العنوان خبراء الخوف .. وقضية الحجاب
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 24-يناير-2004
مشاهدات 84
نشر في العدد 1586
نشر في الصفحة 31
السبت 24-يناير-2004
أسفرت قضية الحجاب في فرنسا عن وجود معسكرين في بلادنا العربية المسلمة الأول يضم الأغلبية الساحقة من الجمهور والمثقفين وعلماء الدين، وهؤلاء يدافعون عن دينهم وقيمهم ضد الهجمة الصليبية الاستعمارية التي تستهدف الإسلام والمسلمين في أوروبا والعالم الإسلامي على السواء، ويتحملون في سبيل ذلك المعاناة المادية والمعنوية من جانب خصوم الإسلام، والآخر معسكر النخبة المتغربة والباحثة عن المنفعة من مثقفي السلطة وكتابها وكاتباتها، فضلًا عن الخصوم الصرحاء للإسلام والمسلمين، ويضم هذا المعسكر أيضًا نفرًا من علماء السلطة وفقهاء الشرطة، الذين يستجيبون للأوامر ويصدرون الفتاوى تفصيلًا على المقاس المطلوب.
بدا هذا الانقسام واضحًا في المقالات التي تنشرها الصحف والبرامج التي تذيعها التلفزة والإذاعة، وإذا كان المعسكر الأول لا يملك إلا استنكار ما تفعله الحكومة الفرنسية والحكومات الغربية الأخرى ضد المسلمين، فإن المعسكر الآخر، بدأ مالكًا لأدوات الاتصال ووسائط الدعاية مهيمنًا على عناصر التأثير الفكري والإعلامي، وهو ما يشي بتقول الثقافة الاستعمارية في عالمنا العربي الإسلامي إلى حد التوقع والتبجح في رفض الإسلام صراحة والموافقة على ما يقوله المستعمرون وما يقررونه وما يخططون له تجاه الإسلام والمسلمين.
لقد نشط اليساريون المتأمركون من خدام الغرب للدفاع عن فرنسا بلد الحريات وحقوق الإنسان»، مع مقارنتها بالبلاد العربية، وقياس ما تنويه من حظر الحجاب على ما فعلته وتفعله بعض الحكومات في تحريم الحجاب وتعدد الزوجات والطلاق، ثم الأدهى من ذلك أنهم ارتكزوا على المشكلات الداخلية العربية المتراكمة وجعلوا منها مسوغًا كي لا يناقش أحد قرار فرنسا ضد المسلمات. ثم زعم بعضهم أن القرآن الكريم لم يرد فيه نص واحد يوجب الحجاب !. ومن المؤسف أن يصف البعض من مقدمي برامج التلفزة جموع المعترضين على فتوى شيخ الأزهر التي جعلت حظر الحجاب شأنًا داخليًا. وخذلت المسلمين الفرنسيين، بل المسلمين في جميع أنحاء العالم، بأن اعتراضهم تطاول وإساءة أدب، وكنت أتمنى لهؤلاء أن يكون لديهم بعض الحياء في قضية عامة تخص كرامة الأمة ومستقبلها فضلًا عن دينها وعقيدتها، إن أصغر متابع لما يجري في الغرب اليوم. يعلم أن هناك حربًا ضروسًا ضد الإسلام والمسلمين، وأن فرنسا بلد الحريات صدر فيها - وحدها . عشرات بل مئات الكتب والأفلام التي تهاجم الإسلام وتسخر منه وتزري بأهله، وأن الأحزاب اليمينية التي تعيد إنتاج التاريخ الصليبي القديم في فرنسا، تكسب شعبية عريضة، لأنها تحارب الإسلام وتعمل على تطهير فرنسا، بل أوروبا من المسلمين، وتمارس عنصرية بغيضة ضد المسلمين في العمل والسوق والمستشفى، ومحل العبادة والثقافة.
