العنوان حين يمارس «المتقدم» العنف ضد «المتخلف»
الكاتب نصر الدين بن غنيسة
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
مشاهدات 3
نشر في العدد 1268
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
قضايا
اعتاد
المواطن العادي أن يفسر العنف، بشكل بسيط
ومختزل بما يراه من مشاهد فظيعة لدماء
سفكت، أو أجساد شوهت، أو أرواح أزهقت،وهكذا
ارتبطت في لاعي ذلك المواطن صورة العنف
بمشهد الدم، فلن يقشعر جلده، وأن تقتزز
نفسه إلا حين يرى شاشة تلفزيونية، وقد
لطخت ببقع من الدم الأحمر القاني، عدا
هذا المشهد، فكل الذي يليه من تعليقات
وإحصائيات تتحدث عن البورصة.... وعن تعطل
مشاريع التنمية... وازدياد الواردات من
المواد الغذائية... عن جدولة الديون....
وعدد القاطنين في القبور وهم أحياء.... وعن
قيمة العرض الذي رفضه لاعب دولي، لأن ذلك
لا يعادل مؤهلاته الرياضية.... وعن غيرها
من الأرقام التي لن تكون سوى معلومات
يضيفها المشاهد إلى موسوعته الثقافية
دون أن يستشعر ما تحمله من مأس تطوي بين
أعطافها الآفاً من الضحايا غادروا هذا
العالم في صمت مطبق، هذا هو العنف الذي
سنوليه بعض اهتمامنا اليوم، لأن العنف
بمفهومه «العسكري» وإن ظل متواجداً على
الساحة الدولية، لن يكون أكثر حدة من عنف
السوق وسلطة الدولار.
إلا
أن ذلك لن يمنعنا من الحديث مقدماً، عن
هذا العنف الذي يمس بالتحديد العالم
الثالث، ونخص بالذكر هنا ما يسمى بحرب
الوكالة والتي أخذت شكلين مميزين على أرض
الواقع، أحدهما يتعلق بالحرب الإقليمية
التي كثيراً ما تدعمها جهات خارجية،
إعلامياً وعسكرياً وسياسياً، في حين
يتعلق الشكل الثاني بما نراه من دخول كثير
من الحكومات في عملية مواجهة مسلحة مع
المعارضة السياسية مما يجعلها على حافة
الانفجار، كل ذلك يحدث طبعاً، ودول العالم
الأول لا تقف موقف المتفرج بل لا تنهي تدس
أنفها في كل صغيرة وكبيرة، وكثيراً ما
تفتعل مثل هذه المواجهات لتحطيم آلية
عسكرية تهدد مصالحها الحيوية في هذا البلد
أو ذاك، أو تقوم بتحريض الحكومات ضد
شعوبها، وإمدادها بوسائل القمع والإرهاب،
للحفاظ على مصالحها التي قد تزول بصعود
المعارضة السياسية إلى سدة الحكم، كل هذا
يحدث وسوق السلاح لا تعرف سكوناً.
ثم
يأتي بعد ذلك من يحدثنا عن أن العالم في
طريق الدخول إلى مرحلة سلمية، وكأن الغرب
نسي أو تناسى أنه وجد في السنوات الأخيرة
أكثر من 20 نـزاعاً مسلحاً في دول العالم
الثالث تجرى كلها، كما لو أن الأمر محض
صدفة، وقد أدت إلى مقتل أكثر من 22 مليون
شخص في سنة 1987م وحدها!
إنها
خسائر تفوق خسائر الحلفاء الغربيين خلال
الحرب العالمية الثانية، ولا تتعجب إذا
لم يلتفت الغرب إلى مثل هذه المقارنة،
ذلك لأن الأمر لا يهمه إلا من بعيد طالما
أن أممه لا تطالها ويلات هذه الحرب، وبعدها
فليأت الطوفان، ومأساة البوسنة خير
شاهد.
ومع
ذلك فإن العنف في مفهومه العسكري قد تقلصت
مساحته في كثير من بلاد العالم، وخاصة
بعد وعي العالم الأول بطبيعة الحرب
العالمية الثانية وعمق الجروح التي
تركتها، الأمر الذي اضطره إلى تأسيس ما
يسمى بهيئة الأمم المتحدة عام 1945م وما
صاحبها من موجة استقلال البلدان المستعمرة
وارتفاع صيحات الدفاع عن حقوق الإنسان،
لكن ذلك ما كان ليؤدي إلا لتغيير مظاهر
العنف مع الإبقاء على جوهره القائم على
استغلال الشعوب المستضعفة لخدمة المصلحة
الأحادية، فكان أن كف أرباب العالم الأول
أذاهم العسكري ومنحوا كثيراً من دول
العالم الثالث «الاستقلال» على أن يظل
هذا الاستقلال مرهوناً بمدى خضوع النظام
القائم لسياساتهم، وكانت بداية رحلة
جديدة شعارها «خرجوا من الباب ليعودوا
من النافذة» ولنبدأ بهذا الاستقلال الذي
قدمت من أجله الشعوب دماء أبنائها، إنه
السيادة التي كانت حلماً أثناء الثورة،
فتحولت غداة الاستقلال إلى وهم، أضحت
بعدها كابوساً تلاحق لعناته أجيال ما بعد
الثورةحدث كل هذا بعد أن تدلخت قوى العالم
الأول عبر أذنابها، فحولت واقع السيادة
إلى مفاهيم شكلية، بحيث فقدت الدول
المستضعفة حريتها في وضع خطط اقتصادية
وطنية، والعرض والطلب والأسعار والقوة
الشرائية والكساد والنمو.. إلخ من مؤشرات
اقتصادية أصبحت تقتحم السوق الداخلية
وتجبر الدولة على تكييف بنياتها الداخلية
بطريقة قسرية، والاستعمار الذي دخل البلاد
عنوة بقوة السلاح، هاهو اليوم يعود عنوة
ولكن بقوة الدولار، ولا فرق بين عنف السلاح
وعنف الدولار إلا أن الأول يهرق دماء
ضحاياه، أما الثاني فيمتص دماءهم، العنف
اليوم لا تجسده الصواريخ النووية، لأنها
إذا استعملت كانت هلاكاً للعالم أجمع،
وإذا فهي صور للعنف جامدة شلولة
الحركة.
العنف
الآن هو عنف ذلك الدولار الذي يأخذ بتلابيب
الدول الضعيفة ويمسكها من رجليها ويقلبها
رأساً على عقب، ثم يهزها هزاً حتى تساقط
عليه مواد أولية وبدأ عاملاً رخيصة، فما
قولكم في أن الديون الخارجية للدول
المستضعفة ازدادت خلال السنوات العشر
الأخيرة بنسبة 119٪، بحيث أصبح الدين لا
يبلغ معشار ما تراكم عليها من فوائد، وكيف
بدولة فقيرة تريد الحفاظ على استقلالها
وهي أعجز عن تسديد الفوائد، فما بالك
بالدين؟ ومن أجل توريث مثل هذه الحقائق،
اختلق علماء الاقتصاد مصطلح «الدول
السائرة في طريق النمو»، وهو تعبير منافق
استعاضوا به عن الحقيقة الجارية المتمثلة
في «الدول المتخلفة» حتى يموءوا طابعها
الجدلي، إذ لا توجد دول متقدمة على حساب
دول أصابها التخلف بفعل سياسات النهب
والاستغلال البشع وتحويل الثروات من
القارات الثلاث إلى كل من أوروبا وأمريكا
الشمالية.
التخلف
والتقدم طرفا معادلة قائمة على استغلال
أمة لأخرى، ويأتي صندوق النقد الدولي
اليوم ليؤكد هذه الحقيقة العنيفة، فيتولى
إتمام عملية الإبادة الاقتصادية للدول
المتخلفة وذلك وإغراقها في ديون جديدة
بدعوى مساعدتها لتسديد بعض الفوائد
الربوية وبدفعها «للسير في طريق النمو»،
دون أن يتيح لها استثمار مثل هذه المبالغ
في مشاريع وطنية لإنعاش الاقتصاد، وهكذا
تظل الديون تتراكم والمساعدات تتوالى
لتتحول هي بدورها إلى ديون جديدة، فتظل
هذه الدول، وباستمرار في حاجة إلى القرض
والاستدانة، مما يجعلها أكثر قابلية
للخضوع لسياسات الضغط الغربي القائم على
المصلحة الأحادية.
تبدأ
رحلة الضغط هذه بأن تضطر دولة من هذه الدول
إلى اتباع سياسة تقشفية تطال مجالات حيوية
كالمواد الغذائية والخدمات الاجتماعية
والصحية والتعليمية مع رفع لدعم الأسعار،
الأمر الذي يسهل اعتماد ميزانية معتبرة
للأمن الداخلي في سبيل المحافظة على «هيبة
الدولة»، أو بالأحرى على مصالح الفئات
التحكمية في مصير شعوبها.
وخوفاً
من حالة الانفجار التي قد تتولد عن حالة
الانحياز الاقتصادي والسياسي، لا تتورع
الدول الكبرى عن تزويد أنظمة الدول
«المتخلفة» بأجهزة القمع، من أسلحة مختلفة
إلى تجهيزات خاصة بالسجون وأجهزة المراقبة،
يضاف إلى ذلك ما يسمى بتبادل المعلومات
والخبرات بهدف التعاون السياسي لمواجهة
«الخطر الأصولي»، والمفارقة العجيبة هو
أن تكاليف كل هذا التعاون تضاف مباشرة
إلى قائمة الديون التي يقع عبء تسديدها
على أجيال لم تر النور بعد، هكذا يمارس
«المتقدم» عنفه ضد «المتخلف» بشكل لا
يلفت انتباه إلا من هو على بصيرة بما يدور
حوله من مفارقات أبرزها التنديد بالعنف
أمام الملأ وممارسته من وراء الكواليس،
هكذا نجد أن العنف لا يعرف شكلاً مستقراً،
فهو يملك جوهراً يتطاهر بحسب الظرف: فهو
تارة قيمة مباحة قابلة لأن تُعتمد كأداة
للتعامل الدولي تحت أي شعار كان وعلي جميع
الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية،
وهو طوراً قيمة محرمة يجب استئصالها ولو
أدى ذلك إلى استعمال العنف ذاته.
وتبقى
المصلحة ذات الاتجاه الواحد هي الأرضية
التي ينتظم على أساسها مبدأ «توازن القوى
والذي يحدد بدوره، نوعية العلاقات التي
تربط الشمال بالجنوب و«التقدم» بـ«التخلف»،
والتي لن تكون سوى علاقات عنف، ما لم يتخل
الشمال عن نظرته المركزية التي تجعل من
الإنسان الغربي المنبع الأساسي للقيمة
ومحور العالم وسيد المبادرة التاريخية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل