العنوان خط أنابيب الغاز السوفيتي بين الموافقة الأوروبية والمعارضة الأمريكية
الكاتب عبدالله الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1982
مشاهدات 51
نشر في العدد 587
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 14-سبتمبر-1982
تمر هذه الأيام أزمة صامتة بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، الذي يجمعهما حلف شمال الأطلسي، وكان السبب الرئيس لهذه الأزمة أن الاتحاد السوفييتي أعلن موافقته بمساعدة أوروبية على إمداد الدول الأوروبية بالغاز الروسي المشهود بنقائه نظرًا لزيادة وزنه وأهميته، إذا علمنا أن الدول المستفيدة من خط أنابيب الغاز الروسي هي بلجيكا وبريطانيا وهولندا وإيطاليا وفرنسا والنمسا وألمانيا الغربية، أما مقدار ما يسعى الاتحاد السوفييتي لتصديره فهو قرابة ٥٠ مليار متر مكعب في السنة إلى أوروبا.
والغاز الروسي يستخرج من أراضي سيبيريا المتجمدة وستمر الأنابيب عبر عشرات الآلاف من الكيلومترات إلى أوروبا؛ مما يدل على مدى حجم وضخامة خط الأنابيب الروسية، ويُعد أكبر مشروع في تاريخ أوروبا وسيكون الحل المثالي لأزمة الطاقة فيها.
أما الكميات التي يستخرجها الاتحاد السوفيتي من الغاز الطبيعي فهي ٥٠٠ مليار متر مكعب في السنوات القليلة القادمة، وتعد مقاطعات أورنغوي وفينغابور وتيومن من الأماكن الرئيسة لاستخراج الغاز في سيبيريا، وسيتم إمداد أوروبا من هذه المقاطعات، إلا أن هذا الاستخراج وهذا التصدير لا يدعو إلى الأمل بالاستمرارية إلى عشرات السنين كما هو مقرر.
وتصدير الغاز إلى أوروبا الغربية ليس الأول؛ إذ إن الغاز الطبيعي والبترول يتم تصديره عبر أنابيب تمتد إلى الدول الأوروبية الشرقية الشيوعية ضمن خط أنابيب الغاز «سيوز» الذي يبلغ طوله ٢٧٥٠ كيلومتر و ينقل ۲۸ مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وبذلك كانت هذه الدول المساندة لروسيا في حلف وارسو تملك التحرك الكبير في مجال الصناعة وتحاشت القليل من أزمة الاقتصاد العالمي رغم أنها لم تحل كل مشكلاتها الاقتصادية. ورغم أنها لم تتعرض لأزمة الطاقة العالمية وخلال زيارة سكرتير الحزب الشيوعي ليونيد برجينيف إلى ألمانيا الغربية في نوفمبر (۱۹۸۱)، برزت فكرة خط أنابيب الغاز ومدها إلى أوروبا وتم التوقيع على الاتفاقية، فيما تمت موافقة الدول الأوروبية على هذا المشروع الذي سيكفل لها الانفراج السياسي مع روسيا وبناء قاعدة مادية تكفل الاستغناء عن بعض الموردين للغاز ولو بنسبة مئوية ضئيلة، والاعتماد على الاتحاد السوفييتي في التصدير.
توريد الطاقة تتحكم به المواقف السياسية
وبالنظر لأن بعض الموردين للغاز لأوروبا من دول العالم الثالث مثل الجزائر وغيرها تتأثر بالواقع القاسي بجانب التأثر بارتفاع الأسعار عالميًّا تحت تأثير الهزات السياسية، الأمر الذي يجعل روسيا بعيدة عن هذه الاحتمالات لكونها من الدول الكبرى، إلا أن الولايات المتحدة ترى أن الاتحاد السوفييتي لا يتوانى عند حدوث أي أزمة سياسية أن يلجأ إلى قطع الغاز وإمداده إلى أوروبا نظرًا لأنها حليف أمريكا الرسمي. ولأن أمريكا حتى الآن لم تحقق تلك الاتفاقية القاضية بالحد من انتشار الأسلحة النووية مع الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي يجعل استمرارية الحرب الباردة وتطورها سببًا كافيًا لقطع إمدادات الغاز عند ظهور أول أزمة وخاصة إذا تم القطع في الشتاء البارد الذي تعانيه أوروبا كل المعانة.
إلا أن الدول الأوروبية تسعى إلى علاقات ودية وعدم اعتداء مع روسيا وتسعى إلى انفراج سياسي بعيد عن أزمة الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا وتريد أن تكون بعيدة عن الصراع ما أمكن إلى ذلك سبيلًا، ولا أدل على ذلك من كثرة الزيارات المتبادلة بين الألمان الغربيين والروس والاتفاقيات المشتركة للحد من التوتر الدولي، وهذا الأمر يمر باعتراض الولايات المتحدة الأمريكية لأنه قد يؤدي إلى تحسن العلاقات الأوروبية- الروسية وإلى فقدان حلفاء أمريكا الأساسيين ووقوفهم على جانب الحياد إذا ظهرت أي أزمة مع الاتحاد السوفييتي، وهذا الأمر الذي تتحاشاه أمريكا.
وقد كان في إرسال بريطانيا معدات إلكترونية وغيرها إلى روسيا للإسهام والإسراع في تنفيذ المشروع أثَر في فتور العلاقات بينها وبين أمريكا، مما حدا بها إلى الاتصال الفوري مع أمريكا لشرح وجهة نظرها، وأنها تسعى للحصول على موافقة أمريكا كشرط أساسي لنجاح المشروع الذي لا يزال قيد المعارضة الأمريكية.
ويكفي أن نعلم أن الاتحاد السوفيتي سيلبِّي ما مقداره ٦٥٪ من الحاجة للغاز الطبيعي للنمسا و٢٥٪ من الغاز لإيطاليا، و۱۷٪ إلى فرنسا، و۱۷٪ لألمانيا الغربية، وهذه النسب قابلة للزيادة إلى أكثر من ذلك، وقد تصل في بعض الدول الأوروبية إلى ٥٠٪ أو ٦٠٪ باستثناء النمسا التي تعتمد اعتمادًا شبه كلي على الغاز الروسي، وهنا تكمن الخطورة من وجهة النظر الأمريكية بحصول واعتماد الدول الأوروبية على ما مقداره ٥٠ أو ٦٠٪ من احتياجاتها من الغاز الروسي.
كما أن وصول إحدى السفن السوفيتية إلى أحد الموانئ الغربية الفرنسية لشحن المعدات اللازمة والمساعدة في عملية مد خط الأنابيب، رغم أنه لا يجوز إرسال معدات فنية إلى روسيا بموجب قرار المقاطعة الأمريكية إلا أنه تم شحن هذه المعدات وسط تحدٍّ فرنسي علني لقرار الرئيس ريغان.
فأصبح بذلك تحديان ظاهران للقرار الأمريكي بمقاطعة روسيا، الأول بريطاني والثاني فرنسي، الأمر الذي جعل الحكومة الأمريكية ترسل إنذارًا وتحذيرًا للشركات المشتركة مع هذه الدول بأنها بصدد رفع دعاوَى قانونية ضدها إذا لم تلتزم بقرار المقاطعة مع روسيا، كما ينص على ذلك قانون الصادرات الأمريكي.
إعلان المقاطعة والحظر الأمريكي
قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإعلان الحظر على تصدير التكنولوجيا والسلع الأمريكية إلى شركات كل من «کروز - لوار» «ودريس - فرانس»، واعتبرتهما من المتعاقدين الرئيسيين في مشروع خط الأنابيب الروسي.
مما جعل الأمر مفتوحًا لبعض الدول الأوروبية لفرض رسوم على واردات الحديد الصلب إلى أمريكا، وهذا لا يخرج عن كونه حربًا تجارية بين أمريكا ودول أوروبا الغربية، مما يجعل أيضًا الاتحاد السوفييتي في قمة انتصاره إذا حقق مسألة دعم واستمرار هذا النزاع الاقتصادي بين أوروبا وأمريكا وضرب الشركات المشتركة الأمريكية- الألمانية، والأمريكية- الفرنسية، والأمريكية- البريطانية، وغيرها، وهو سيؤدي إلى توتر العلاقات السياسية وهذا ما يريد الاتحاد السوفييتي أن يصل إليه.
فمع الضربات التي وجهتها أمريكا إلى روسيا مثل الاتفاق مع الصين الشعبية وإشعال الأزمة البولندية، واستغلال الأحداث العالمية لإبراز عدوانية الاتحاد السوفيتي أثرت على مركزه كدولة تتوخى باقي الدول الحذر من التعامل معها.
فكانت الفرصة السانحة بعد دراستها سببًا كافيًا لإثارة أزمة خط الأنابيب وإمداد أوروبا بكل ما تحتاجه وسط المعارضة الأمريكية لهذا المشروع.
إلا أن الدول الأوروبية في وضعها الحالي تتوجس خيفة من الاتحاد السوفيتي وتتسم علاقتها معه بالحذر، وتعلم أنها لا تستطيع مواجهته في حالة حدوث أزمة عالمية لوحدها دون أمريكا، ولذا تمت على وجه السرعة اتصالات دبلوماسية مكثفة بين أوروبا وأمريكا.
لضمان عدة موضوعات تتحصل بالآتي:
١- تخفيف وإزالة المخاوف الأمريكية من هذا المشروع.
٢- السعي لإلقاء الحظر على الشركات الأوروبية- الأمريكية والحيلولة دون توسعته ليشمل شركات أخرى غير الشركتين اللتين تم ذكرهما.
٣- الحيلولة دون وصول الأمر إلى الأمور القضائية بشأن الشركات.
٤- الحصول على موافقة أمريكية تأخذ بعين الاعتبار التأكيد على متانة العلاقات بين أوروبا وأمريكا وتُعد حمايةً ودعمًا لحلف الأطلسي.
٥- المحاولة لفصل النواحي التجارية في تعامل أوروبا مع بقية الدول المخالفة لها بالأيدولوجية عن النواحي السياسية.
حتى لا تكون عقبة ومؤشر لظهور أزمة جديدة في العلاقات، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى جهودها إلى عرقلة المشروع وإفشاله؛ وذلك لاعتبارات سياسية من الدرجة الأولى، حيث يُعد ذلك تدخلًا مباشرًا من روسيا بالسعي لخلخلة كيان حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يُعد إضرارًا بمصلحة أمريكا من الناحية الاستراتيجية، فهل ينجح الضغط الأمريكي ويمتحن مدى هيمنته على أوروبا وسيطرته عليها؟ أم هل ينتصر الاتحاد السوفيتي في مد خط الأنابيب ويزعزع الثقة بين حلفاء أمريكا في حلف الأطلسي؟ فهل تثبت أوروبا استقلاليتها في اتخاذ القرار الذي يتفق مع مصالحها دون الرجوع إلى أمريكا؟
كلها أسئلة تنتظر الإجابة في ضوء هذه الأزمة الصامتة بين أمريكا وحلفائها من جانب الاتحاد السوفيتي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل