; خطف الدبلوماسيين السوفييت في بيروت.. لماذا؟ ولمصلحة مَن؟ | مجلة المجتمع

العنوان خطف الدبلوماسيين السوفييت في بيروت.. لماذا؟ ولمصلحة مَن؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1985

مشاهدات 105

نشر في العدد 738

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 22-أكتوبر-1985

عملية الخطف التي تعرض لها أربعة من الدبلوماسيين السوفييت في بيروت لا تزال لغزًا غامضًا تحيك حوله وسائل الإعلام روايات وقصصًا لا علاقة لها بالعملية ولا تَمُت إليها بصِلة.

 

فالحادث وقع صباح يوم السبت (1985/9/30) خلال احتدام الصراع في طرابلس بين سوريا والأحزاب اليسارية التي شاركت في الهجوم البربري على طرابلس من جهة، والتيار الإسلامي المتمثل بحركة التوحيد الإسلامية وأطراف اللقاء الإسلامي الذي يضم المجموعات الإسلامية، وقد جرى الاختطاف لكل اثنين من الدبلوماسيين على حدة، وفي مناطق قريبة من المخيمات الفلسطينية والتي يتمتع الإسلاميون فيها بنفوذ واضح. وكانت سلسلة من العمليات العسكرية قد شنت على المراكز الحزبية للقوى التي شاركت في غزو طرابلس ولا سيما الحزب الشيوعي والقومي السوري وحزب البعث السوري. وكل العمليات كانت تُنسب إلى ما سُمي «جبهة التحرير الإسلامية»، بل كانت وكالات الأنباء تتلقى سيلًا من المكالمات وكلها تدعي التحدث باسم هذه الجبهة. فلما وقع حادث الخطف أسند إليها كذلك، خاصة وأن شرط الإفراج عن المختطفين كان هو وقف الهجوم على طرابلس.

 

وبعد يومين من هذا التاريخ عثر رجال الأمن على جثة أحد الدبلوماسيين الأربعة مُلقاة في منطقة المدينة الرياضية، قريبًا من المخيمات الفلسطينية. وهنا أدرك الجميع بأن الأمر جد.. فبدأ القائم بالأعمال السوفييتي سلسلة زيارات لرئيس الجمهورية أمين الجميل، مع أن الجميع يدركون أن رئيس الجمهورية لا يستطيع ممارسة أي دور في الإفراج عن المخطوفين؛ لأنه لا يستطيع الضغط على الفئات الإسلامية «المتطرفة» التي أسندت إليها عملية الخطف، أو على المنظمات الفلسطينية التي اتجه الظن إلى أن إحداها نفذت العملية من أجل إرباك الموقف السوري، ومساندة موقف حركة التوحيد التي سبق أن وقفت إلى جانب الفلسطينيين خلال حصار ياسر عرفات في طرابلس خريف عام ۱۹۸۳.

 

ومرت أيام توقفت خلالها مداهمات الأحزاب المتعاطفة مع سوريا والاتحاد السوفييتي لبعض المنازل أو المناطق التي يظن أن الدبلوماسيين قد أودعوا فيها. وتعاقبت زيارات القائم بالأعمال السوفييتي لقصر الرئاسة الصيفي في بكفيا، وفي إحدى المرات حضر سوسليكوف في قصر الرئاسة اجتماعًا ضم كبار المسؤولين الأمنيين كمدير الأمن العام ومدير قوى الأمن الداخلي، وسيمون قسيس مدير المخابرات العسكرية وغيرهم، ومعنى هذا أن عملية الخطف ليست خارج نطاق الأمن الرسمي اللبناني. يضاف إلى ذلك قول دبلوماسي سوفييتي: «بأن موسكو مقتنعة بأن الذين اختطفوا الدبلوماسيين السوفييت الأربعة ليسوا جبهة التحرير الإسلامية ولا المجموعات الدينية..» يتزامن ذلك مع تصريح نائب الرئيس الأميركي جورج بوش الذي عرض على الحكومة السوفييتية استعداد الإدارة الأميركية لمساعدة الاتحاد السوفييتي في التوصل إلى الإفراج عن دبلوماسييه المخطوفين. إضافة إلى أن الرعب الذي يعيشه السوفييت في بيروت تجاوز كل حد، فقد رحّلوا عائلاتهم وعددًا من الدبلوماسيين، ويقيمون سواتر ترابية عالية حول سفارتهم ويحيطونها بعدد من دبابات الجيش اللبناني وعناصر من الأحزاب المسلمة المتعاطفة معهم.. كل ذلك يوحي بأنهم يدركون أن العملية تتجاوز الضغط في موضوع طرابلس.

 

وقد توفرت معلومات واضحة لدى مصدر أسرَّ بها إلى «المجتمع» تفيد أن منفذي العملية مجموعة من فلول تنظيم لبناني في بيروت سبق أن جرت تصفية وجوده في بيروت عن طريق التنظيمات المؤيدة لسوريا، وأن عناصر هذا التنظيم كانت تتولى قبل الغزو الإسرائيلي لبيروت عام ١٩٨٢ حراسة السفارة السوفييتية، ولذلك فإن لديهم معلومات دقيقة عن الدبلوماسيين ومنازلهم وأسلوب تحركهم.. وأن جهاز مخابرات الجيش اللبناني «المكتب الثاني» التابع لرئيس الجمهورية قد زرع عناصر في هذه المجموعة، وأنه هو الذي أوحى إليها بتنفيذ العملية وصنع لها غطاءها الإسلامي وصاغ بياناتها المعنونة بآيات من القرآن الكريم، ثم ألقى جثة الدبلوماسي المقتول أركادي كاتكوف قريبًا من منطقة إسلامية سُنية لتأكيد التُهمة على المتعاطفين مع حركة التوحيد بطرابلس.. وأن جهاز المخابرات هذا قد نفذ العملية خدمة لأغراض المخابرات الأمريكية، لأن الولايات المتحدة لا تريد أن تكون وحدها في معاناتها لمشكلة الدبلوماسيين المخطوفين في لبنان، فهناك ستة أمريكيين وفرنسيان، والآن أصبح الاتحاد السوفييتي متورطًا في المأزق ومن واجبه المساعدة في جهد جماعي لإطلاق الرهائن المخطوفين.. وعلى هذا فإن الأزمة تجاوزت الساحة اللبنانية إلى صراع حقيقي بين أجهزة المخابرات الدولية، ولذلك فقد فهم السوفييت الرسالة، وهم يتصرفون في بيروت على ضوء هذه القناعة التي بدأ النقاب ينكشف عنها يومًا بعد يوم.

 

علامة استفهام حول جبهة التحرير الإسلاميّة في لبنان

 

كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن جبهة التحرير الإسلامية التي أعلنت عن وجودها بعد سلسلة العمليات التي تعرضت لها المراكز الحزبية في بيروت، بعد تعرض طرابلس لحصار الأحزاب اليسارية، خاصة وأن هذه العمليات توجت بحادث خطف الدبلوماسيين السوفييت في بيروت.

 

وغالبًا ما يطلق مراسلو الصحف ومدبجو المقالات لخيالهم العنان حول هذه الحركة وتكوينها وإطار عملها، بل وصل الأمر بإحدى الصحف اليومية إلى أنها نشرت معلومات عن علاقة هذه الجبهة بإيران، وبأنها تشكلت من ستين شخصية شيعية ومثل ذلك من السُنة، وأن قرار تشكيلها صدر عن جماعات إسلامية معروفة، ثم حددت أسماء العناصر المؤسسة ومدى إسهامها في ذلك.

 

ولو كلف المراسلون أنفسهم مشقة استعراض العمليات التي نفذتها الجبهة والمناطق التي نفذت فيها العمليات والظروف التي أحاطت بها لأدركوا أنها- عدا اختطاف الدبلوماسيين السوفييت- كانت ردة فعل طبيعية على الغزوة البربرية التي تعرضت لها طرابلس، وأنها من صُنع شباب مؤمن لم تنتظمه أُطر ولا كوادر، وإنما دفعه الظلم الذي تعرض له المسلمون في طرابلس لأن يقوم بهذه العمليات تخفيفًا عن إخوانه المحاصرين وتخذيلًا للأحزاب التي ارتضت أن تكون أدوات في مخطط قذر لم تجنِ من ورائه الأحزاب إلا الخيبة والخسارة والهزيمة.

 

وإذا كان المقصود بتركيب الروايات المُعلنة وإسناد المسؤولية إلى رموز إسلامية معروفة يقصد به إلصاق تُهمة الإرهاب بالإسلاميين، فإن الكل يعرف أن الإسلاميين في لبنان- سواء في إطار حركة التوحيد أو الجماعة الإسلامية أو تجمع العلماء المسلمين- هم مجاهدون أبطال ومقاتلون في ميدان المواجهة، وأن الغدر والوقيعة ومحاولة التسرب إلى طرابلس خلف دبابات الآخرين وتحت مظلة قصفهم المدفعي والصاروخي.. كل ذلك فعله تجار العقائديات وسماسرة الولاءات المتقلبة وأتباع الأنظمة الطاغوتية العميلة في كل مكان، وأحداث طرابلس خير شاهد على ما نقول... فقليلًا من الحياء.. أو الموضوعية.

الرابط المختصر :