; خطاب لبنان إلى شرم الشيخ والكلام للجثث.. والحديث للطوفان!! | مجلة المجتمع

العنوان خطاب لبنان إلى شرم الشيخ والكلام للجثث.. والحديث للطوفان!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1996

مشاهدات 66

نشر في العدد 1198

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 30-أبريل-1996

 

ما إن انتهى مؤتمر شرم الشيخ المبارك؛ حتى ظهرت نفحاته هنا وهناك اتفاقات أمنية الضرب المجاهدين، وتعهدات عربية لحماية الإسرائيليين، واعتقالات جماعية لجمهور المعارضين، واجتماعات عالمية لسحق المسلمين وهرولة متسارعة للترحيب بالصهيونيين، وهتافات متواصلة بحياة الجزارين، وخبطات إعلامية للإشادة بالمجرمين، واستعدادات على قدم وساق؛ لتجنيد الشعوب المؤمنة لتصبح شرطة لحماية المحتلين، وللحقيقة فإن الحماس العربي لعقد المؤتمر المسمى بالإرهاب في شرم الشيخ بمصر، ووضع اللمسات الجمالية والتكتيكية له، وفرض مقرراته على الأمة، كان ذا دلالة واضحة لا تقبل الشك على الصداقة والاهتمام العربي العظيم بالأمة الصهيونية المحتلة، والغازية للديار المقدسة، وكان علامة بارزة على ضخامة العجز العربي وعمقه وتهاويه وارتكاسة دبلوماسيته، وعمى رجالـه، وضحالة تفكيرهم، وغيبوبة ذاكرتهم، مما أضحك الثكالى، وأصاب الكل بالدهشة والمرارة والأسى، وزاد الطين بلة، والوحل جلة تسارع كتاب الجنائز، وخفافيش الظلام، ومسطرو المصائب، ومهرجو الأنظمة إلى الإشادة بالجهود الخارقة والمساعي المشكورة والخطوات المأجورة لرسل السلام وعبقريات الأنام، التي ظهرت في رجالنا الأشاوس، وقادتنا المغاوير، الذين أقدموا وبكل قوة، وتنادوا وبكل عزمة إلى سلام العميان، وهرولة الخيبان:

 وما نفع المستـأخرين نكوصهم          ولا ضر أهل السابقات التقدم

 وهل تنقلب الحقائق مهما غبشت الأيام إلى ضلالات وأباطيل وتصبح الأباطيل مهما تزينت الأراجيف حقائق ومكارم؟.

 ليس النكوص على الأعقاب مكرمة                 إن المكارم إقدام على الأمل

 والعجيب والغريب أن كفاح الأمة الطويل ضد المحتل المبيد للشعب المسلم، والحاقد على الأمة المؤمنة يصبح إرهابا بقدرة قادر، والمجاهدون الذين يضحون بأنفسهم لخلاص الأمة من مهانتها وعجزها تنتظرهم فوهات البنادق والضرب في المليان، وتفتح لهم السجون ذراعيها، ويتصايح الكل بمطاردتهم في العالم ومحاصرتهم والقضاء عليهم؛ خدمة لإسرائيل ومن وراءها، وإرضاء للصهيونية ومن شايعها؛ لتخلو الساحة لإسرائيل، تذل من تشاء، وتعز من تشاء، وتقتل من تشاء، وتحيي من تشاء بيدها الأمر، ولتكون على كل شيء قدير، وأمر السلطات عندها معروف وحال أمتنا محسوب، والمكتوب مكتوب، وليس منه مهروب، وليس أمام الكل إلا التسبيح بألوهية إسرائيل المقدسة، ورسولية حكامها المعظمين!!. 

وبعد كل هذا نسمع الصوت العربي المتلعثم المذعور: المهرول: لا تجزعوا فإننا نصنع لكم السلام، الذي تستحقونه، وهل يحق لنا أن نسأل، وهل يجوز لنا أن تنطق ولو بكلمة مخلصة؟ أين دور الشعوب في أخطر أمر يحيط بالأمة، وأكبر قضية تحدد مستقبلها؟، هل يسمح للشعوب أن تبدي رأيا أو ترفع صوتا؟، وهل يفسح للأمة أن تقول كلمتها قبل أن تقع الواقعة وتحل الداهية؟، وهل يؤذن لها أن تقول هذا صواب، وهذا خطأ، أو هذا يجوز وهذا لا يجوز، وهذا حرام وهذا حلال أم على الأمة تفترون؟، وهل هناك في طول وطننا وعرضه دولة أخذت رأي شعبها المسكين واستشارته في مستقبله الغامض؟.

 وهل يجوز لنا أن نسأل عن الحريات العامة وعن الدساتير يا أسيادنا، وعن القوانين، يا تاج رأسنا؟، وهل يحق لنا أن نعرف الحقائق أو شيئا منها أو تعلم الحوادث أو بعضا عنها بدون تضليل ولا تهميش؟، وهل الشعوب هي صاحبة الحق في تقرير مصائرها ورسم طريقها أم أنها تعيش مثل الأطرش في الزفة أو الطور في الساقية؟، ويأتيها أمرها، ويملي عليها شأنها، وتنزل عليها أقدارها من المجهول أو المستور؟، لماذا عدوهم ينعم بالحرية والكرامة وهم محرومون منها، ويؤخذ رأيه في كل صغيرة وكبيرة، وهم مغيبون عن كل شيء شيمون بيريز يعمل ألف ألف حساب لشعبه الذي يحاسبه على النقير والقطمير، وعلى الشاردة والواردة، يوجهونه فيسمع ويطيع، ويشيرون عليه فيجد ويجتهد؛ حتى يكون على مستوى المسؤولية، وتخرج المظاهرات لتقول فيه ما تشاء، فهل يُسمح لنا بمجرد مظاهرة ولو حتى لتأييد إخواننا في لبنان، فضلا عن الاعتراض على أي تصرف خاطئ؟، هل يحق لنا ونحن ۲۰۰ مليون عربي أن نتساءل عن سر تخلفنا وقهرنا، وامتهاننا، وضياعنا وإهدار مواردنا؟، لماذا لم نصنع ولا حتى قطعة من سلاح ندافع به عن أنفسنا، وعدونا قد صنع كل شيء حتى القنابل النووية؟!! لماذا لم تتقدم زراعيا، ولا صناعيا ولا تكنولوجيا، وقد حل عدونا الغاز كل شيء، ونهض وسابق الأمم؟، لماذا لم تتسلح الأمة أو تتقدم حضاريا؟، ومن المتسبب في ذلك؟، لماذا تعيش الأمة في شتات وفرقة وتمزق حتى أصبحت أضحوكة العالم؟، هل يراد لنا أن نكون عربا بلا وعي ولا عقل ولا كرامة، ومسلمين بلا هوية ولا ذاكرة ولا ثقافة، وأن تكون أمة من العبيد، وشعوبا من الخصيان؟، وقد كان، نقلت جريدة واشنطن بوست، قول يهودي في العرب يقول: «إذا لم تضرب العربي حتى يطيعك فهو سيركبك.. لماذا لا تنقى الأجواء بين الشعوب العربية وتحل ما بينها من إحن وعداوات؟، ولماذا يستعصي ذلك ويكون نهاية التاريخ، وهل تنقى الأجواء بين إسرائيل وتعمق بين العرب، ويشجع بعضنا على حصار بعض، وضرب البعض الآخر، ونظل ننعم بالعداوة، ومن المسؤول عن ذلك، وهل تستطيع الأمة محاسبة فاسد أو ظالم أو مضيع؟، وهل يجوز لنا أن نتساءل أو نسائل أصحاب مؤتمر الإرهاب، لم لم يتناد فرسانه لمؤتمر آخر يوقف الإرهاب الإسرائيلي على لبنان أم أن ذلك ليس إرهابا ضرب عاصمة بلد عربي بالقنابل؟ ليس إرهابا طرد الملايين من دورهم، ليس إرهابا هدم البيوت على أصحابها، ليس إرهابا تجويع الناس وقطع أرزاقهم، ليس إرهابا ضرب الآمنين العزل بالقنابل الموجهة بالليزر، وقتل المئات حتى في حمى الأمم المتحدة، ليس إرهابا قتل المئات من الأطفال والنساء والشيوخ، ليس إرهابا تطاير الأشلاء والجثث وقتل أسر بأكملها، وضرب سيارات الإسعاف ليس إرهابًا وإنما المقاومة التي تتعرض لديناصورات الهلاك إرهاب شديد، والدفاع عن الأوطان وعن العزل والرضع والعجزة والنساء إرهاب عظيم، لماذا لم يرتفع الصوت العربي ليدافع عن العرب؟، ولماذا لا يفسح للشعوب والمنظمات أن تدافع وتتكلم فإن صمتت كل الألسنة فستتكلم الجثث بصوتها الراعد وتتحدث الأشلاء بقولها الفصل، ويغلي الدم المسفوك فيقذف الحمم ويمسك الشهيد بالمدفع فيبدل الوهن، ويزحف الطوفان فيجرف الرمم، ويسمع النداء الحبيب ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]  ويفرح المؤمنون بنصر الله.

الرابط المختصر :