العنوان حين تنطلق الأمة من .. وعيها التاريخي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1973
مشاهدات 1
نشر في العدد 175
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 13-نوفمبر-1973
حين تنطلق الأمة من .. وعيها التاريخي
لم
يكن المسلمون الأتراك سذجًا أو مشعوذين وهم يتدافعون لتأييد البرنامج الانتخابي
الذي دخل به معترك الانتخابات السيد «عدنان مندريس» .. والذي كان من أبرز نقاطه
إعادة «آيا صوفيا» مسجدًا إسلاميًا يرمز لتلك القرون التي اسدى فيها العثمانيون
للمسلمين والإسلام أيادي لا يمكن أن ينكرها التاريخ أو يجحدها المؤرخون المحايدون
!
***
ولم
يكن المسلمون الذين اهتزت مشاعرهم في العالم كله لعودة مسجد - من آلاف المساجد - إلى
أيديهم .. وهو مسجد قرطبة، لم يكن هؤلاء المسلمون سذجًا، ولم تكن مشاعرهم خادعة أو
كاذبة، حين انتابها ما انتابها من نشوة وحين راح «معنى التاريخ» يداعب أحلامها
المكبوتة منذ آلاف السنين ! .
***
والمسلمون
الذين يتمسكون - بالقدس - ويعتبرون التفريط في إسلامية القدس أمرًا لا يقل خطورة
عن التفريط في«مكة» و «المدينة»، فضلًا عن أية بقعة عربية أخرى إنما ينطلقون كذلك
من «وعي بالحقيقة» و «وعي بالتاريخ» وهم ليسوا ابدًا سذجًا، وليسوا ابدًا مشعوذين.
***
والمنظمة
الصهيونية في فلسطين المحتلة - بدورها وفي المقابل - تحرص على تغيير «الهوية»
التاريخية، لمقدساتنا، ولحضارتنا
..
•
فهي دائبة على تغيير طبيعة المناطق الأثرية في فلسطين ..
•
وهي دائبة على اختلاق حقوق تاريخية لها في فلسطين ..
•
وهي دائبة على تغيير كتب التاريخ المدرسية المقررة على الطلاب العرب، وغيرهم، بما
يؤكد مزاعمها التاريخية ..
•
وهي دائبة الحديث عن آثار اليهود في فلسطين، ودائبة العمل على تضخيم هذه الآثار
أمام الرأي العام اليهودي والأجنبي .. أن هذه المنظمة الصهيونية كذلك ليست حمقاء،
وليست ساذجة، وليست بهذا العمل، في عداد الرجعيين أو المشعوذين ...
***
وفي
تلك الغزوات التي يعمد أصحابها إلى إضفاء صبغة حضارية عليها يتجهون أول ما يتجهون
إلى التاريخ .. يذهبون إليه يدمرونه، ويحاولون طمس معالمه، ليس لأنهم دجالون
متخلفون، بل لأنهم يعرفون أن التاريخ هو أبرز معانى الوجود .. لأنه الحقيقة
الموجودة في الذهنية التاريخية، ولأنه المعنى الكبير الذي يشد الناس، ولأنه
«الوجود» السابق، الذي يرشح لأهلية «الوجود» الحاضر، و«الوجود» المستقبل ..
•
ففي الجزائر حاولت فرنسا طمس التاريخ الإسلامي وركزت على التاريخ السابق له،
والتاريخ الذي بدأ بوجودها سنة ۱۸۳۰ م .. أي التاريخ الجزائري الحديث.
•
وفي العالم العربي كله حاول المستعمرون التركيز على تاريخ انقطع وجوده، لضرب
التاريخ الإسلامي المتصل الوجود، ولخلق تواريخ مختلفة لأمة جمعها تاريخ واحد هو
تاريخ الإسلام ..
•
في فيتنام كانت طائرات أمیرکا مأمورة بالتركيز على الأماكن الأثرية ..
لماذا
كل ذلك ؟
إن
ذلك كله يرجع إلى الوعي بالتاريخ .. وبحقيقته كمنطلق أساسي، وكمرشح للاستمرار
والعطاء.
***
لقد
كانت الحملة الفرنسية مؤشرًا فاصلًا من جملة المؤشرات التي ظهرت على امتداد
تاريخنا ..
وكان
أبرز ما تركته هذه الغزوة ثلاثة آثار لم يلتفت إليها جمهرة المؤرخين.
الأول
: إن هذه الغزوة قد وضعتنا على باب الخطر الذي بدأت تمثله حضارة أوروبا.
الثاني
: أن هذه الغزوة قد ضللت مسيرتنا طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين، فجعلتنا نلجأ
إلى الاستيراد بدل «البناء الذاتي»، وجعلتنا نعمد إلى «الشراء» بدل «الصنع» ونركن إلى
سهولة «الأخذ» بدل محاولة «العطاء» الثالث : أن الشعبين المصري و«السوري» قد نجحا
خلال هذه الغزوة في مقاومة المحتل مقاومة شعبية وذاتية .. جعلت إقامته بين
المصريين شبه مستحيلة.
فأما
«سليمان الحلبي» - السوري فقد كان له فضل اغتيال القائد الفرنسي الكبير «کلیبر» ..
وأما المصريون، ويساعدهم أخوانهم العرب الموجودون معهم، فقد كان لهم فضل مقاولة
الاحتلال في ثورتي القاهرة الأولى والثانية، وفضل الاعتماد على الذات واستلهام
التاريخ، ومحاولة اجتياز الفجوة الحضارية التي اكتشفوها عندما وجدوا نابليون
أمامهم .. وحقيقة .. لقد حاول المصريون في ذلك الوقت، أيام كانوا يشعرون - ولو
مجرد شعور - بأنهم متحضرون، وبأنهم ليسوا عالة على الحضارة ... وحاولوا الضرب بعنف
على باب الثورة الصناعية، وذلك بغية مقاومة الاحتلال بنفس أدواته .. «فقد صنعوا
معملًا للبارود «في بيت قائد آغا بالخرنفش» وأنشأوا معملًا لإصلاح الأسلحة
والمدافع، ومعملاً آخر لصنع القنابل وصب المدافع جمعوا له الحديد، والآلات،
والموازين، واخذوا يجمعون القنابل التي تتساقط من المدافع الفرنسية في الشوارع،
ويستعملونها قذائف جديدة للضرب».
«وأحضروا
ما يحتاجون إليه من الأخشاب وفروع الأشجار والحديد، وجمعوا إلى ذلك الحدادين
والنجارين والسباكين وأرباب الصنائع» وقال في ذلك مسيو «مارتان» - أحد مهندسى
الحملة الفرنسية، وأحد المؤرخين لها .. قال : «لقد قام سكان القاهرة بما لم يستطع
أحد أن يقوم به من قبل، فقد صنعوا البارود، وصنعوا القنابل من حديد المساجد وأدوات
الصناع، وفعلوا ما يصعب تصديقه - وما راء كمن سمع - ذلك أنهم صنعوا المدافع» وهكذا
كدنا من خلال أخر ومضات الشعور بالوجود ومن خلال لذة مقاومة المحتل وليس الإنبهار
بأدواته كدنا من خلال هذا وذاك ندخل باب الثورة الصناعية، ونسير في الطريق الوحيد
الصحيح، وهو طريق «الصنع» لا الاستيراد، و «العطاء» لا الأخذ .. والاعتماد على التراث،
لا الارتباط بأعدائنا وأعداء حضارتنا في الشرق وفي الغرب.
***
أنه
من عجيب المصادفات أن يزور مصر قبل الحملة الفرنسية بخمسة عشر عامًا الفيلسوف
الرحالة الفرنسي «فولتی»، «۱۷۸۳ م» ولقد اوحت إليه هذه الزيارة بكتابة كتابه
المعروف باسم «الأطلال» .. فقد كانت الحضارة العربية، والمصرية، قد فقدت
اشعاعاتها، وكانت في حاجة إلى «صلاح دين» جديد و «كبريت» جديد، ونظرة جديدة إلى التاريخ ..
وقد
كادت الحملة الفرنسية تلعب دور التحدي الذي يشعل القوى الحضارية الكامنة ... لولا
.. أن انحرفت المسيرة إلى درك الاستيراد والتسول والسهولة والاعتماد على الأخذ
والرضا بالتبعية ! .
لقد
وقف «نابليون بونابرت» يستثير نخوة جنده قبل نشوب الحرب في معركة «إمبابة»
المشهورة، ويذكر هؤلاء الجنود بأن أربعين قرنًا من التاريخ تنظر إليهم من فوق
الأهرام . لكن هذا الاستعماري الفرنسي جاهد جهادًا كبيرًا في سبيل تدمير تاريخ
الذين يحاربهم، وفي سبيل تدمير «ازهرهم» و «دينهم» ومجتمعهم ..
وإذا
كانت الصفوة المختارة من الأمة في ذلك الوقت قد وعت درس التاريخ واستلهمت قيمها
وتراثها .. وقاومت الاحتلال، وكادت من خلال مقاومته تصل إلى «الحل الحضاري الوحيد»
- وهو التصنيع والاعتماد على الذات إذا كان هذا، وإذا كانت هذه الصفوة قد امتد
تأثيرها إلى «حملة فريزر» سنة ١٨٠٧ م - فأن الذين جاءوا بعد ذلك، قد ضلوا الطريق
.. ووقعوا في شرك الاعتماد على الغير، والاستيراد .. بدءًا من «محمد علي» و
«وتوفيق» وإسماعيل وهلم جرا ..
والأمر
نفسه، وعلى نفس الدرب تقريبًا - في سائر البلدان العربية والإسلامية.
لقد
أنتصر الطريق السهل الجميل القاتل !
•
حين تنطلق الأمة من تاريخها .. تستنفر قواها الذاتية، ومعدنها الأصيل.
•
وحين تعي الأمة ذاتها تبرز قوى الحياة الكامنة فيها .. فأما كانت في مستوى الحياة
وأما استحقت الإنزواء والذوبان.
•
وحين تنطلق الأمة من ذاتها تعي هذه الذات، وتعي تاريخها وتراثها، وتعطي أفضل ما
عندها، ولم يثبت التاريخ أن أمة- مهما يكن وضعها .. صممت على الحياة .. وماتت، ولم
يثبت هذا التاريخ أن أمة جعلت حياتها في يد غيرها .. وعاشت !!
•
ودائمًا .. عندما تنطلق الأمة من ذاتها تكون في الطريق الصواب، ومهما أخطأت أو
تنکبت فهي واصلة يومًا.
لأنها
ـ قبل كل شيء وبعده . تسير في الطريق الصحيح .. والوحيد.
أبو سمية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل