العنوان خطاب "أوباما" في القاهرة.. ما حجمه الحقيقي؟
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009
مشاهدات 108
نشر في العدد 1857
نشر في الصفحة 24
السبت 20-يونيو-2009
- "التايمز": ربما كان العرب يرغبون منه لهجة أشد حول: مأساة غزة.. "مبادرة" سلام جديدة واعتذار عن سياسات أمريكا السابقة.. ولكنه لم يفعل ولم يعتذر!
- روبرت فيسك: "أوباما" اختار مصر لأنها تضم ربع السكان العرب.. ولكنها أيضا أكثر المناطق قمعاً وافتقارا للديمقراطية.
- الضفة الغربية - أو حتى قطاع غزة - هي المسرح الذي كان ينبغي على "أوباما" أن يختاره لتوصيل رسالته لتغيير مشاعر الاستياء والسخط التي تنامت في أوساط المسلمين.
- عاتب الفلسطينيين على إطلاق الصواريخ على الأطفال النائمين دون أن يأتي على ذكر أعمال العنف الإسرائيلية في غزة.. فقط تحدث عن استمرار الأزمة الإنسانية فيها!
"الكلمات سهلة وكثيرة، أما الأعمال العظيمة فصعبة ونادرة"... تلك هي عبارة مأثورة عن رئيس الوزراء البريطاني الأشهر "وينستون تشيرشل"، وحجم أي كلام هو فيما ينتج من أفعال على أرض الواقع، وحتى الكلام رغم نعومته ولهجة الاحترام والتودد، يقول "فيسك" في "الإندبندنت": إن الذي كان يريد أن يسمعه العرب والمسلمون من "أوباما" هو أنه سيأخذ جنوده ويرحل بهم من ديار الإسلام، ما حدث ويحدث من أمريكا في المنطقة لا يمحوه من ذاكرة التاريخ أو ذاكرة الشعوب خطاب يقرأ ولن يغفر لنا الأيتام ولا الثكالى الإعراض عن معاناتهم وبيعها في سوق الكلام..
نعم لصفحة جديدة إذا تحلت بالإنصاف والمساواة وليس بحجب حقائق التاريخ وحقوق الخلق، كيف كانت ردود الأفعال لخطاب "أوباما" إلى العالم الإسلامي من جامعة القاهرة، هل هو تأريخ لبداية جديدة لعلاقات أمريكا بالمسلمين؟".
اختيار مصر
هل اختار "أوباما" المكان الخطأ ليرسل رسالته إلى العالم العربي والإسلامي؟ ينبه الكاتب الشهير "فيسك" إلى أن "أوباما" قد اختار مصر، هذا البلد الذي يديره حاكم ذو شيخوخة تعدى الثمانين من العمر، والذي يستخدم شرطته السرية مثل جيش خاص لسجن العاملين في مجال حقوق الإنسان والسياسيين المعارضين، أو أي أحد في الواقع ينافس حكم الرجل العظيم .. عند هذه النقطة، فإننا لن نذكر التعذيب، مما لا شك فيه أن هذه النقطة الصغيرة من غير المرجح أن تحصل على الكثير من الدور في خطبة "أوباما". وأشار "فيسك" إلى أن "أوباما" اختار مصر لأنها تضم ربع السكان العرب ولكنها أيضا أكثر المناطق قمعا وافتقارا للديمقراطية، وأكد أن الضفة الغربية- أو حتى قطاع غزة - هي المسرح الذي كان ينبغي على "أوباما" أن يختاره لتوصيل رسالته، بهدف تغيير مشاعر الاستياء والسخط التي تنامت في أوساط المسلمين على مدى السنوات الثماني الماضية. وهل هذا يؤكد أن المصالح الأمريكية تأتي قبل المبادئ؟ رغم قول "أوباما": "لقد أتيت إلى هنا للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين حول العالم استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل".
