العنوان خبراء الاقتصاد السياسي يحذرون من عواقب المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
مشاهدات 85
نشر في العدد 1122
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
· مؤتمر الدار البيضاء هدفه ربط الموارد والثروات في المنطقة العربية والإسلامية بعجلة الاقتصاد «الإسرائيلي» في ظل حماية أمريكية!
· وزير الحربية المصري السابق وأمين اللجنة الاقتصادية في الحزب الوطني الحاكم ومساعد وزير الخارجية المصري السابق وخبراء آخرون يحذرون من عواقب الهيمنة الصهيونية
من المقرر أن ينعقد يوم الأحد القادم 30/10 أحد أهم وأخطر المؤتمرات التي تستهدف مستقبل المنطقة والسيطرة الصهيونية والغربية على مقدراتها، المؤتمر ينعقد تحت عنوان «القمة الاقتصادية لشمال إفريقيا والشرق الأوسط»، في مدينة كازابلانكا في الدار البيضاء بالمغرب تحت رعاية الملك الحسن الثاني، ويتبناه مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بالاشتراك مع المنتدى الاقتصادي الدولي المعروف باسم «دافوس» ومقره جنيف، كما شارك في رعاية المؤتمر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والرئيس الروسي بوريس يلتسين، وقد استجاب للحضور والمشاركة في المؤتمر 52 دولة هي كل دول الشرق الأوسط بما فيها الدول العربية عدا سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا والجزائر، كما استجاب للدعوة أيضًا عدد من الدول الأوروبية والأمريكية والآسيوية والإفريقية.
اللجنة التحضيرية للمؤتمر عقدت جلساتها على مدى أسبوعين تقريبًا بدءًا من منتصف شهر سبتمبر الماضي، وشارك فيها حوالي ستين دولة، وحضرها دينيس روس المنسق الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط بالإضافة إلى يوسي ساريد وزير البيئة الصهيوني، وقد فرض تكتم شديد على أعمال اللجنة التحضيرية التي تجتمع هذه الأيام لصياغة المقترحات والتوصيات والقرارات التي ستعرض على المشاركين في المؤتمر الذي يستمر لمدة ثلاثة أيام.
أهم المقترحات المعروضة
أما أهم المقترحات والتوصيات المعروضة التي حصلت عليها «المجتمع» فتتمثل في:
- إنشاء صندوق لتمويل المشروعات برأسمال في حدود 30 مليار دولار تشارك فيه مؤسسات مالية عربية و«إسرائيلية».
- المؤتمر سيدعو إلى إقامة شركات واستثمارات مشتركة بين رجال الأعمال العرب والصهاينة لتطبيع التعامل الاقتصادي.
- بدء العمل في مشروعات مشتركة مثل مشروع سلام 2000 الذي يضم مجموعة «كور» الإسرائيلية ومجموعة «أونا» المغربية و«الغصين» الفلسطينية لتمويل مشروعات استثمارية في قطاع غزة ومناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، أيضًا مشروع القناة التي تربط بين البحر الأحمر والبحر الميت، وبين البحر الأبيض والبحر الميت.
- إقامة خطوط طيران جوية مشتركة بين «إسرائيل» وبعض الدول العربية والإسلامية.
- فتح مصارف وبنوك مشتركة وإحياء العمل بخطوط السكك الحديدية المباشرة وإنشاء طرق وشبكات للاتصالات والمواصلات المختلفة.
ومن المنتظر أن يكون التمثيل الأمريكي في المؤتمر على مستوى عالٍ لإظهار اهتمام أمريكا به، كما ينتظر أن يشارك الوفد الصهيوني برئاسة رابين وعضوية سبعة وزراء بالإضافة إلى رؤساء مجالس ما يقرب من 50 شركة اقتصادية كبرى في «إسرائيل»!
ولتوضيح خطورة وأبعاد هذا المؤتمر استطلعت «المجتمع» آراء عدد من خبراء الاقتصاد السياسي والمهتمين بهذا المؤتمر.
يقول السفير وفاء حجازي مساعد وزير الخارجية المصري السابق: هذا المؤتمر يُعد منعطفًا خطيرًا في عملية التطبيع التي تروج لها إسرائيل، مدعمة بالمساندة الأمريكية الكلية والدعم الكامل، حيث إنه ينقل عملية التطبيع من مرحلة التنظير إلى مرحلة العمل المؤسسي، ويتجاوز طور المناقشة والحوار والترويج إلى طور إقامة المؤسسات وتشييد الهياكل وتقسيم المراحل وتحديد المهام المنفذة لعملية التطبيع، وجعله حقيقة تقف على أرض الواقع أو بمعنى أدق: خلق أمر واقع جديد يصعب تبديله أو تحويله! ويضيف السفير وفاء حجازي قائلًا: «إن الهدف هو إحكام قبضة الهيمنة والسيطرة على العرب وطنًا وشعبًا»، بحيث لا يقتصر على التفوق العسكري والتسلط السياسي، وإنما تمتد لتربط الموارد والثروات العربية على نحو ثابت ومستمر بعجلة الاقتصاد الإسرائيلي، وتحت مظلة الاحتواء الاقتصادي.
ترسيخ الأمر الواقع
المؤتمر إذن -كما يؤكد وفاء حجازي- هو خطوة حاسمة نحو إعادة رسم خريطة المنطقة بما يكفل القفز فوق الحقوق العربية المغتصبة، وترسيخ الأمر الواقع ونسف المشروع العربي ومحو الهوية والتكيف مع المشروع الصهيوني الرامي إلى إقامة «إسرائيل الكبرى»، وبما يحقق إعادة ترتيب وتركيب الأوضاع في المنطقة على نحو يجعل «إسرائيل» هي الدولة المحور ويضمن لأمريكا كامل الهيمنة.
أما الدكتور محمود عبد الفضيل أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة فيؤكد على أن هناك ضرورة للتدقيق في كل ما هو مطروح علينا وكل ما هو مغلف بما يسمى بـ«المصلحة القومية»، لكي نعرف إلى أي حد يمكن أن يؤدي ذلك إلى خسائر في المستقبل، ويحذر الدكتور محمود عبد الفضيل من «ذهاب وفود أو جماعات خاصة إلى مؤتمر الدار البيضاء بدون أية رؤية أو تخطيط أو تنسيق»، لأنها يمكن أن تخضع لعملية توريط اقتصادي لأن إسرائيل تركز الآن على بناء ما يسمى «البنية التحتية للتعاون الاقتصادي»، في إطار مشروعات، وهذه المشروعات عبارة عن شبكة مترابطة تفضي إلى تغيير في ميزان القوى الإستراتيجية، وتخلق وقائع اقتصادية واستراتيجية لا تختلف عن سياسة المستوطنات، وهو هذه المرة يتم بشكل طوعي وهذه هي الخطورة..
وللأسف لا توجد بالمعنى المحايد للكلمة أية دراسة عربية أو قطرية لحسابات الفرص والمخاطر التي يحملها ما يسمى بالتعامل في ظل السلام، وهذا التعجل في الدخول في ترتيبات دون روية ودون حساب للمخاطر والفرص الحقيقية، كمن يركب قطارًا إلى محطة غير معلومة.
وفد غير رسمي
الدكتور سمير طوبار أمين اللجنة الاقتصادية في الحزب الوطني المصري الحاكم يؤكد على أهمية المشاركة في المؤتمر ولكن بوفد غير رسمي، حتى لا يضطر المسؤول السياسي لاتخاذ قرار أو الحكم على مشروع ما خلال المناقشات في المؤتمر، ولا نريد أن نجري وراء مصالح جهات، لأن الجهة الداعية للمؤتمر لها مصالح واتجاهات معروفة، والمشروعات التي سوف تطرح للبحث لها انعكاسات على المنطقة ولا ينبغي التورط فيها.
ولكن ما الحل الأمثل؟ هل الدعوة إلى مقاطعة المؤتمر أم المشاركة فيه مع الضوابط، أم أن المطلوب هو تحرك مضاد على الصعيد العربي والإسلامي لتقديم حلول نابعة من المنطقة؟
الدكتور جلال أمين أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة يرى أنه «بالرغم من قتامة الأمور المحيطة بالأمة فإن هناك مصدرين للأمل: الأول أن الوقت في صالحنا، ومن ثم علينا تأخير هذا التعاون وهذه الاتفاقات إلى أقصى حد ممكن... الوقت في صالحنا لأن المؤامرة تتكشف أكثر فأكثر كل يوم، والذين علقوا الآمال على اتفاق غزة - أريحا وأمثاله يدركون يومًا بعد يوم أن ما تعلقوا به من إنشاء دولة فلسطين وتحقيق أي مكاسب للفلسطينيين من وراء هذا الاتفاق هو سراب ومحض خيال... الوقت في صالحنا لأن أمريكا آخذة في التدهور السريع كاقتصاد وقوة عظمى، وهذا في رأيي هو سر تخبطها في السياسة الدولية وتصرفاتها المجنونة في الخليج والصومال وغيرهما... والعالم سوف يشهد بزوغ قوى اقتصادية جديدة في آسيا وأوروبا ومن الممكن أن تجد مصلحتها في الوقوف إلى جانب العرب ضد إسرائيل».
جيل جديد
أما المصدر الثاني للأمل -كما يراه الدكتور جلال أمين- فهو أن التحولات الاجتماعية التي شهدتها مصر والعالم العربي خلال ربع القرن الأخير، خلقت جيلًا جديدًا من شباب ليس لديه ما يخسره، وهو جيل متعلم واعٍ سوف يقف في وجه هذه التحديات، وعلى المثقفين أن يراهنوا على هذا الجيل وتقديم الدعم الكامل له.
أمين هويدي وزير الحربية الأسبق يتساءل: لماذا لا نقبل التحدي؟ ونعقد مؤتمرًا لصوت الشارع العربي! ونقول إنه موجود وله تطلعاته ومشروعه ولا يخضع لمجرد رد الفعل ولكنه قادر على الفعل؟ نحن لدينا اقتصاديون كثيرون يستطيعون المساهمة في إخراج مشروع بديل لمشروع بيريز الذي طرحه في كتابه «الشرق الأوسط الجديد»، ومضاد له.. ويؤكد أمين هويدي على ضرورة الدعوة لعقد مؤتمر اقتصادي عربي يكون له مشروعه الذي يناقش ويعرض على الجميع.. إن الكلام المرسل لا يواجه مشروعًا، إنما المشروع يواجه بمشروع مضاد وهذا هو التحدي.