العنوان خطة أمريكا لتوسيع الحرب على ما تسميه بالإرهاب إلى كشمير وباكستان
الكاتب أليف الدين الترابي
تاريخ النشر السبت 27-يوليو-2002
مشاهدات 57
نشر في العدد 1511
نشر في الصفحة 30
السبت 27-يوليو-2002
تشير التطورات الأخيرة على الساحة الكشميرية، ولاسيما بعد المبادرة الأمريكية لتهدئة الأوضاع بين الهند وباكستان - إلى أن الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة تحت شعار مكافحة الإرهاب قد اتسعت دائرتها، لتشمل كشمير وباكستان؛ حيث عدت هذه الأخيرة ضمن أخطر مناطق المعمورة نتيجة لتصعيد الأوضاع بين الدولتين النوويتين الهند وباكستان، والذي بدا قبل أشهر عدة بعد قرار الهند حشد قواتها على الحدود بين البلدين ولا سيما على خط التقسيم الفاصل بين كشمير الحرة وكشمير المحتلة، ولا يزال الأمر مستمرًا؛ لأن الهند لا تقبل أي جهود سلمية ثنائية كانت أم دولية، من أجل وضع حد للتوتر القائم، وحل القضايا العالقة وعلى رأسها القضية الكشميرية التي هي جوهر النزاع بين البلدين.
هذه الأوضاع استغلتها الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الأخرى مبررًا لاتخاذ مزيد من الخطوات والإجراءات لتوسيع دائرة الحرب- باسم مكافحة الإرهاب - إلى كشمير وباكستان، تحت ستار الخطوات والإجراءات الرامية إلى تهدئة الأوضاع.
فمنذ بداية شهر مايو الماضي، ونحن نرى المسؤولين الكبار في الحكومة الأمريكية، وبعض الدول الغربية يقومون بالحملات الدبلوماسية، والزيارات المكوكية لمنطقة جنوب آسيا، بحثًا عن السبل اللازمة لنزع فتيل الأزمة، ومن أهم هؤلاء المسؤولين الذين قاموا بزيارة إسلام آباد ونيودلهي، خلال الفترة الأخيرة كرستينا روكا - نائبة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون جنوب آسيا ، ورتشارد أرميتاج - نائب وزير الخارجية الأمريكي، ودونالد رامسفيلد - وزير الدفاع الأمريكي، وجاك سترو - وزير الخارجية البريطاني، كما أن الرئيس الأمريكي، ووزير خارجيته كولن باول على اتصال دائم بالرئيس الباكستاني برويز مشرف، ورئيس الوزراء الهندي أنال بيهاري فاجباني؛ ليتأكدا من تنفيذ خطة تهدئة الأوضاع.
لكن الدراسة الموضوعية للخطة الأمريكية تدل على أن الإجراءات المتخذة إنما تهدف إلى توسيع دائرة الحرب - باسم مكافحة الإرهاب - إلى كشمير وباكستان بالأسلوب نفسه الذي اختارته لتحقيق ذلك الهدف في فلسطين، وفيما يلي أهم النقاط التي تدل على ذلك:
التغير المفاجئ في الموقف الأمريكي من حركة المقاومة الكشميرية؛ حيث كانت تعتبرها - حتى ما قبل مايو الماضي - مقاومة شرعية تهدف إلى حصول الشعب الكشميري على حقه في تقرير مصيره، وفقًا للقرارات الدولية، كما أنها كانت تعتبرها حركة داخلية وليست مستوردة، كما تدعي الهند، وهناك العديد من التصريحات للمسؤولين في الإدارة الأمريكية، ولا سيما في وزارة الخارجية تدل على ذلك ومن هذا المنطلق، لم تقبل واشنطن مطالب الحكومة الهندية بإعلان المقاومة الكشميرية حركة إرهابية، إلا أن موقفها هذا تغير فجأة؛ إذ بدأت تؤيد الادعاء الهندي، بأن عمليات المنظمات الجهادية الكشميرية هي عمليات إرهابية مثلما اعتبرت العمليات الاستشهادية في فلسطين عمليات إرهابية.
والأدهى من ذلك التغير في الموقف الأمريكي من الإرهاب الحكومي الهندي المنظم ضد المدنيين الأبرياء في جامو وكشمير المحتلة منذ أكثر من ١٣ سنة، فهناك أكثر من ٨٠٠ ألف جندي يواصلون قتل المسلمين المدنيين الأبرياء، أو الزج بهم في السجون، ومراكز التفتيش، وزنازين التعذيب، وإحراق منازلهم، ومتاجرهم، فضلًا عن الاغتصاب الجماعي للمسلمات، لا لذنب إلا أنهم مسلمون يطالبون بحقهم في تقرير مصيرهم، وفقًا للقرارات الدولية هكذا انقلبت الموازين والمفاهيم رأسًا على عقب، فبعد أن كانت أمريكا تعتبر انتهاكات القوات الهندية لحقوق الشعب الكشميري إجرامًا تدينه، راحت تزكي هذا الإرهاب، وتعتبر أن من حق الهند الحفاظ على وجودها في كشمير تمامًا، كما أقرت الإرهاب الإسرائيلي النظم في فلسطين، رغم علمها بأن وجودهما على أرض كشمير وفلسطين غير شرعي، وإنما هو اغتصاب واحتلال.
لم تمارس واشنطن أي ضغوط على الهند لإجبارها على سحب قواتها من الحدود، مع أنها تعرف جيدًا أن حشد القوات الهندية على الحدود بين البلدين، وعند خط التقسيم بين شطري كشمير، السبب الرئيس لتصعيد الأوضاع وهكذا، فإن إصرار الهند على رفضها المستمر لقبول أي جهود ثنائية أو دولية سلمية يعتبر السبب الوحيد لمواصلة التصعيد، ذلك أن باكستان أعلنت من جهتها مرارًا - ولا تزال - أنها مستعدة لقبول أي مبادرة ثنائية، أو دولية سلمية السحب قواتها والتهدئة الأوضاع، ولو كانت الولايات المتحدة جادة فعلًا في تهدئة الأوضاع لمارست الضغوط على الهند لسحب قواتها.
كما لم تمارس واشنطن أي ضغوط على الهند لإجبارها على الموافقة على حل القضية الكشميرية، وفقًا للقرارات الدولية، مع أنها تعرف جيدًا أن هذه القضية هي جوهر النزاع، وأنه لا يمكن أن تنجح أي جهود لتهدئة الأوضاع من دون حل هذه القضية، وفقًا للقرارات الدولية، كما أنها تدرك أن الهند هي التي ترفض، ومنذ أكثر من نصف قرن الحل السلمي القضية، بعكس باكستان التي أعلنت مرارًا، وتطالب دائمًا بحل القضية وفقًا لقرارات الأمم المتحدة.
كما لم تمارس الولايات المتحدة أي ضغوط على الهند لإجبارها على إيقاف إرهابها الحكومي المنظم ضد المدنيين العزل في كشمير المحتلة، بل على العكس، قامت واشنطن بممارسة ضغوطها على باكستان لإجبارها على بعض الخطوات والإجراءات غير الشرعية والمنافية للعهود والمواثيق والأعراف والقوانين الدولية، ومن أهم تلك الإجراءات:
تهديد باكستان بضرورة إيقاف ما تسميه الهند بـ «الإرهاب القادم من وراء الحدود» بما يؤدي الاطمئنان الهند، وفي الوقت ذاته، طلبت من باكستان اتخاذ ما يلزم لمنع عبور أي شخص لخط وقف إطلاق النار الفاصل بين شقي كشمير.
لا شك أن هدف الهند من توجيه الاتهام، هو تشويه حركة المقاومة الكشميرية الشرعية، وتقديمها كحركة إرهابية مدعومة من باكستان، وإجبار باکستان على التخلي عن موقفها الرسمي من القضية الكشميرية، وهناك هدف آخر تريد الهند تحقيقه من خلال هذا الاتهام ألا وهو منع أهالي كشمير «الحرة والمحتلة» من عبور خط وقف إطلاق النار، مع أن القرارات الدولية تسمح لهم بذلك.
الغريب أن الهند نفسها أقرت في يوليو عام 1999م، بأن حركة المقاومة الكشميرية حركة محلية، فحينما أعلنت منظمة حزب المجاهدين عن قرار وقف إطلاق النار، قال كثير من قادة الحكومة الهندية آنذاك - وعلى رأسهم وزير الدفاع جورج فرنانديز، ووزير الداخلية أدفاني- ترحيبًا بهذا القرار: إن أكثر من 80% من المجاهدين في كشمير ينتمون إلى منظمة حزب المجاهدين التي أعلنت وقف إطلاق النار، كما أن الخارجية الأمريكية اعترفت بهذه الحقيقة آنذاك ترحيبًا بالقرار.
وأما ما تقوله الدعاية الهندية من أن هناك أفرادًا من «القاعدة»، أو «طالبان» يعبرون خط التقسيم، ويشاركون في العمليات الجهادية في كشمير، فهو إدعاء باطل، وإذا سلمنا بصحة المزاعم الهندية حول وجود عناصر من القاعدة في كشمير، فلماذا لم توافق على الاقتراح الأمريكي، البريطاني، بإرسال كل من الدولتين قواتهما إلى كشمير لملاحقتهم؟
وأما ما يخص أهالي كشمير، فمن حقهم الشرعي أن يعبروا خط التقسيم بنص القرار الدولي الواضح في هذا الموضوع، وليس من حق أي شخص أو جهة منعهم من هذا.
أمر آخر يدل على بطلان إدعاء الهند أن الإرهاب قادم من وراء الحدود، هو أن ولاية جامو وكشمير المحتلة، ليست جزءًا من الهند بل هي ولاية متنازع، عليها، وفقًا للقرارات الدولية؛ حيث إن الهند سامت باحتلالها عنوة وتزويرًا في عام ١٩٤١م، وأدخلت قواتها التي بلغت اليوم كثر من ٨٠٠ ألف جندي في الولاية واصلة عدوانها الغاشم وسلوكها الإرهابي الظالم، فإذا كان الاحتلال الهندي لكشمير نفسه احتلالًا غير شرعي، وإذا كانت القوات الهندية متورطة في الإرهاب الحكومي المنظم، فكيف لها أن تطالب إعلان المقاومة الكشميرية الشرعية حركة إرهابية، و توجه الاتهام لباكستان بالتورط في الإرهاب مع حق باکستان أن تفعل ذلك لكونها طرفًا أساسيًّا في القضية؟ فمن هنا تستطيع أن نقول: إن مثل الهند في ذلك الصدد مثل اللص الذي يدخل البيت عنوة، ويسيطر على جزء منه بينما يبقى الجزء الآخر لدى أهل البيت الذين يحاولون استنقاذ ما بيد اللص، بينما هو يتهم أهل البيت بأنهم إرهابيون، ويطلق على جهودهم الرامية إلى لإنقاذ الإرهاب القادم من وراء الحدود!
ومما يزيد المبادرة الأمريكية خطورة، مطالبة واشنطن باكستان، بالمراقبة الفضائية المشتركة خط التقسيم وتعيين دوريات باكستانية أمريكية مشتركة، فهذه الأجهزة وهذا الانتشار للقوات الأمريكية في المنطقة، يثبت بشكل قاطع بطلان نظرية التهدئة المزعومة، وإنما يعني حقيقة واحدة في أن الولايات المتحدة أهدافًا أخرى تريد تحقيقها من المبادرة، أهمها:
أولًا: إيجاد مبررات لتوسيع نطاق دائرة الحرب الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب لتشمل باكستان وكشمير، فقد تبين الآن أن الحرب التي بدأتها أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر هي «حرب صليبية عالمية» كانت تستهدف منذ أول يوم لها الإسلام والعالم الإسلامي»، فمن الطبيعي أن تكون باكستان في قائمة الدول الأولى المهددة بالحرب؛ لأنها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك القنبلة النووية، ومن هنا، فهي تحتل مكانة إستراتيجية مهمة جدًّا، إلا أن الولايات المتحدة في ذلك الوقت كانت بحاجة إلى مساعدتها في حربها ضد أفغانستان، ولذلك لم يكن في مصلحتها أن تقوم بتوسيع دائرة الحرب إليها في ذلك الوقت.
ولكن الآن وبعد اعتقادها بأن حربها في أفغانستان قد انتهت أو أوشكت، رأت أن الوقت قد حان لتوسيع نطاق الحرب إلى باكستان وكشمير، ولعلها كانت ترى أن من مصلحتها أن تواصل حربها في مرحلتين:
في المرحلة الأولى، تمارس الضغط على باكستان للتخلي عن موقفها من القضية الكشميرية، وفي الثانية تقوم بالضغوط عليها للتخلي عن القنبلة النووية التي تعتبرها واشنطن تحديًا كبيرًا لمطامعها الاستعمارية في العالم الإسلامي.
ثانيًا: مساعدة الهند في مخططاتها للقضاء على حركة المقاومة الكشميرية؛ إذ إنه بعد أحداث سبتمبر، أرادت الهند أن تستغل الفرصة لتقنع الولايات المتحدة بإعلان حركة المقاومة الكشميرية حركة إرهابية، إلا أنها لم تتمكن من ذلك آنذاك؛ لأن واشنطن كانت في حاجة إلى مساعدة باكستان، ولكن الآن ومع قرب الانتهاء من حرب أفغانستان قررت أمريكا مساعدة الهند، وذلك بإعلان المقاومة الكشميرية حركة إرهابية، فواشنطن تعتبر الهند حليفة طبيعية لها مثل إسرائيل.
ثالثًا: تشكيل تحالف المحاصرة الصين، وتعتقد الولايات المتحدة أن الهند ستقف معها، وتشارك في عملية حصار الصين، فالغرض من مساعدة الهند اليوم استخدامها غدًا لمحاصرة الصين.
ولا شك أن هناك تنسيقًا بين واشنطن ونيودلهي، ولا تستبعد أن يكون لجوء الهند الحشد قواتها على حدود باكستان قد تم بضوء أمريكي أخضر، حتى تجعل هذا التصعيد مبررًا لمبادرتها فيما بعد، كما لا نستبعد أن يكون هناك تنسيق بين الاستخبارات الهندية، ونظيرتها الأمريكية لافتعال بعض الأحداث، لتكون مبررًا، لتشويه المقاومة الكشميرية وإعلانها حركة إرهابية بصفة نهائية، ورسمية تمامًا مثل مسرحية حادث الهجوم على البرلمان في نيودلهي، أو مسرحية الهجوم على حافلة النقل في جامو.
ومن هناء ينبغي على باكستان أن تكون على بصيرة وحذر من هذه الأهداف التي تريد الولايات المتحدة تحقيقها، كما ينبغي عليها أن تدرك أنها إذا خضعت أمام الضغوط الأمريكية في القضية الكشميرية، فسوف تتعرض لضغوط أشد للتنازل عن برنامجها النووي، ولن يكون هناك حد للتنازلات، ولذلك عليها ألا تخشى أحدًا إلا الله - سبحانه وتعالى -.
كما ينبغي على الدول الإسلامية أن تدرك خطورة التحدي الذي تواجهه باكستان نتيجة الضغوط الأمريكية، وأن تقوم بإعداد إستراتيجية موحدة لمواجهة ذلك التحدي قبل فوات الآوان، فقضية كشمير ليست قضية باكستان وحدها فقط بل هي قضية إسلامية تخص العالم الإسلامي، كما أن البرنامج النووي الباكستاني لا يخص باکستان فحسب مهما قيل غير ذلك.
وأخيرًا نريد أن نقول رغم المخططات والمؤامرات الهندية والضغوط الأمريكية، فإن المقاومة الكشميرية ستواصل مسيرتها - بعون الله وتوفيقه - والشعب الكشميري المسلم الذي قدم التضحيات الضخمة طوال ١٣ سنة ماضية للحصول على حقه الشرعي في تقرير مصيره وفقًا للقرارات الدولية لن يتنازل عن حقه أو يتخلى عن المقاومة، فهذه الحركة المباركة ستواصل مسيرتها إلى أن يوفقها الله - سبحانه وتعالى - بالنصر والتمكين