; حيرة الخطاب الثقافي الإسلامي بين الأصالة والعصرنة | مجلة المجتمع

العنوان حيرة الخطاب الثقافي الإسلامي بين الأصالة والعصرنة

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1998

مشاهدات 62

نشر في العدد 1325

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 10-نوفمبر-1998

محددات الهوية الثقافية والانتماء إليها باتت تعني بجلاء مكونات الذات ومنهج الحياة، وسمات الشخصية، وحضورها في معترك الحاضر، واستشرافات المستقبل، ولذلك يأتي التركيز عليها منطلقًا من ضرورة إثبات الوجود في عالم يختزن من التحديات ما يحرك فينا كل عناصر التحفز والاستفزاز الإيجابي المطلوب لمواجهة الأحداث وتداعياتها المتوثبة، لفرض الأمر الواقع أو رفضه، باعتبارها أسلحة دفاع مشروع في معركة الحضارة، وصراع الأفكار المحتدم بضراوة آنيا، والمرشح مستقبلًا لحرب حضارية كونية، بدأت فيها صواريخ الثقافة عابرة القارات تنهال علينا بكثافة وتنفجر في معاقلنا لتتشظى مالئة الأجواء بدخان العتمة وبارود التحدي، وشظايا السجال عبر الفضائيات، وشبكات الإنترنت ونحن حينما نتحدث عن الأصالة والتحديث لابد لنا بادئ ذي بدء من أن نثبت الحقيقة التالية أن حلال محمد ﷺ حلال وحرامه حرام إلى يوم القيامة، وأن نصوص الكتاب العزيز وما صح من السنة المطهرة ثوابت تستعصي على الاجتهاد الذي لا يتموضع في غير مناطق الفراغ، إذ لا اجتهاد في موضع النص، وإذا ما تحددت مساحة الأصالة بعلامات الخطر، ورسمت بخطوط حمراء بارزة عندها يكون الحديث عن التحديث خارج حريم هذه الدائرة، ولكنه ليس بعيدًا عنها، لأنه يعنى بفهم النص واستنطاقه، وتلقي إيحاءاته أولًا، ويشتغل بإدراك الواقع واستشكاف ما فيه ثانيًا، ومن ثم التعاطي المنهجي السليم مع هذا الواقع، من خلال إيحاءات النص، وإيماءات الفكر وترشحاته، وهنا تبرز إشكالية المعاصرة بوضوح من خلال معالجات الوعي المفردات الفهم الإسلامي ومقولاته وتطبيقاته، والذي قد يحكمه جمود عند الفهم القديم للنصوص، الذي ربما استجاب لمتطلبات عصره بكفاءة، وركز رمحه في شواطئها، معلمًا حضاريًّا متميزًا استقطب اهتمام معاصريه واحترامهم.

بيد أن الانقلاب الشامل لكل مظاهر الحياة الإنسانية، وما أحدثته ماكينة التقنية من انفجارات هائلة، وما ترشح عنها من إفرازات لونت الدنيا، وغيرت كيمياء معادلاتها، أوجدت واقعًا جديدًا يستدعي فهمًا جديدًا للنصوص، ذات الطابع الشمولي في المعالجة وفق ضوابط الشريعة التي لا تبيح لنا، ولا نبيح معها لأنفسنا تخطي خطوط حريمها وحدود حرماتها، وبما يشكل خرقًا لحصون الأصالة بدعوى التحديث والمعاصرة لنهوى معها غرقى في بحار العصرنة غير المنضبطة بقانون أو ضابط ولم يعد الفهم الجامد للنصوص وحده شاخص الأزمة الثقافية التي يعانيها الجيل الجديد، وإنما تصطف معه القوالب القديمة البالية كأليات مندرسة لعرض الإسلام تضيف إلى محنة الجمود عند القديم، والتحجر عند بواباته محنة العرض السيئ الجواهر الإسلام القيمة في عالم صار فيه تذوق الجمال ومعاييره بعض مكونات الواقع المعاصر الذي سحر الجيل الجديد وشدهم إليه بأغلال الموضة وأصفاد الأزياء وشراك الديكور الساحر الأخاذ، وبذلك تحمل أبناءنا تبعة تركات ما أنزل الله بها من سلطان، فيرفضون توارثها لأنهم مخلوقون لزمان غير زماننا، مما يولد تناقضًا ثقافيًّا بين جيلين أحدهما جامد متصخر، والآخر ثائر متمرد أكسبه العصر من سماته تراكم الخبرة، وجدة النظرة وتواصل المعرفة التي يهز تلاطم محيطاتها أعماق وجوده حينما يجلس خلف الكمبيوتر، ويضع بين يديه كل جديد وليد عبر شبكة الإنترنت، وقبل أن يرتد إليه طرفه.

