; حين انفصل الحكم عن ضمير الأمّة.. فقد دوره التاريخي! | مجلة المجتمع

العنوان حين انفصل الحكم عن ضمير الأمّة.. فقد دوره التاريخي!

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1972

مشاهدات 194

نشر في العدد 107

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 04-يوليو-1972

قراءة جديدة للتاريخ

الصفحات الأخيرة من حضارتنا

بقلم: الأستاذ عبد الحليم عويس

حين انفصل الحكم عن ضمير الأمّة.. فقد دوره التاريخي!

كان معاوية رضي الله عنه -بلا ريب- أحد دهاة العرب القلائل، وكان رجل دولة وخبير سياسة بمعنى الكلمة. بيد أنه كانت هناك حقيقة حضارية ينبغي إدراكها وهي: أن الحضارة حين ينفصل جسدها عن دماغها لا يمكن أن تكون قابلة للبقاء. حين يحدث انشقاق بين روح الأمة وجهاز عملها المادي، تحدث الآلية القاتلة وتسير القافلة بلا روح.. تمامًا كما يسير الذي قطع رأسه من جسده.. إنه لا بد أن يسقط بعد خطوات!

ومنذ قامت الدولة الأموية، واعتمد فيها نظام وراثة الخلافة منذ هذا الحدث، وثمة انفصال بين جسد الأمة وروحها ذاقت منه الأمة الإسلامية مر الأهوال.. وكان أحد الأسباب، بل أهم الأسباب في سقوط الدولة الأموية.

لقد تشكلت طبقة تعطي نفسها امتيازًا جنسيًا غريب الشكل.. فهي لمجرد أنها من البيت الأموي، حتى ولو افتقدت كل صلاحيات الوجود والحكم بعد ذلك، لا بد أن تقف في الصف الأول.. وأن تقود وتحكم!

وهذه الظاهرة تلد أمراضًا حضارية خبيثة كلها شؤم وبلاء. فإن هذه الطبقة سرعان ما يحاول كل واحد منها الحصول على حق.. أكثر شرعيته جنسية، لكي يصل إلى الحكم، وبالتالي يلجأ إلى الدس والخديعة والقتل والاغتيال، ويسود الطبقة الحاكمة جو من الصراع الداخلي يمنعها عن أن تؤدي للأمة أي شيء، ويكون كل هم الحاكمين أن يحافظوا على الموقع الذي يقفون فيه.. هكذا كان الأمر بين الأمويين لا سيما في الأيام الأخيرة من عمرهم. أيام الوليد بن يزيد، ويزيد، ومروان بن محمد.

ومن الأمراض الخطيرة التي تلدها ظاهرة الانفصام المشؤومة «انفصام الحاكمين عن جسم الأمة»، من أمراضها الخطيرة استعانة هؤلاء الحاكمين بطبقة تتولى هي -في الحقيقة- الأمر، وتستبد بالأمة، وحين تستغيث الأمة لا تجد من يغيثها، إذ يكون الحكام في واد آخر بعيد عنها. بل إن هؤلاء الحكام يعتقدون أنهم بوجودهم في مراكز السلطة مدينون لهؤلاء العمال أو الولاة الغاشمين الظالمين. وقد زخرت صفحات التاريخ بعديد من هؤلاء الجبابرة الذين أساءوا إلى المسلمين والإسلام إساءات بالغة، كالحجاج بن يوسف الثقفي. ولقد أساءت هذه الطبقة المصطنعة العازلة إلى تاريخ الأمويين نفسه إيما إساءة، وزينت للخلفاء الأمويين كل جور، وعملت في المسلمين عمل كسرى وقيصر في شعبيهما. وكانت -يعلم الله- بلاء على المسلمين أي بلاء!

 وبتأثير الطغيان الذي ساس به الولاة المسلمين، انصرف الناس إلى أمورهم، تاركين أمور الدولة في يد الفئة الحاكمة، بل انصرفوا إلى الاندماج في كل حركات الخروج على الدولة، وقد تمخض كل ذلك عن ميلاد تنظيم من أدق التنظيمات في تاريخ الانقلابات السياسية في التاريخ، وهو التنظيم العباسي الذي رفع الراية العلوية «الرضا من آل البيت» أيام سريته، إلى أن وصل إلى الحكم. ولم يك هذا التنظيم لينجح ويجد المناخ والعناصر الصالحة إلا نتيجة سياسة الولاة الغريبة.

وتبقى عبرة التاريخ الأخيرة في سقوط الدولة الأموية: فإن نصر بن سيار «والي خراسان» كان على عهد «مروان بن محمد» آخر خلفاء الأمويين. وكان نصر هذا.. كما كان مروان.. كان كلاهما من خيرة من أنجبت الدولة الأموية. هذا في الولاة، وذاك في الخلفاء.. لكنهما ظهرا بعد أن اتسعت خروق الدولة على أي راقع، وكان رصيد الدولة من الفساد والتحلل والظلم والضعف، قد أصبح أكبر وأضخم من طاقة أي إنسان.

لقد كانت حركة التاريخ التي هي من سنة الله.. قد قالت في الدولة الأموية كلمتها.. وقد حاول نصر أن يستعمل كل ذكائه في إنقاذ الدولة، وكان يستشف ببصيرته الوقادة أن ثمة أمورًا تبيت للدولة، وأن دولة الأمويين على وشك الرحيل.. وكم كاتب الخليفة - الأموي الأخير «مروان» في ذلك.. لكن دون جدوى.. لقد اتسع الخرق ووجب أن ينهار البناء.

وكان مروان.. مشغولًا بسداد شيكات سابقيه من الديون.. في بنك الفساد والتحلل والضياع.. فلم يتمكن أن يستجيب لا لنصر، ولا لضميره الذي كان يحس بقرب الكارثة.. هكذا تفعل الدول بنفسها.. نتيجة ظلمها.. وتراكم هذا الظلم.

وعندما سقطت الدولة الأموية سنة ۱۳۲ هـ، ولقي مروان المسكين مصرعه في حلوان بمصر.. كان كتاب التاريخ يطوي إحدى صفحاته.. يطويها بعنف، لأن أبطالها أرادوا لأنفسهم هذا.. حين راحوا ينفصلون عن ضمير الأمة ووجدانها، ويعزلون أنفسهم عن شعوبهم- بطبقة من العمال الظالمين الغاشمين.

                                                                               عبد الحليم عويس

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

125

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 62

123

الثلاثاء 01-يونيو-1971

الإسلام و.. الثروة

نشر في العدد 77

117

الثلاثاء 14-سبتمبر-1971

الحقّ الذي عاد..