; خطة إسرائيل لإجهاض ونسف قرارات القمة العربية | مجلة المجتمع

العنوان خطة إسرائيل لإجهاض ونسف قرارات القمة العربية

الكاتب ربيع شاهين

تاريخ النشر الاثنين 02-سبتمبر-1996

مشاهدات 66

نشر في العدد 1215

نشر في الصفحة 31

الاثنين 02-سبتمبر-1996

لم يكن الدور الإثيوبي في معالجة الأزمة التي أعقبت حادث محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس ابابا ٢٦ يونيو ۱۹۹٥م فوق مستوى الشبهات، لقد خططت إثيوبيا لإطاحة نظام الحكم القائم في السودان منذ تولي الجبهة الإسلامية زمام الأمور بعد ثورة الإنقاذ.. ولا يخفى أن دولاً اجنبية سعت لاستغلال الخلافات بين السودان وبعض جيرانه خاصة إثيوبيا وإريتريا وأوغندا، لتنفيذ مخطط استهدف بصورة مباشرة تقسيم السودان وفصل جنوبه، وبصورة خافية أو غير علنية مستترة ضمان النفوذ الصهيوني في تلك المنطقة الإستراتيجية لحوض نهر النيل، والتأثير بصورة كبيرة على أمن واستقرار مصر، وبالتالي لم يكن غريباً أن تستغل إثيوبيا الحادث الذي وقع على أراضيها ضد الرئيس المصري حسني مبارك لدق إسفين في العلاقات المتداعية بين القاهرة والخرطوم وتحقيق أكثر من هدف، أهمها ضرب كلا البلدين، ونشوب مواجهة عسكرية بينهما.

  بالتالي لم يكن خافياً أو غريباً أيضاً أن تعلن إثيوبيا عقب القمة العربية -التي احتضنتها مصر ولعبت دورًا  كبيرًا في نجاحها- تحفظها واحتجاجها على لقاء الرئيسين المصري حسني مبارك والسوداني عمر البشير.. أكثر وأخطر من ذلك أن إثيوبيا اعتبرت قمة ولقاء مبارك والبشير يهدد بنشوب مواجهة ًعسكرية في حوض النيل، ثم شرعت ببناء بعض السدود والمشروعات التي تؤثر على حصة كل من مصر والسودان من المياه. 

ويرتبط بالمخطط الأجنبي -الذي تستخدم فيه دول إقليمية- دور إسرائيلي واضحٌ وملموس، فمنذ انعقاد القمة العربية بالقاهرة ونجاح القادة والملوك والرؤساء العرب في تحقيق حد أدنى من التضامن.. لم تسكت إسرائيل ورأت في هذه القمة تهديدًا مباشرًا لها. بالرغم من أن هذه القمة عكست ولأول مرة – موقفًا عربيًا شاملًا أعلن تمسكه بعملية السلام والتسوية السياسية بالمنطقة، وأحدثت تغييراً في موقف دول كانت تناهض هذه التسوية وعلى رأسها ليبيا !! بحيث أعلنت هذه الدول التزامها بقرارات القمة تجاه هذه القضية. 

بالتالي رأت إسرائيل أن مجرد التقاء العرب وعودة التضامن فيما بينهم أمر لا يروق لها حتى وإن لم يتخذوا أي قرارات ضدها، باعتبار أن تناحر العرب وتشرذمهم هدف إسرائيلي يسهل لها العلو والعربدة بالمنطقة، والانفراد بكل دولة على حدة. 

ووفقاً لمصادر موثوق بها في القاهرة كشفت لـ«المجتمع» عن مخطط إسرائيلي من عدة محاور وأهداف قصيرة وبعيدة المدى، لإجهاض قرارات القمة العربية، بما في ذلك آثارها المعنوية لدى الشعوب العربية، والحيلولة دون تكرارها، وقد انطلق المخطط أو الخطة الإسرائيلية. بالطبع بالتنسيق مع دول كبرى - للنفاذ والتسلل إلى نتائج القمة عبر عدة محاور أهمها بؤر الصراعات ومناطق التوتر. 

ولما كان الخلاف المصري السوداني وفرملة تداعياته أحد ثمار وإنجازات القمة العربية. خاصة بعد أن جاء لقاء مبارك والبشير بعد فترة ترقب وترك انطباعات طيبة بالتالي راهنت إسرائيل بالتنسيق مع قوى كبرى على نجاح البلدين في تصفية هذا الخلاف كلية، طالما خرج ملف الأزمة وأصبح في حوزة مجلس الأمن، وتسييره وفق أهداف ومخططات هذه القوى. 

ومن ناحية أخرى فقد كشفت الخطة الإسرائيلية لإجهاض قرارات القمة بما سمي بالونات اختبار لمدى تماسك الموقف العربي والمراهنة على استمراريته، حدث ذلك من خلال تطبيع للعلاقات مع بعض البلدان العربية من ناحية ومن ناحية أخرى مُضي الحكومة الإسرائيلية في تنفيذ برنامجها الانتخابي من حيث بناء المستوطنات وتهويد القدس، وتفريغ عملية السلام من محتواها، وعرقلة تنفيذ الاتفاقات المبرمة، ثم جاء النزاع الإريتري وغزو حنيش الصغرى بمثابة إحدى بالونات الاختبار للقمة بعد الدور الإسرائيلي الواضح الذي أكدته مصادر يمنية بالقاهرة بأنه تحرك مشبوه يستهدف القمة العربية بالأساس. 

يبقى أن الأهم من ذلك الموقف المصري من النزاع مع السودان، وهو الذي بلغ ذروته بالاتهامات التي وجهتها إثيوبيا ضد نظام الحكم السوداني عقب حادث أديس أبابا، ورغم أن جهات عديدة شككت في أدلة الاتهام التي وجهتها وساقتها إثيوبيا، كما شككت أيضاً في نواياها، إلا أنه يلفت الانتباه إلى وجود معارضة من بعض الأوساط المصرية للتوجه الذي نحت به الحكومة بالإدانة، حتى لا يهدد أمن السودان فحسب، ولكن الأمن المصري بالدرجة الأولى. 

فقد كشفت المصادر عن رفض بعض الأوساط وثيقة الصلة بشؤون السودان عن رفض تدويل الإدانة، ورأت ضرورة التمسك بمعالجة أي خلاف بين البلدين أياً كان حجم هذا الخلاف، حتى لو ثبت تورط النظام السوداني بحادث محاولة اغتيال مبارك في إطار العلاقات الثنائية، أخذاً في الاعتبار خصوصية العلاقات بين شعبي وادي النيل، وقد كشفت المصادر عن عدة مبررات تم تدشينها في تقرير رسمي مصري أعدته جهات سياسية حول سبل معالجة الأزمة. 

وقد أشار التقرير - وفقاً للمصادر الموثوق بها إلى أهمية حصر نطاق الخلافات بين القاهرة والخرطوم، والحيلولة دون تداعياتها أو عرضها عبر أي محفل دولي لما لأطراف تسيطر وتهيمن على هذه المؤسسات من أغراض ليست خافية. 

نوهت المصادر عبر هذا التقرير – عن حساسية الشعب السوداني لعلاقاته مع شمال الوادي. الشعب المصري الشقيق، وضرورة أن توضع هذه العلاقات في وضعها الطبيعي بعيدًاً عن أي خلافات عابرة بين نظامي الحكم 

وتشير المعلومات إلى تلقي القاهرة تقارير مهمة فور موجة الغضب التي واكبت حادث أديس أبابا ضد السودان، رأت هذه التقارير التروي، وأن توضع المصلحة والأهداف الاستراتيجية القومية العليا فوق أي اعتبارات. 

بيد أن تعدد التوجهات ومن ثم المعلومات والتقارير لعب دوراً كبيراً في تصعيد الأزمة ووصول ملفها إلى مجلس الأمن، وحين أدركت القاهرة خطورة الموقف خاصة بعد أن انكشف المستور، واتضحت الأهداف الأمريكية وغيرها بالتسلل والضرب في جميع المناطق والأجزاء المحيطة بها «حصار ليبيا» ثم التهديد بضربها عسكريا، ودعم لا محدود لقوة وتسلط إسرائيل. وسياسات مزدوجة، وكيل بمكيالين حيال قضايا التسلح بالإضافة إلى ما تتعرض له دول عربية أخرى منها لبنان والصومال 

حين انكشف كل ذلك جاء التوجه المصري ساعياً للم الشمل العربي ورتق الثوب الذي أصبح مهلهلاً وتمخضت عن حركة الدبلوماسية الواعية التي لعبت بها القاهرة دوراً كبيراً بالتنسيق مع سورية والسعودية لانعقاد القمة التي احتضنتها مصر ليس هذا فحسب، ولكن بما تمخض عنها من قرارات ونتائج لعل أهمها أجواء المصالحة.. ووضع سبل تصفية الخلافات بحيث اعتبرت هذه القمة الخطوة الأولى نحو تحقيق هذا الهدف. 

حدث ذلك بواسطة تحرك دبلوماسي واع.. لكن كان للآخرين رأي آخر.. ومثلما خط كسينجر على ورقة عبارة إجهاض نتائج حرب اكتوبر ۱۹۷۳م بدأت إسرائيل مدعومة من قوى كبرى خطتها لإجهاض نتائج قمة القاهرة العربية عبر محاور عديدة لعل أهمها وأخطرها اللعب على وتر الخلافات المصرية السودانية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل