد جبريل الرجوب ليكون رجل مرحلته. عرفات -في قرارة نفسه- يعرف أن الرجوب -كما تقول معلومات كثيرة ومتواترة- لم يعد قادرًا على اتخاذ قرارات مهمة أو صدامية بسبب مرضه، بالإضافة إلى خلفية لا تشجع كثيرين على التعامل معه، الأمر الذي يمنعه من ملء الموقع الذي يستطيع من خلاله انتزاع الثأر من حكومة عباس بسبب اختيارها محمد دحلان.

موقف حماس والجهاد

من جانبها شددت حركتا حماس والجهاد الإسلامي على أن تقديم محمود عباس استقالته يمنح إسرائيل غطاء إعلاميًّا على جرائمها التي تنفذها بحق الشعب الفلسطيني؛ وعلى أن سقوط الحكومة أمر طبيعي نظرًا لأنها تشكلت بسبب «الضغوط الخارجية». وعقب د. عبد العزيز الرنتيسي الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية حماس على استقالة محمود عباس «أبو مازن» بقوله: إنها «نهاية طبيعية لبداية خاطئة، فالبداية كانت ثمرة ضغوط صليبية «أمريكية» أدت إلى إيجاد حكومة على غير إرادة فلسطينية، والنتيجة كانت فشل هذه الحكومة واكتشاف نفسها وهي في مأزق حقيقي، مما أدى إلى هذه الاستقالة». وأعرب عن اعتقاده أن الاستقالة حقيقية، وليست إجراء تكتيكيًّا ضاغطًا لانتزاع المزيد من الصلاحيات من يد رئيس السلطة ياسر عرفات. وقال: «لا أعتقد أن أبو مازن قام بخطوة تكتيكية بقدر ما هو يشعر بالإحباط والفشل منذ توليه هذا المنصب».  وأضاف: «بداية تكوين الحكومة، والمشكلات التي نجمت عن تشكيلها، والخلافات، والنهاية بالاستقالة، جميعها كانت ضد المصلحة العليا للشعب الفلسطيني، وتصب في صالح العدو الذي اتخذ من كل ذلك غطاءً ليمارس أبشع صور الإرهاب ضد شعبنا الفلسطيني».

من جانبه أوضح الشيخ نافذ عزام القيادي بحركة الجهاد الإسلامي أن «استقالة أبو مازن تزيد من صعوبة الأوضاع التي يواجهها الفلسطينيون، بالذات في هذه المرحلة الحساسة التي يتصاعد فيها العدوان الإسرائيلي». وقال: «نتصور أن انشغال الفلسطينيين بمشكلاتهم الداخلية وبمسألة استقالة أبو مازن سيزيد من الجدل الداخلي، ولا شك أن هذا يلقي أعباء إضافية على حياة الشعب الفلسطيني بشكل عام ويعطي الفرصة لـ «إسرائيل» لتوسيع وتيرة عدوانها».وقال: «من الصعب التوقع بالضبط ما سبب الاستقالة الحقيقي.. هل هي تكتيكية أو حقيقية؟ لكني أتمنى أن نخرج من هذه الأزمة بسرعة وأن تلتقي جهود الفلسطينيين جميعًا لمواجهة هذا العدوان الذي لا يرحم أحدًا على الإطلاق، وأتمنى أن نخرج من الإشكالات الداخلية لمواجهة الهموم التي يحياها شعبنا».

قريع رئيسًا للوزراء

وقد تباينت التوقعات لما كان سيقدم عليه الرئيس عرفات للخروج من عنق الزجاجة بين خيارين: إما إعادة تكليف أبو مازن بتشكيل الحكومة إذا ما تصاعدت الضغوط الخارجية، وإما تكليف شخصية أخرى. وكانت التوقعات قد تأرجحت حول مرشحين محتملين لخلافة عباس بين أربع شخصيات: سلام فياض، وهاني الحسن، ومنيب المصري، واستقر الاختيار على أحمد قريع المعروف أيضًا باسم «أبو العلا»، وكان أحد مؤسسي حركة فتح كبرى الفصائل الفلسطينية، وهو عضو باللجنة المركزية لحركة فتح التي ترسم سياسة السلطة الفلسطينية وترشح رئيس وزرائها.

وقد شغل قريع منصب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام ١٩٩٦. وسيصبح قريع -وفقًا للائحة التأسيسية للسلطة الفلسطينية- القائم بأعمال الرئيس لمدة ٤٠ يومًا في حالة وفاة عرفات، كما سيتولى الإعداد للانتخابات. وكان أحد المفاوضين الرئيسيين في المباحثات السرية مع الإسرائيليين في أوسلو، والتي أدت إلى اتفاقيات السلام المرحلية عام ١٩٩٣ وعودة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من المنفى إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد توترت علاقات قريع مع عرفات بعد أن ذكرت «إسرائيل» والولايات المتحدة اسمه كخليفة محتمل له، لكن قريع حافظ على علاقات عمل مع عرفات.

 أما بالنسبة للشخصيات الثلاثة الأخرى التي كانت مرشحة لخلافة أبو مازن أيضًا فهم: سلام فياض: تعلم في الولايات المتحدة وعمل في صندوق النقد الدولي لمدة ١٥ عامًا. وقد وافق في العام الماضي على أن يصبح وزير مالية عرفات بشرط أن تكون له سلطات إجراء إصلاحات جادة للحد من الفساد. وتردد اسمه من جانب الولايات المتحدة و«إسرائيل» كمرشح محتمل لمنصب رئيس الوزراء، ولكنه رفض قائلًا إن لديه ما يكفيه لتحقيق مبدأ المساءلة في المجال المالي الفلسطيني، وقد أشاد الرئيس الأمريكي جورج بوش ومسؤولون أمريكيون كبار آخرون بجهوده الإصلاحية. هاني الحسن: عُين وزيرًا للداخلية في أكتوبر تشرين الأول ۲۰۰۲ عندما تعرض عرفات لضغوط دولية قوية لإجراء إصلاحات، وكان الحسن -الذي تعلم في ألمانيا- أحد كبار ممثلي فتح في أوروبا ثم مبعوثًا لمنظمة التحرير الفلسطينية في طهران وعمان في السبعينيات، وانضم إلى اللجنة المركزية لحركة فتح عام ۱۹۸۰ وأبدى تحفظه على اتفاقات السلام عام ١٩٩٣.  منيب المصري: رجل أعمال ثري وله مشروعات في مختلف أنحاء العالم. شارك في تطوير الاقتصاد الفلسطيني الهش، ولعب دور الوسيط بين القيادة الفلسطينية والمجتمع الدولي بما في ذلك الدول العربية، وقد اعتذر هو الآخر عن المنصب.

الرابط المختصر :