إن ثورة المعلومات، وسرعة الاتصالات، وتلاقح الحضارات، وتطور العقل لدى الجيل الناشئ، وملاحقة الضخ الإعلامي الأفكار وبصائر أبنائنا من أفلام الكارتون، وحتى عالم الإنترنت صيرت منهم ساحة للصراع بين القديم الموروث والجديد الغازي المدجج بأحدث ما أنتجته التكنولوجيا والعلوم الحديثة، ولذلك فإن المشي السلحفاتي لمواعظنا وإعلامنا، في عالم تتجاوز فيه المعلومة والصورة سرعة الصوت والضوء بعد بمثابة سباق خارج الحلبة، مع محترفين في ميادين العرض

ولذلك ينبغي ألا نحمل جيل الشباب تبعات عجزنا وضرائب أخطائنا، وتخلفنا، فنقهرهم على الانشداد إلى عجلات التخلف في الوعي، والركوب في عربات الجمود. ونضطرهم على العقوق والمروق.

إننا بحاجة إلى أن نصارح أبنائنا بأخطائنا، وأن نعيد النظر بوسائل عرض الإسلام عليهم، وألا تفكر بالنيابة عنهم، أو أن نقهرهم على لبس أردية ثقافية مفصلة على مقاسات القرن التاسع عشر، وهم على أعتاب القرن الحادي والعشرين.

إن خطابنا الثقافي لم يعد يلامس شغاف قلوب الناشئة ولا يداعب أفئدة الجيل الجديد، ونحن لا نملك إلا أفلامًا لا تجيد الكتابة بلغة اليوم، ومنابر لا يطرح منها إلا مواعظ واضغاث احلام وأحكامًا جاهزة لإدانة من يخرج على تعاليم أصحابها، وليس على تعاليم السماء السمحة، وأحسب أن جيلًا جديدًا لا نفهم أنماط تفكيره، ولا نجيد لغة التخاطب معه ولا نعرف- أو لا نريد أن نعرف- سبل التأثير عليه، سيظل جيلًا غريبًا عنا ليتخذ له مسارب أخرى غير ما درجنا عليه وليس في ذلك  ضير إذا ما ظل في دائرة الإسلام، التي هي أوسع من أفاق تفكيرنا، وأرحب من ضيق صدورنا، ولكن خشيتنا منه أو عليه تكمن في أن يعبر حدود الشريعة.

ويتجاوز خطوطها الحمراء ضائعًا في صحراء البحث عن الذات والهوية، ولا من إشارات مرورية هادية ومسؤولية المثقف- في مثل هكذا أزمة- أن يعيد قراءة الفكر والواقع بلغة اليوم، ويخاطب بها الجيل الحاضر المستقبلي مبينًا له أن القيم الخيرة الكامنة في جوهر الشريعة وأحكامها الحقة أصيلة وثابتة لا يمكن أن تبليها عوامل الزمان، ولا تهب عليها رياح التغيير لتنال من تألقها وسحرها، وديمومة تأثيرها شيئًا، وأن عالم اليوم ورغم ما أحرزه من طفرات مذهلة في دنيا الصناعة والتقدم المادي، يظل عاجزًا عن الطيران بجناح واحد.

وخير لنا ولأبنائنا أن نجمع بين الأصالة في الثوابت والحداثة في الأساليب والآليات والمتغيرات، دون أن نحرم حلالًا أو نحل حرامًا، عندها يتجاوز خطابنا الثقافي أنفاق الحيرة، وتجنب أبناءنا الذهول بين وديان الضياع، وفيافي التيه المدمر البغيض.

[1] - أستاذ أكاديمي- جامعة طهران.

الرابط المختصر :