لعله لم يختر مصر من فراغ، فهي الدولة التي تستطيع أن تطبق خطة تأمينه كما كتبت صحيفة "الفجر" المستقلة، تقول: إن أكثر من ١٠ آلاف قناص، و ١٥ ألف شرطي وسيارة مصفحة في مكان سري، وطائرتي بونيج، و ٥٨ مؤسسة أمنية يشاركون في تأمين "أوباما". وهي الدولة التي تهتم بالمظاهر ولا تهتم بشعبها اهتمامها "بالضيف الكبير"، كما نشرت صحيفة "الدستور" المستقلة خبراً يقول: إن جامعة القاهرة أنفقت ١٥ مليون جنيه على تركيب تكييفات ودهانات، وشراء نجف وستائر وسجاد لاستقبال "أوباما"، كما أن الجامعة استبدلت وحدة تشغيل التكييف المركزي بأخرى جديدة، واشترت مجموعة صالونات لوضعها في الحجرات الملحقة وحدثت جهاز الإنذار والإطفاء!
لا اعتذار
"التايمز" تخلص إلى أنه "ربما كان العرب يرغبون في المزيد، في لهجة منه أشد حول مأساة غزة و"مبادرة" سلام جديدة واعتذار عن سياسات أمريكا السابقة"، ولكنه لم يفعل ولم يعتذر يؤكد ذلك ما قاله "أوباما" ل(BBC) قبيل الخطاب إنه حوار وليس اعتذاراً، فسأله المراسل: يظن كثير من المسلمين أنهم يستحقون اعتذارا لسنوات "بوش" والذنوب في نظرهم، التي ارتكبت من جانب الولايات المتحدة خلال تلك السنوات. هل هذا الخطاب هو بأي حال من الأحوال اعتذار؟ وكانت إجابة "أوباما": "لا، فإني اعتقد أن ما نريده هو فتح حوار، فهناك سوء فهم من جانب العالم الإسلامي حيال الغرب والواضح أن هناك سوء فهم كبير عن العالم الإسلامي من جانبنا نحن الذين في الغرب".
ما لم يذكره "أوباما"
يكتب "روبرت فيسك" في "الإندبندنت" عن ذكاء ومهارة الرئيس الأمريكي حتى "إنك تنسى أن "أوباما" هو رئيس الولايات المتحدة. ويعدد "فيسك" ما لم يذكره "أوباما"، وفيه دليل جديد على ازدواجية المعابير؛ فلم يرد ذكر- خلال حديثه عن إيران- الرؤوس الحربية النووية الإسرائيلية التي تقدر بنحو ٢٦٤ رأسا. وعاتب الفلسطينيين للعنف "لإطلاق النار والصواريخ على الأطفال النائمين أو نسف امرأة عجوز في حافلة"، ولكن لم يكن هناك ذكر لأعمال العنف "الإسرائيلية" في غزة، فقط ذكر استمرار الأزمة الإنسانية في غزة"، كما لم يذكر قصف إسرائيل للمدنيين في لبنان، واجتياحاتها المتكررة ( ۱۷٥۰۰ قتيل في اجتياح عام ١٩٨٢م وحده). وطلب "أوباما" من المسلمين ألا يعيشوا في الماضي، ولكنه استثنى "الإسرائيليين" من ذلك. فالمحرقة كانت تلوح من خطابه، وذكرنا أنه سيتوجه اليوم التالي لزيارة موقع معسكر الاعتقال النازي في ألمانيا.
وفي "الديلي تلجراف" تجد من يتشكك في أن تؤدي لهجة ، أوباما، الودودة في كلمته إلى تغيير مواقف المعادين للغرب في المنطقة. ويكتب "كون كوفلين" مقالاً متشائماً جداً خلاصته أن دعوة "أوباما" لبداية جديدة ستواجه بعقبات قوية. ويقول عن تصريح "أوباما": بأن أمريكا ليست في حرب مع الإسلام "حاول أن تبلغ ذلك للملالي في إيران، أو قيادة طالبان، أو القاعدة، أو ملايين المسلمين الآخرين ممن لا رغبة لديهم في الاقتناع بالتخلي عن كراهيتهم المقيتة للغرب وكل ما يمثله".
