; خريف دموي ينتظر الشيشان ... محاولة اغتيال شيفرنادزه.. رسالة لدوداييف | مجلة المجتمع

العنوان خريف دموي ينتظر الشيشان ... محاولة اغتيال شيفرنادزه.. رسالة لدوداييف

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

مشاهدات 58

نشر في العدد 1167

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 19-سبتمبر-1995

محاولة اغتيال الرئيس الجورجي إدوارد شيفرنادزه نهاية شهر أغسطس الماضي بتدبير روسي، وقيام القوات الروسية بخرق وقف إطلاق النار في الشيشان اعتبارًا من ١٧ أغسطس، رغم توقيع اتفاقية السلام يوم 30 يوليو الماضي، يشيران إلى أن موسكو ستفعل كل ما تستطيعه من أجل ضمان مرور خط أنبوب نفط آسيا الوسطى وأذربيجان عبر أراضيها، وإذا لم تستفد من عملية السلام في الشيشان؛ فإنها لن تتراجع عن إبادة شعبها الذي عرقل جهاده من أجل الاستقلال إتمام صفقة مرور النفط من الأراضي الروسية، وهو الأمر الذي يعطي لروسيا قوة إستراتيجية أكثر ومكاسب اقتصادية أفضل، ولذلك فإنه من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة المتبقية من العام الجاري تطورات خطيرة يمكن أن تؤدي إلى محو الشيشان من على وجه البسيطة.

خاصة وأنه رغم الحرب الروسية المدمرة لكل ما هو شيشاني، فإن استطلاعات الرأي العام في الشيشان تشير إلى تنامي شعبية الرئيس الشرعي جوهر دوداييف، بينما تتراجع شعبية الرئيس الروسي بوريس يلتسين، مما يعني احتمال تصاعد المقاومة الشيشانية خلال الخريف والشتاء المقبل، وهو ما تظهر بوادره حاليًا داخل العاصمة جروزني، التي تشهد حاليا مقاومة شيشانية سرية، رغم تعرضها لأبشع تدمير ممنهج في القرن الحالي.

عدم الثقة بالروس

ويؤكد مصدر شيشاني مقيم في تركيا لـ«المجتمع»، أنه لا يمكن الثقة في الوعود الروسية، وذلك لأنه رغم معاهدة السلام وتوقيع الاتفاقية العسكرية فإن الطائرات الروسية تقصف- بين الحين والآخر- الأحياء السكنية، كما يطلق الجنود الروس النار عشوائيًا على المدنيين، كما تجوب دوريات الإف إس کا «المخابرات الروسية» الأراضي الشيشانية للقبض على «۱۲» ألف مجاهد، علاوة على ممارسة أعمال تعذيب المعتقلين وقتلهم في نهاية الأمر لرفضهم الإدلاء بالمعلومات.

أهمية الشيشان

والسؤال المثار حاليًا هل ترضى روسيا بمنح الاستقلال للشيشان بشرط اعتراف الأخيرة بحق روسيا في السيطرة التامة على كل وسائل النقل التي تمر بالشيشان؟ وكذلك وضع الصناعات البتروكيماوية فيها تحت السيطرة المشتركة؟

بالطبع إذا كان في موسكو عقلاء لرضوا بتلك الصفقة، التي لن يرفضها كذلك المجاهدون الشيشان، إذ إن معبر الشيشان ستحصل روسيا من خلاله على نصف مليار دولار سنويًا في حالة مرور النفط الأذربيجاني من الأراضي الروسية، والتي تعتبر أقصر الطرق فعلًا، خاصة بعدما خسرت موسكو صفقة النفط الأذربيجاني، وقيمتها ٧.٥ مليار دولار، والمتمثلة باستخراج نفط أذربيجان في بحر قزوين واحتياطيه يصل إلى ثلاثة مليارات طن.

وعلاوة على ذلك فإن مشروع تصدير نفط كازاخستان يمر عبر الشيشان أيضًا، وفي حالة شق طريق نفط جديد عبر جنوبي روسيا، فإن ذلك الأمر سيكلف الخزانة الروسية مبالغ طائلة لا يمكنها الوفاء بها، بالإضافة إلى أن الآذاريين والكازاخستانيين يريدون استفادة أشقائهم في الشيشان وداغستان من ثروتهم النفطية.

الضرورات تبيح المحظورات

وبالتالي فإن على روسيا التي تدافع عن طريق الشيشان الذي تبلغ قدرته الاستيعابية أربعة أضعاف طريق جورجيا «سبعة عشر مليون طن في السنة» وهو الذي تدعمه أنقرة وواشنطن، أن تزيل العقبات الحالية من أمام خيارها بإنهاء الحرب في الشيشان إما عبر إبادة شعبها، أو إنهاء الحرب على أساس الضروريات النفطية التي ستبيح بالطبع المحظورات السياسية ومنها الاستقلال للشيشان دون الانفصال التام عن روسيا، خاصة وأن العقبة الثانية أمام مرور النفط عبر المضايق التركية الخاصة بفرض أنقرة قيودًا على مرور الناقلات التي ستحمل النفط من ميناء نوفوروسيسكي الروسي من السهل تلافيها إما عبر طريق بلغاريا اليونان، أو بإثبات عدم مصداقية أنقرة في أن مرور الناقلات عبر المضايق سيُهدَّد، وهو الأمر الذي دفع الحكومة لفرض قواعد مرورية جديدة، خاصة وأن خيار جورجيا الحالي سيكون أنبوبًا يمر من باكو إلى جنحه في أذربيجان ثم تفليس العاصمة الجورجية، ومنها إلى ميناء سويا على البحر الأسود؛ ليتم تحميله في ناقلات عبر المضايق التركية، وهو ما سيتم تجريبه في الإنتاج المبكر.

ارتفاع شعبية دوداييف

وبالطبع فإن حمائم النفط الروسي يستندون في طلبهم لحل المشكلة الشيشانية إلى عدة ثوابت في مواجهتهم لجنرالات الحرب، منها أن ٥٠٪ من مواطني الشيشان يطالبون بالاستقلال التام عن روسيا رغم كل تلك الضغوط، وهو ما أشار إليه استطلاع نشرته أسبوعية «أرجومنتي» الروسية بينما يؤيد ٣٥٪ إقامة كونفدرالية مع روسيا، في حين طالب ١٥٪ البقاء ضمن الاتحاد الروسي.

كما أنه إذا ما تمت انتخابات كما هو محدد في الاتفاق رغم عدم تحديد موعدها؛ فإن تحالف الرئيس جوهر دوداييف ومقصودوف قائد القوات الشيشانية والمجاهد شامل باسييف سيحصل على ٤٠٪ على حد تحليل الأسبوعية.

بينما سيحصل رسلان حسب اللاتوف عدو يلتسين اللدود الذي قاد تمرد البرلمان عندما كان رتبه على الرئيس يلتسين على ٢٠٪، أما تحالف رئيس الوزراء المنصَّب من موسكو حاجييف ورئيس لجنة المصالحة الوطنية آفتور خانوف، وهما من عملاء روسيا سيحصلان على ١٥٪، بينما رفضت نسبة ١٠٪ تأييد أحد، كما أن هناك ۱۹حزبًا واتحادًا سياسيًا على استعداد  للمشاركة في الانتخابات، ووفقًا للأسبوعية «آرجومنتي» فإن تحالف دوادييف مقصودوف بوساييف يحظى بتأييد الأغلبية في المناطق الجبلية والفئات الدنيا من السكان، وكذلك رجال الأعمال والمثقفين وأنصار تطبيق الشريعة الإسلامية والوطنيين الذين يؤيدون التحرر الوطني، أما حسب اللاتوف فإن الطبقة المتوسطة وفئة المثقفين والفنيين وأصحاب المعاشات وبعض أتباع الطوائف الدينية.

ورقة حسب اللاتوف

وبالتالي فإن على موسكو الرضوخ لرسلان حسب اللاتوف والتعاون معه في ظل ضعف جناح حاجييف- آفتور خانوف الذي يؤيده رجال الأعمال، وهو ما يعني إعادة يلتسين لحساباته وفتح صفحة بيضاء مع عدوه اللدود من أجل تحقيق الأهداف المشتركة، إلا أن مكر كل من حسب اللاتوف ويلتسين يجعل لقاء الاثنين مستحيلًا، اللهم إلا إذا قدم كل من الطرفين تنازلات مهمة للآخر، خاصة وأن حسب اللاتوف لا يمكنه التراجع بشكل تام عن فكرة الاستقلال التي بثها في الوجدان الشعبي دوداييف، وأشعلها باسييف، ولكنه يمكن أن يدعم الكونفدرالية لإرضاء كافة الأطراف، بشرط أن يعود إلى الأضواء السياسية في موسكو، وهو ما يعني في النهاية إلى تقديم جائزة لمتمرد ضد الرئيس.

المخرج

ورغم كل ذلك فإن احتمالات فوز حسب اللاتوف تظل غير مرجحة في ظل تأييد الأغلبية لتحالف دوداييف– مقصودوف– باسييف، ولذلك فإن موسكو لن يكون أمامها سوى طريقين: إما الاستمرار في الحرب التي لا تظهر لها في الأفق نهاية، أو تحقيق السلام عبر التوافق السري الذي كان قائمًا بين الطرفين حول الاستقلال منذ ۱۹۹۱م حتى ١٩٩٤م، والذي تفجر بسبب نضوب النفط الشيشاني، والبداية الجادة لاختيار طريق مرور نفط آسيا الوسطى وأذربيجان.

التطورات الأخيرة تشير إلى اختيار روسيا نفس طريقها الدموي، إذ لا تمل من حياكة المؤامرات ضد الرئيس الأذربيجاني حيدر علييف الذي يحبط كل شهرين محاولة انقلابية بفضل مساعدة الاستخبارات التركية له، وبعدما أعلن شیفرنادزه أواخر يونيو الماضي استعداد جورجيا لإزالة جميع العقبات من أمام مرور صادرات النفط الأذربيجاني، وقبل زيارة تانسو تشيللر- رئيسة الوزراء التركية- لتفليس بيومين تمت محاولة اغتيال شيفرنادرة بسيارة مفخخة، ثبت أنها كانت بفعل الاستخبارات الروسية لتنسف خط النفط المقترح، ولتفجر العلاقات التركية– الجورجية، إلا أن تشيللر زارت جورجيا، وعادت الرئيس شيفرنادزه لتخسر موسكو جولة أخرى، إلا أنها بدون شك ستدفع الرئيس الجورجي لإعادة حساباته من جديد، ولذلك فإن قطاعات المجاهدين الشيشان الرافضة لتسليم أسلحتها- خاصة المحصنة في الجبال الشاهقة- لديها كل الحق في عدم الثقة في الروس الذين يعدون لهم فخًا لمحوهم من الوجود، في ظل الاتفاقية العسكرية الموقعة التي تخط طريق سراجي للشيشان، وبالتالي فإن المواجهة ستندلع ثانية بشكل أعنف إذا لم يتم التوصل لحل يتيح للشيشان الاحتفاظ باستقلالها، مقابل ضمان مرور أنبوب النفط من أراضيها، وهو الحل الأمثل رغم أنه سيمثل ضربة قوية لتركيا، ولكن ما عسى الشيشان أن تفعل وتركيا نفسها تركتها تواجه مصيرها وحدها بعدما هددتها موسكو بورقة حزب العمال الكردي، ولكن الشعب التركي- مثل باقي الشعوب المسلمة- لم يتقاعس عن أداء دوره الداعم لنضال الشعب الشيشاني، الذي سيحتاج إلى المزيد منها لمواصلة جهاده، وهو ما يصر عليه كل من باسييف ودوداييف، خاصة وأنه في اليوم الذي صرح فيه إدوارد شيفرنادره- عقب محاولة اغتياله- بأنه يؤمن بأن مرور خط أنبوب النفط من جورجيا إلى تركيا وراء محاولة الاغتيال، في إشارة إلى موسكو، قال آلبرت تشرنيشيف- مساعد وزير الخارجية الروسي- أنهم سيعارضون مرور الأنبوب من تركيا، وإذا لم يتم التفاهم حول مسار الأنبوب يمكن أن تندلع حرب ستؤثر على ثلاث أو أربع دول.

وعندما كانت تشيللر تتباحث مع شيفرنادزه قال تشرنيشيف يجب أن يمر أنبوب النفط من كل من روسيا وتركيا يعني التقاسم، وتدل تلك التصريحات أن محاولة اغتيال شيفرنادزه يوم ٣٠ أغسطس كانت تستهدف إلغاء نتائج زيارة تشيللر التي قامت بها يوم ۳۱ أغسطس لتفليس بدعوة من الرئيس الجورجي للاتفاق على موضوع أنبوب النفط الذي ستقوم شركات تركية بتنفيذه.

فهذه اللهجة الدموية لتشرنيشيف موجهة إلى الشيشان أيضًا، ولذلك يجب أن يتم الانتباه خلال الفترة المتبقية من العام الجاري، والعمل بكل جد لإنقاذ الشعب الشيشاني من المصير الدموي الذي يعيشه منذ أكثر من ٩ أشهر.

الرابط المختصر :