; صاحب المفاجآت الأربع في الأشهر الأربعة: خاتمي قلب المعادلة وإيران كسبت أكبر معركة دعائية | مجلة المجتمع

العنوان صاحب المفاجآت الأربع في الأشهر الأربعة: خاتمي قلب المعادلة وإيران كسبت أكبر معركة دعائية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997

مشاهدات 66

نشر في العدد 1252

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 03-يونيو-1997

  • شاب إيراني: خاتمي هو آية الله جورباتشوف

طهران: المجتمع

أجمع الإيرانيون على أن الانتخابات الرئاسية التي أجريت الأسبوع الماضي كانت الأشد إثارة، ولم يختلف اثنان على أن المشاركة الشعبية الواسعة في الاقتراع شكلت حدثًا مميزًا في حد ذاته بعد ۱۸ سنة على الثورة و٩ سنوات على وفاة مؤسس الجمهورية آية الله الخميني، لكن الذي أذهل الجميع: 

الأنصار والمنافسين في الداخل والخارج، هو الفوز الساحق للرئيس الإيراني الجديد السيد محمد خاتمي، بما أنه ألحق هزيمة قاسية بمرشح تيار السلطة الحاكم، اليميني المحافظ والذي حصل على تأييد كبار رجال دين الحوزة العلمية في «قم» وغالبية أعضاء الحكومة الشيخ علي أكبر ناطق نوري، وحصد خاتمي ما يزيد على عشرين مليون صوت من بين ۲۹ مليون شخص شاركوا في الاقتراع، أي حوالي ٧٠٪ من الأصوات، بينما لم يحصل ناطق نوري سوى على 7 ملايين صوت أي ٢٤٪، في وقت كان أركان السلطة واليمين المحافظ يتحدثون منذ أكثر من سنتين عن فوز «حتمي» له، وخصوصًا أن خاتمي لم ينخرط في المعركة الانتخابية سوى قبل أشهر قليلة من موعد الانتخابات.

أحدث خاتمي المفاجأة الأولى عندما أعلن عن ترشحه للرئاسة، ومفاجأة ثانية عندما ظهر في الأسابيع والأيام الأخيرة للحملة الانتخابية منافسًا جديًا لناطق نوري، وثالثة عندما فاز في الانتخابات ورابعة عندما حقق فوزًا كاسحًا وبدا كأنه الرجل الأكثر شعبية في البلاد.

طبعًا، خاتمي ليس نكرة أو شخصية مجهولة في إيران، فقد كان أحد العناصر الدينية- السياسية التي شاركت في الثورة وكان هو شخصيًا الذي يكتب بيانات جمعية علماء الدين المجاهدين التي شكلت محورًا دينيًا مهمًا زمن قيام الثورة، وأشرف على وزارة الإرشاد والثقافة لمدة «11» عامًا، وكانت تلك المرحلة مهمة جدًا في تاريخه السياسي والشعبي، إذ استطاع أن ينهض بالعمل الثقافي والإعلامي وجنى رصيدًا كبيرًا لدى مختلف الفئات الثقافية والفكرية والعلمية والشعبية، وخصوصًا أنه تميز عن جميع المسؤولين في الحكومة بثقافته العالية وانفتاحه الشديد مع التمسك بمبادئ الثورة، ولما كان المحافظون قد نجحوا بعد وفاة الخميني في الهيمنة على السلطة التشريعية وتواجدوا في الحكومة بقوة، وفرضوا سيطرة على الإدارة والمؤسسات الدستورية، إضافة إلى هيمنتهم التاريخية على المؤسسة الدينية، فإن سياسات خاتمي الثقافية والإعلامية تعرضت لمعوقات شديدة، وأفلح المحافظون في إبعاده عن الواجهة، لكنهم فشلوا في محو رصيده الشعبي الكبير عند المثقفين والنساء والشباب، ولذلك فإنه بمجرد إعلانه خوض المنافسة الرئاسية قبل أربعة أشهر، فوجئ هو شخصيًا بحجم التأييد والالتفاف الشعبي، الذي ربما أربك خطط اليمين المحافظ في الإمساك بالحلقة الأخيرة من سلسلة سلطات الدولة.

والواقع أن أحدًا لم يكن يتوقع أن يترشح خاتمي، فهو عضو الشورى المركزية لـ«روحانیون مبارز» المحور الديني- السياسي لليسار الراديكالي، الذي همش عن الساحة وانكفأ عن النشاط السياسي طوال السنوات الخمس الأخيرة، وكان ناطق نوري يقدم على أنه مرشح النظام وليس فقط اليمين، وعندما طرح على خاتمي أن يترشح امتنع بشدة، وردد أكثر من مرة أنه يرفض أن يكون كبش فداء، وأن يشارك في المنافسة لمجرد المشاركة، وبالتالي يكون ديكورًا لمشهد من مسرحية معروفة بدايتها ونهايتها سلفًا، لكن أنصاره دفعوه بقوة إلى دخول المعركة وكانت حجتهم أنه قادر، بل لعله الوحيد القادر على أن يقلب المعادلة ويغير الموازين، وهكذا أعلن خاتمي ترشحه في شهر فبراير الماضي، ثم عرض برنامجًا انتخابيًا متماسكًا وواضحًا، وانطلق في حملة انتخابية بارعة للغاية، خاطب فيها الجماهير بصورة مباشرة متنقلًا بين مدينة وأخرى، وقرية وثانية، في حافلة جال بها البلاد طولًا وعرضًا، في وقت فرضت وسائل الإعلام الرسمية خصوصًا الإذاعة والتلفزيون تعتيمًا شديدًا عليه، في مقابل ظهور وحضور دائمين لناطق نوري، ومبرر ذلك بالنسبة للمشرفين على وسائل الإعلام أن الأخير هو رئيس البرلمان. 

وكانت الحملة الانتخابية الرسمية التي امتدت لاثني عشر يومًا قبل يوم الاقتراع الفرصة الذهبية لخاتمي ليطل بقوة ويؤكد تمايزه وتميزه عن بقية منافسيه المرشحين الأربعة، وبدا في المناظرات التلفزيونية مع منافسيه متفوقًا جدًا عليهم.

وخاطب الشباب والنساء والمستضعفين، ولم يجد أي حرج أمام الحملة التي قادها رجال الدين ضده في أن يدافع عن نحت مجتمع مدني يكفل حقوق المواطنة وسيادة القانون والحريات العامة والنشاط السياسي والتعددية الحزبية في إطار الدستور وفضاء النظام، وشدد على أنه سيمنح قضايا الشباب عناية خاصة، ودافع بقوة في حقوق المرأة وضرورة أن تتساوى عن الحقوق مع الرجل طبقًا لما حدده الشرع الإسلامي، وطالب بإصلاح القوانين التي تعارض ما كفلته الشريعة الإسلامية من حقوق وحريات.

وفي اللحظات الأخيرة للحملة الانتخابية، كان واضحًا أن خاتمي يتجه إلى تحقيق فوز، لكن الشائعات التي راجت والهواجس التي ملأت الشارع من أن عملية الاقتراع قد تتعرض إلى حملة تزوير واسعة أحبطت العزائم وأغضبت القاعدة العريضة من الشعب، وبات الناس يتحدثون عن انفجار إذا ما زيفت إرادتهم، وقبل يوم من الاقتراع تدخل مرشد الثورة خامنئي ليؤكد أنه سيشرف شخصيًا على مراقبة الانتخابات ولن يسمح بأي تلاعب بالأصوات، فأعاد هذا  التصريح الأمل إلى القلوب، وأقبل الإيرانيون بكثافة غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات الرئاسية منذ قيام الجمهورية، واقترع ما يزيد على ٢٩ مليون إيراني عشرون مليونًا منهم قالوا لا للخط المحافظ و«نعم» للتوجه الإصلاحي، الذي بدا وكأنه «ثورة جديدة»، أو نسميها عملية تجديد ناجحة وفاعلة للثورة.

ولا شك أن مظاهر عدة شهدتها الانتخابات الأخيرة تجعل الكثيرين يفخرون بهذه التجربة الشورية الديمقراطية في دولة تصفها الأوساط الغربية بأنها رجعية وظلامية واستبدادية وثيوقراطية، فلم يكد يعلن عن النتائج النهائية للانتخابات حتى بعث المرشحون الثلاثة المنافسون لخاتمي برقيات تهنئة، وكذا جميع المؤسسات والجمعيات المناهضة وعمت الشارع الإيراني فرحة عارمة، ولم يسجل في يوم الاقتراع ولو حادث أمني واحد، أو اعتراض أو احتجاج.

ما جرى في إيران أذهل الأوساط الأمريكية والأوروبية والغربية عمومًا، لكنه أحرج عددًا من الحكومات، خصوصًا تلك التي تقمع الحركات الإسلامية، وتمنع نشاطها السياسي القانوني بحجة أنها معادية للديمقراطية وتسعى إلى تأسيس دولة دينية ثيوقراطية على النمط الإيراني!!

ولجأت بعض وسائل الإعلام الرسمية في عدد من العواصم إلى التعتيم على خبر فوز خاتمي بعد أن كانت تتحدث طوال أسابيع عن «مسرحية» الانتخابات الرئاسية وعن «حتمية» التزوير..

دول الخليج تترقب

قالت مصادر رسمية خليجية وغربية إن غالبية دول الخليج تشعر بالسعادة لانتخاب إيران رئيسًا معتدلًا، غير أن المتشددين يخشون ألا يحدث الرئيس الجديد تغييرات كبيرة في سياسات طهران.

وصرح مصدر: «مشكلتنا مع إيران هي الثقة» وأضاف: «لا نتوقع هرولة في اتجاه خاتمي، أعتقد أن غالبية الدول الخليجية ستتبنى سياسة الترقب والانتظار لمعرفة سياساته وراعت دول الخليج العربية الأعراف الديبلوماسية وأرسلت بطاقات تهنئة لمحمد خاتمي». 

ويرى البعض أن الرئيس رفسنجاني حظي بإشادة لدى توليه السلطة باعتباره سياسيًا عمليًا لكن بعد استمراره في السلطة لفترتي ولاية متتاليتين ما زالت العلاقات مع إيران موصومة بالتشكك، وأخفق رفسنجاني في احتواء المتطرفين.

في المرتبة الثالثة

يعد رئيس الجمهورية في إيران هو الشخص رقم 3 في تسلسل السلطة حيث يسبقه في المرتبة الأولى مرشد الثورة أو ولي الفقيه، يليه رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو منصب استحدث مؤخرًا، ويشغل المنصب الأول علي خامنئي الذي كان رئيسًا للجمهورية، كما يشغل المنصب الثاني هاشمي رفسنجاني رئيس الجمهورية الحالي الذي تنتهي مدته في أغسطس القادم بعد أن بقي في منصبه الدورتين مدتهما ٨ سنوات.

كيف صعد نجم خاتمي؟

ارتفعت شعبية خاتمي من ١٣،٩٪ إلي ٢.٢٪، ثم إلى ٥٢٪ عشية الانتخابات وفاز بنسبة ٦٩.٧٪ وقد دفع ذلك بعض المحللين الغربيين إلى القول إن نجاح خاتمي كان مفاجأة، وأن الذين سمحوا بترشيحه كأن يحسبون أن فرصته في النجاح ضئيلة أو شبه معدومة..

محاور السياسة الخارجية لإيران

تبدو السياسة الخارجية لإيران أكثر ما يهتم به المتابع الخارجي، وبين أمل البعض في أن يحدث تغيير جوهري في هذه السياسة، ورغبة البعض في استمرار النهج المعادي للولايات المتحدة وإسرائيل جاءت التصريحات الأولى لمحمد خاتمي على النحو التالي:

  • الاستقلال التام: أكد خاتمي على استقلال السياسة الخارجية لإيران، وقال: إن إيران لم تحصل عليه «الاستقلال» بسهولة حتى تفرط به بسهولة. 
  • العلاقة بالعرب: قال إن هناك قواسم مشتركة كثيرة بين إيران والعرب تجعل من الضروري ومن الممكن تعزيز التعاون والحوار المفتوح، وأضاف: «إننا وإياهم نرى ضرورة التركيز على التنمية والإعمار، ولما كانت التنمية بحاجة إلى الأمن الإقليمي والدولي، فإننا نملك فرصًا كثيرة ومصلحة مشتركة لتكريس هذا الأمن المشترك والذي بدوره سيعزز علاقاتنا الثنائية والمتعددة مع دول الجوار الجغرافي الإسلامية والعربية».
  •  التسوية مع العدو الصهيوني، قال: «إن التسوية الراهنة ظالمة وغير واقعية ولن تؤدي إلى نتيجة، ونحن لا يمكن لنا أن نعترف بهذا الكيان الإسرائيلي الذي فرض نفسه بالغصب على المسلمين واليهود والمسيحيين، كما أننا لن نقبل بالتسوية الراهنة، صحيح أننا لن نتدخل لنعترض مسارها لكن من حقنا أن نقول رأينا فيها». 
  • ورفض خاتمي أي شروط توضع لإعادة علاقات إيران مع مصر «في إشارة إلى قول الرئيس المصري: إن على إيران أن توقف دعم الجماعات الراعية للعنف»، ولكنه شدد على أن مصر دولة كبرى تجد كل الاحترام من إيران، وأنه يعتقد بإمكانية التعاون المشترك في إطار جبهة واحدة ضد إسرائيل. 
  • العلاقة مع أمريكا: قال: إن مفتاح الأزمة بيد واشنطن التي اعتادت على معاداة الثورة، وما لم يحصل تغيير في هذه السياسة فإن الكرة في الملعب الأمريكي.
الرابط المختصر :