القضية الفلسطينية
وقال "أوباما": إن الرباط بين الولايات المتحدة و إسرائيل غير قابل للفصام، لكنه وصف محنة الفلسطينيين بأنها "لا تحتمل". وحول بناء المستوطنات "الإسرائيلية" في الضفة الغربية قال الرئيس الأمريكي لا يمكن تحقيق أي تقدم باتجاه السلام دون أن تتوقف أعمال البناء تلك". وتنشر "الفايننشيال تايمز" صورة كبيرة على الصفحة الأولى لمقاتلين من كتائب القسام في غزة يتابعون خطاب "أوباما" على شاشة تلفزيون، وفوقها عنوان عن تعهد "أوباما" بدولة فلسطينية.
وحول ذكر "أوباما" لحركة "حماس" باعتبارها مكونا من الشعب الفلسطيني قال الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى: إن "أوباما كان واضحا في حديثه عن حماس، وتحدث عنها كما تحدث عن السلطة الوطنية الفلسطينية، لأن هذا هو الواقع الفلسطيني"، مشيرا إلى أن "تجاهل الوضع الفلسطيني لن يخدم القضية، وحديثه يأتي في إطار الحركة نحو إقامة سلام".
العالم العربي: ذكر أعضاء مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف أنهم يعدون الخطاب "دليلا على بدء عهد جديد واعد من العلاقات بين أمريكا والعالمين العربي والإسلامي، ويمهد الطريق أمام حوار حقيقي بين الحضارات، بدلا من الصراع الذي قد يرغب بعضهم في إقناعنا باستحالة تجنبه". ولكن من جانبه، دعا إمام وخطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري إلى عدم الإفراط في التفاؤل بما جاء في الخطاب، وقال: "علينا أن ننتظر ما يقع على أرض الواقع أولاً". وهذا التريث مطلوب لأن "أوباما"- في الأمور الإيجابية - ظهر وكأنما يتحدث عن أفكاره الشخصية، التي قد يكون شكلها جزئياً ماضيه وولادته من أب مسلم وليست السياسة الأمريكية، ولم يعط أي دليل عملي لبناء العلاقة الجديدة.
وتحت عنوان: "مرحباً بالرئيس "أوباما" كتب مفتي مصر الدكتور علي جمعة في الأهرام يقول: "إننا نرجو من الزيارة أن تحقق مزيدا من تحسين العلاقات التي أرى أنها لا تكون إلا بتحسين السياسات، وتحسين السياسات لا يكون إلا بمجموعة من الإجراءات والمواقف التي يتمناها المثقفون والعلماء في العالم الإسلامي". وأشار إلى رغبة المسلمين في الحوار، وإلى حقيقة أن الإسلام قادر على أن يعيش كل العصور. ودعا إلى وقف الحملات ضد الإسلام من أجل تحقيق السلام في المنطقة وفي العالم كله.
وقال إبراهيم عيسى رئيس تحرير صحيفة "الدستور" المستقلة: "أوباما قادم لمصر كي يلقي خطابا للعالم الإسلامي منها. في الوقت الذي لا نعرف فيه شيئا عن العالم الإسلامي وتعامله بكل تجاهل وسخافة". وأشار إلى قيام السلطات باعتقال عدد من طلاب جامعة الأزهر الأجانب، تراوح عددهم بين ٦٥ و ٤٠٠ حسب اختلاف الروايات وهم من روسيا، وباكستان، والهند، والجمهوريات القوقازية، وماليزيا، وأوزبكستان". وقال هكذا يتم اعتقال هؤلاء الطلبة المسلمين القادمين من العالم الإسلامي الذين جاء لأجلهم".
هل كان الهدف هو تلميع صورة واشنطن البالغة التشوه ولا يرقى بأي حال ليعبر عن استراتيجية جديدة؟ إن الأمل باق وإن كان بعيداً في أن تنتهج الإدارة الأمريكية الجديدة نهجا يتطابق مع ما جاء في الخطاب من إيجابيات .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل