العنوان خرج الجيش وبقيت محنة العمال السوريين في لبنان
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 14-مايو-2005
مشاهدات 78
نشر في العدد 1651
نشر في الصفحة 37
السبت 14-مايو-2005
طوال نصف قرن من التدخل والتقلب في الشأن اللبناني، كان المطلوب من الأطراف المعنية ولا سيما سوريا.. رأب الصدع. وتعزيز الأخوة اللبنانية السورية، فضلا عن إعمار لبنان واستئنافه الصيغة اللبنانية الفريدة، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، فنظام الحكم السوري هو نظام حزب قومي، لكن ممارساته غير قومية بدءًا من لبنان وانتهاءً به، وهذا أحد وجوه المفارقة والمأساة، وسبب رئيسي في تفاقم الوضع السوري واللبناني والعربي، فإذا لم يستطع هذا الحزب توحيد قطرين كان يحكمهما «سابقًا»، فعلى الأقل لا ينفر الجار الشقيق المتميز لبنان من هذه الأخوة، فضلا عن أن يكسبه بالحسنى، ويبدو أن هذه النصائح المخلصة فات أوانها في المسألة السورية اللبنانية بعد تدويلها، ونخشى أن يفوت الأوان للإنقاذ السوري المنشود أيضًا!!
من الوقائع التي ينبغي التوقف عندها في ذلك.. الحكم الذي أصدرته المحكمة العسكرية اللبنانية بالسجن على 19 عاملًا سوريًا، متهمين بـ «الاعتداء على رجال الأمن والتظاهر وإثارة الشغب والتخريب، وذلك على خلفية عمليات تحرش و اعتداء، تعرض لها بعض السوريين انتقامًا لمقتل المغدور بيار عفارة في محلة برج حمود على يد مواطن كردي سوري».
ظاهر الأمر أن الجريمة جنائية، فاتخذ القضاء مجراه، وأصدر أحكامه، وباطن الواقعة بل جذورها سياسية محضة، والمعلوم أن مسألة العمال السوريين في لبنان لها مضاعفاتها العنيفة المتكررة: من حوادث تفجير، وقتل، ومصادمات، وتعميق للاختناقات السورية اللبنانية على مختلف المستويات.
والواقعة المؤسفة التي نحن بصددها – كمثال – ليست الأولى من نوعها، بل هي مسلسل، يطل برأسه بين حين وآخر، ويؤكد ذلك البحوث والندوات اللبنانية التي خصصت لموضوع العمال السوريين في لبنان، فذهب بعض الدارسين اللبنانيين إلى تقدير عدد العمال السوريين بمليون ونصف المليون.. استنادًا إلى سجلات الحدود، ورد عليهم بعض الدارسين السوريين بأنهم لا يزيدون على نصف هذا الرقم، كما ذكرت الدراسات أن الأعمال التي يقوم بها السوريون غالبًا هي الأعمال التي يرفض اللبنانيون القيام بها لمشقتها أو لأنهم يأنفون من عملها، وذكرت أن العامل السوري ينافس اللبناني بأجره المحدود، وطواعيته، وهنا يأتي السؤال: لماذا يضطر العامل السوري إلى كل ذلك؟ ولماذا بلغ هذا العدد الضخم من العمال، وظهرت الحساسيات مع الأشقاء اللبنانيين والوصول إلى حد المصادمات؟
الجواب البسيط: أن العامل السوري يعاني من البطالة داخل سوريا، وارتفاع مستوى الأسعار، وانخفاض قيمة الليرة السورية، وأنواعًا من الاضطهاد الفئوي أو الأمني أو العنصري، أو من مجموع ذلك وغيره وأمثاله، وبالتالي فالهجرة إلى لبنان الشقيق أقرب وطعامها أطيب.
أما المهاجرون القسريون إلى دول الخليج العربي، وبقية أرجاء المعمورة، لا سيما بعد أحداث الثمانينيات من القرن المنصرم، فقدر عددهم بالملايين، لقد شخص الاقتصادي السوري الدكتور عارف دليلة الأزمة الاقتصادية بأن 5% من المواطنين يستولون على ما نسبته 80% من الدخل السوري، وأن ما ينفق من مال مهدور على سيارات المسؤولين وأسرهم من الأموال العامة في السنة الواحدة، يكفي لدفع رواتب موظفي الدولة خمس عشرة سنة، فكان جزاء الرجل المحاكمة الصورية أمام محكمة عسكرية، والحكم بسجنه عشر سنوات، فماذا يستطيع العامل السوري أن يفعل غير الهجرة أو الانخراط في «الإرهاب»؟
هذا هو الوجه الأول من مأساة العامل السوري في مسقط رأسه، أما وجهها الثاني فهو في الأرض اللبنانية، حيث الغربة والتقشف، والسكن القميء المزدحم إن وجد، والأجر الزهيد، وانتفاء التأمين الاجتماعي أو الصحي والتعويض عن إصابات العمل، أو الخضوع للابتزاز الأمني من الأجهزة الأمنية السورية.
وأخيرًا فإن الإدارة الأمريكية تقول للنظام السوري: إما أن تكون كنظام صدام حسين وطالبان أو أن تكون كنظام القذافي، والنظام السوري يقول للمواطن السوري: إما أن تكون حزبيًا عميلًا أو سجينًا أو شريدًا أو قتيلًا، إنها العقلية الأمنية التي تتلبس العالم من رأسه إلى أساسه