العنوان خطاب التميز الروحي
الكاتب خالد الطراولي
تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2003
مشاهدات 1
نشر في العدد 1574
نشر في الصفحة 66
السبت 25-أكتوبر-2003
إن أي مشروع، أو فكرة، أو طرح لا يمكن له أن يتموقع أو يتجاوز سابقيه إذا لم يأت بجديد ويتميز عن غيره، وهذا من المسلمات والبديهيات في الأشياء والظواهر، ولن يخرج المشروع التغييري عن هذا الإطار، وتتميز فرادته فيما اللذان يتيحان قابلية المعالجة الأولى والتنظير والتطبيق والتفوق.
يقول جول جارودي في شأن الغرب واحتياجه إلى غيره، والحديث صالح...
ي غير هذا الباب لا يمكن لنا (الغرب) أن نغير علاقاتنا مع العالم الثالث إلا إذا تحققنا من أن هناك شيئًا يمكن أن نحققه معهم(1).
إن مفردة التميز لا تعني الاستعلاء، ولا التفوق والعداء، فحركة التغيير والإصلاح التي تحملها الآية لها وجه مبتدأ ليست بروتستنتية كيركجاردية النزعة، ولا كوكبًا سيارًا أو دينًا طارئًا، وهي ليست كذلك مجرد جماعة أنت من فراغ، ولا إلى الفراغ، ذلك بأن عبودية الخالق ابتداء وانتهاء، تشكل عنصر التميز الأساسي للمشروع، وبغاية النهاية ﴿فَإِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
يروى الرازي في مفاتيح الغيب، في تفسيره لآل عمران: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191] أن العبودية ثلاثة أقسام: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ فيه إشارة إلى عبودية اللسان، ﴿وَقِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ إشارة إلى عبودية الجوارح والأعضاء، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إشارة إلى عبودية القلب والفكر والروح، والإنسان ليس إلا هذا المجموع، فإذا كان اللسان مستغرقًا في الذكر، والأركان في الشكر، والجنان في الفكر، كان هذا العبد مستغرقًا لجميع أجزاء العبودية، فتكون الروحانية المنشودة لقاءً، لا يغيب مطلب الدنيا ولا مقاصد الآخرة.
يتمثل هذا الرباط خيطًا حريريًا رفيعًا يربط الأرض بالسماء، ويجعل من الفضاءات الإنسانية المتعددة، والمتباينة في بعض منها، فضاءً عيانيًا خالصًا، يرجى منه تقوى الله ومرضاته، فتنتفي الأنا وتنكسر الذات ويبهت الإخلاص، ويعلو بنجاح الأمة وسؤددها على أي بعد شخصي أو منفعة فردية.
إن تعبيد الفضاء الإنساني ليس انزلاقًا نحو حصومة بعد نفي محصن، ولا تجسيدًا لخيرية مجردة ومثالية حالمة، ولكنه تأكيد على أن تكوين الإنسان تدافعًا لتوازن الخير والشر، وأن تزكية هذه النفس نحو منازل خير راقية أمر ضروري لعلاج الفرد والمجتمع في ظل الحياة الطيبة، لكنها تبقى غير كافية إذا لم يحمل مسارها إطارًا إنسانيًا، وعبر آليات ديمقراطية، مانعة وكابحة أو منشطة ودافعة للفعل الإنساني عامة، حتى تكون الروحانية ملاذًا واعيًا للفرد، ونجاة رشيدة وفاعلة للجماعة والمجتمع.