العنوان خط اللقاء - تجربة للعمل القصصي الإسلامي المشترك
الكاتب علي أبو النصر الرشيد
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1989
مشاهدات 76
نشر في العدد 925
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 25-يوليو-1989
قبل أكثر من عشرة أعوام صدرت مجموعة قصصية مشتركة لمجموعة من الأدباء الإسلاميين السوريين والعراقيين وهم: الدكتور عماد الدين خليل، نبيل خليل، محمد الحسناوي، عبد الله الطنطاوي وإبراهيم العاصي بعنوان «أصوات» وسجلت تلك المجموعة نجاحًا طيبًا باعتبارها التجربة الأولى للعمل القصصي المشترك من جهة، ولأنها تسجل مثالًا عمليًّا للأدب الإسلامي الحديث الذي لا ينغلق في إطار الحدود الإقليمية والحواجز الجغرافية المصطنعة.
- ومنذ ذلك الحين لم تتكرر هذه التجربة إلى أن طلعت علينا دار الشفق
مؤخرًا بتجربة أخرى في هذا المضمار بعنوان «خط اللقاء» اشترك فيها كل من
الأدباء: محمد الحسناوي، عبد الله عيسى السلامة، محمد السيد، وهم أعضاء في
الرابطة العالمية للأدب الإسلامي بالإضافة إلى القاص محمد وليد سليمان، وتراوحت
المشاركة لكل منهم ما بين ثلاث إلى أربع قصص، وبلغ عدد صفحات المجموعة 215 صفحة
من القطع الوسط.
الأديب الناقد محمد الحناوي ليس جديدًا على
كتابة القصة القصيرة فقد شارك في مجموعة «أصوات» بالإضافة إلى عملين
قصصيين خاصين به وهما: «الحلبة والمرآة» و«بين القصر والقلعة»، كانت أنجح
قصصه في هذه المجموعة قصة «نكتة» التي يصور فيها إهدار كرامة الإنسان في
أجزاء من وطنننا العربي الكبير فيموت الإنسان وهو على قيد الحياة، أما
قصة «سقطت الخريطة» فهي مغرقة في الواقعية ولا نعتقد أن في تعميمها ما
يفيد القارئ كثيرًا. يعتمد الكاتب تقنيات الأسلوب الكلاسيكي في كتابة القصة،
وقد يلفت انتباه القارئ وقوع القاص بأسلوب الوعظ المباشر في
قصة «سباحة» من خلال الأحاديث الشريفة التي تجري على لسان بطل القصة
أثناء تعرضه لمواقف مختلفة.
القاص محمد السيد هو الآخر ليس حديث العهد
بالقصة القصيرة فقد صدرت له مجموعتان قصصيتان من ذي قبل: الأولى
بعنوان «شاطئ الرؤى الخضر» والأخرى بعنوان «ثورة الدم» وله
مجموعتان قيد الطبع، موضوعات قصص الكاتب مستمدة كلها من الأحداث التي تدور على
الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا غرابة في ذلك فالكاتب ابن فلسطين مولدًا يؤرقه
الهاجس الفلسطيني فعبر عنه بواسطة هذا اللون الأدبي من منظور إسلامي ونعتقد أن
الكاتب يستمد أصول قصصه من أحداث حقيقية دارت على أرض فلسطين السليبة، وأهم ما
يميز أسلوبه اللوحات الوصفية التي تعتمد لغة شاعرية بخلفيات رمزية إيحائية، لكنه
لا يتوقف عندها طويلًا وإنما يتحول من الأسلوب الإيحائي إلى الأسلوب الواقعي في
نفس القصة موازنًا بين أحداث القصة وتفاعلات أبطالها. ولا يتقيد الكاتب
بقوالب القصة التقليدية وإنما يحاول أن يطور في شكلها الفني ويتحرر من بعض قيودها
ليختط لنفسه مسارًا يميزه عن سواه.
أما قصص الشاعر والأديب الإسلامي عبد الله
عيسى السلامة الأربع فقد جاءت بعيدًا عن أن تنحصر في إطار معين وإنما عالجت مشكلات
اجتماعية وسياسية تعاني منها شعوب عالمنا الإسلامي بشكل عام مثل: صنع المواطن
الصالح على الطريقة العربية، تزوير حقائق الواقع والتاريخ بما يتفق مع ذوي المكانة
والجاه، الانخداع بفكرة الاهتمام بالقضايا الإنسانية العامة والابتعاد عن نطاق
المشاكل السياسية والاقتصادية المحلية، والاعتقاد بأن مرآة النفس أصدق من مرايا
الآخرين حتى ولو تغير وجهها اللماع المصقول.
ورغم أن هذه هي التجربة الأولى للقاص
السلامة إلا أنه استطاع أن يسجل نجاحًا كبيرًا ولا نبالغ إذا قلنا إن
قصصه «اللباد»، «كرامة على المحك» و«الأستاذ راضي
والصرصور» هي أنجح قصص هذه المجموعة «خط اللقاء»، يعتمد الكاتب على
أسلوب نقد الواقع الراهن ويبتكر تقنيات غير مباشرة في إيصال الوعي السياسي
والاجتماعي للقارئ المسلم، ويعقد من أجل ذلك مقارنات ظريفة كالمقارنة بين صنع
اللباد وصنع المواطن في بعض دول الأنظمة الثورية العربية، ويبرع الكاتب في طريقة
الحوار التي يستنطق بها شخصيات قصصه بأسلوب فلسفي ساخر جذاب، ويتكئ على الحوار
الذاتي «المنولوج» في قصصه الأخرى، ولعلنا نذكر القارئ بأن كاتبنا حقق
من خلال تجربته الروائية الأولى «الثعابيني» مكانة متميزة في مجال
الرواية الإسلامية، بالإضافة إلى رصيده الشعري المعروف من خلال دواوينه الثلاثة.
الكاتب الأخير في هذه المجموعة هو محمد
وليد سليمان، جاءت قصصه منصبة ضمن إطار الأحداث التي دارت بين الحركة الإسلامية
وأحد بلاد الأنظمة الثورية العربية المواجهة قبل حوالي عشر سنوات، التقط من خيوط
هذه الأحداث صورًا متعددة سلطت الأضواء على شرائح متعددة للسلطة وأبناء الحركة
الإسلامية هناك، يلتمس القارئ فيها انخفاض المستوى الفني في البناء القصصي، وتكاد
تقترب في أغلبها من اللغة التقريرية المباشرة، كما يلحظ القارئ تباين السوية
الفنية بين قصص محمد وليد وقصص الكتاب الثلاثة الآخرين. الجدير بالذكر أن
مجموع قصص المجموعة بلغ أربع عشرة قصة قصيرة جاءت بإخراج وغلاف أنيق، وقد سبقت قصص
كل كاتب مشارك صفحة عرفت به وبآثاره المطبوعة والمخطوطة وتلك التي هي قيد الطباعة،
واللافت للانتباه أن نصف الكتاب أرخ موعد كتابة أعماله وأغفل نصفها الآخر هذا
الأمر، أما دار الشفق التي أصدرت هذه المجموعة فقد سبق وأن أصدرت
رواية «الثعابيني» وتستعد قريبًا لتوزيع مجموعتها الجديدة «المطر
المر» ضمن اهتماماتها الطباعية بالأدب الإسلامي.
بقي أن ننقل كلام الأديب محمد السيد عن
إيجابيات وسلبيات التعاون القصصي المشترك بين هؤلاء القصاصين السوريين لهذه
المجموعة أخذناه من مقابلة أجريناها معه وأوجزها بما يلي:
1- التنويع الذي يعتبر عالم إثارة وتشويق.
2- حفز الكاتب على التجويد والتحسين في عمله.
3- تسهيل عملية النشر حيث يقف جشع الناشرين التجاري عند أغلبهم عائقًا
أمام انتشار الكتب الأدبية لا سيما الإسلامية منها.
أما السلبيات التي يمكن أن تؤخذ على هذا
العمل فهي تنحصر في واحدة هي تباين المستويات من أعلى إلى أدنى إن وجد عند
الكاتبين مما يؤثر على مستوى المجموعة وقبولها.