كتاب السلطة من اليسار المتأمرك، لا يقتدون ببعض زملائهم الذين يمتلكون شيئًا من الحياء فسكتوا ولم يتكلموا في الموضوع، وبعضهم أثر ألا ينشر حوله حتى لا يضع نفسه في مواجهة مع الجمهور أو السلطة، ولكنهم يصرون على مواجهة الأمة بما تكره، وإيذائها في حرماتها وشرفها دون أن يخجلوا من الله أو من أنفسهم هناك بعض التقارير التي أفلتت ونشرت وعبرت عن حقيقة ما يجري في الغرب وفي فرنسا، تقول ليلى حافظ في رسالتها من باريس إلى الأهرام (٢٠٠٤/١/٢) منذ أحداث 11 سبتمبر تزايد الخطاب العام ضد الإسلام والإسلاميين على أساس أنه السبب في الإرهاب وتراجع الخطاب العلمي في فرنسا ليحل مكانه آخر أكثر سطحية وأكثر انفعالية ومع هذا الخطاب دخل السلطة شخصيات أطلق عليها ببعض المفكرين في فرنسا لقب خبراء الخوف، وتضيف هؤلاء الخبراء يعملون من خلال الإعلام الغربي فقاموا بدور في نشر المخاوف وتشويه صورة الإسلام والمسلمين سواء بالصورة أو المقال...
وتشير ليلى حافظ إلى نماذج عديدة للحملة ضد الإسلام والمسلمين، ولكنها تتحدث عن بعد آخر يتعلق بالنخبة الثقافية التي تعيش في فرنسا، وتحمل أسماء إسلامية وغربية تسهم مع الفرنسيين في تشويه الصورة الإسلامية وهي حركة أعلنها الباحث الفرنسي فانسان جايسر في كتابه الجديد موجة معادلة الإسلام الجديدة، كراهية الإسلام الإسلامية ، أو مسلمون يسهمون في نشر كراهية الإسلام، تلك الحركة يشارك فيها عدد كبير من هؤلاء الذين يقيمون في فرنسا. ويعملون في مؤسساتها الفكرية وفي الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية، هؤلاء يتحدون مواقف معادية للإسلام حتى يظهروا أمام الجماعات السياسية الفرنسية بأنهم علمانيون وليبراليون، ويصبح هناك مبرر لوجودهم على الساحة الإعلامية والبرامج الإذاعية والتلفاز ليثبتوا أن كراهية الإسلام مسألة يشاركهم فيها المسلمون أنفسهم .
بعض هؤلاء في بلادنا العربية الإسلامية لا يخجلون من الإشارة إلى ما تفعله بعض الحكومات في العالم الإسلامي من تجريم الحجاب وتعدد الزوجات والطلاق، ويقيسون على ذلك ما تفعله فرنسا بمسلميها ومسلماتها. ونسوا أن هذه الحكومات المستبدة قد حرمت على شعوبها أصلا من أهم أصول الإسلام وهو الحرية المتمثلة في لا إله إلا الله محمد رسول الله فحولت المواطنين إلى عبيد لا إرادة لهم ولا قدرة على صنع مستقبلهم أو المشاركة في تقرير مصائرهم إن فرنسا أعطت شعبها الحرية والاختيار ولكنها حرمتهما على غيره فاستعمرت الشعوب الإسلامية وأذلتها وامتصت دماءها وفرنستها وصنعت حكومات الإسلامية تأتمر بأمرها فتستبد وتستعبد وتستأصل الإسلام.
هل نقيس - نحن المسلمين - ما تفعله فرنسا على ما تفعليه تلك الحكومات العميلة المنطق يقول كلام أيضًا، فإن وجود مشكلات داخلية في بلادنا لا يمنعنا أبدا من مناصرة الإسلام والمسلمين في كل مكان ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، أما أن يتطوع بعضنا بإعطاء رخصة أو فتوى أو تصريح يبيح لخصوم الإسلام أن ينكلوا بالمسلمين فهذا ما تأباه الكرامة والحرية والنخوة والمروءة جميعًا ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ ( الحجرات :١٠).
وذلك الشاعر الذي يعيش في فرنسا، وظهر على إحدى القنوات مساء ٢٠٠٤/١/٨م ليقول إن القرآن الكريم لم ترد فيه آية واحدة تنص على فرضية الحجاب وإنه على استعداد التأويل ما ورد في هذا السياق إنما يمثل نموذجا صارخًا من نماذج المثقف المتغرب الذي يسهم في حركة إثبات أن المسلمين يكرهون الإسلام أيضًا، وهذا النموذج الذي ترعاه السلطات المستبدة في العالم العربي وتدعوه إلى مناسباتها الثقافية. يعبر عما وصل إليه الاستلاب الذي تعيشه نخبة عربية ثقافية تنكرت لدينها وأوطانها، وحقوق الإنسان وعاشت لنفسها ومصالحها وخدمة المستعمرين .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل