; حول قضية الحوار بين الإسلاميين والماركسيين | مجلة المجتمع

العنوان حول قضية الحوار بين الإسلاميين والماركسيين

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1975

مشاهدات 118

نشر في العدد 248

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 06-مايو-1975

تروج في هذه الأيام نغمة نشاز يدعـــــو عازفوها إلى الحوار بين الإسلام والماركسية والمعروف لكل مسلم يحفظ أبجديات التفكير الإسلامي.. أن «الحوار»، أو الجدل- بشروطه وآدابه - هو خصيصة من خصائص المنهج الإسلامي.

فالرسول- عليه الصلاة والسلام- عاش في مكة ثلاث عشرة سنة، يحاور ويجادل بالتي هي أحسن، ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ويتحمل -والمسلمون- ألوانًا من التعذيب والتغريب.. لم يردوا عليها بالمثل، ولم يدافعوا عن أنفسهم وعن حريتهم العقائدية- وهو أمر تقرهم عليه كل الشرائع والقوانين -بل صبروا إلى أقصى حدود الصبر.. حتى جاء أمر الله بالهجرة إلى ملجأ آخر يجد المسلمون فيه أمنهم وحريتهم.

الإسلام إذن بدأ دعوته بالكلمة.. لم يبدأها بالدم «والعنف الثوري»، فهو إذن أهل لأن يكون صاحب الفضل الأول في إقرار منهج الحوار الموضوعي البناء.

لكن أن يسبق الدم الكلمة، وأن يسرق اللص البيت ثم يطالب بالحوار الموضوعي.. أن يحدث هذا، فهو المنطق المعكوس، والحوار المشبوه.. والحق الذي يراد به باطل!!

 هذا الحوار جاء متأخرًا:

-بعد أكثر من ستة عقود على الانتصار الإرهابي الدموي للثورة البلشفية في روسيا- 1917-

-وبعد اكتساح الشيوعية لعشرات الأقطار بالدبابات والطائرات والقنابل وأبشع وسائل التعذيب الجسدي والنفسي والفكري.

-وبعد تدمير عشرات الألوف من المساجد الإسلامية في جمهوريات الاتحاد السوفيتي الإسلامية..

-وبعد بعثرة أكثر من أربعين مليونًا من المسلمين في الاتحاد السوفيتي على الولايات المختلفة، وتدميرهم بالمعتقلات والقتل، والاستيلاء على مزارعهم ومصانعهم وبساتينهم ومناجمهم..

-وبعد حرق المصاحف والكتب الإسلامية.. وجعل اقتنائها جريمة يحاكم عليها القانون نفسه.

- وبعد الاستيلاء الوحشي الاستعماري على أقطار إسلامية بأكملها كألبانيا.. و.. (!!!).. هلم جرًا.

- وبعد نعت الإسلام بالرجعية، والنظر إليه على أنه مخدر أفيوني للشعوب.. و اعتباره مرحلة متخلفة «إقطاعية» من مراحل التاريخ..

- وبعد التواطؤ الواضح مع كل عدو للإسلام في الهند، في الفلبين، في تركيا، في الحبشة، في دول أسيا وأفريقيا كلها... إلخ إلخ

- وبعد.. وبعد.. وبعد

-بعد كل ذلك- وليس قبله كما هي الأصول -الدعوة للحوار الغريب.

●     إنه حوار يشبه حوار الذئب مع الحمل.

●     وهو دعاية خبيثة مكشوفة..

●     وهو هجمة جديدة من هجمات الشيوعيين تلبس ثوبًا جديدًا.

-        ومع ذلك دعنا نغز السير قليلًا مع الهجمة الشيوعية الجديدة!!

الأسس والقيم في الحوار:

 سنقول قولًا لا نؤمن به نزولًا على فرضية غير صحيحة نقولها كذلك، وهي أن الشيوعيين كانوا يخاصمون الإسلام وأنهم يريدون الصلح معه.. بعد هذا الخصام.

- فهل ثمة ما يمنع من ذلك؟

 - هل ثمة ما يمنع من أن يتنازل الشيوعيون - مثلًا- عن الجانب الاعتقادي - في النظرية الماركسية- فيؤمنوا بالله واليوم الآخر والكتب السماوية والرسل وخاتمهم عليه السلام، وينهجوا مع ذلك نهجًا اشتراكيًا في الحياة..

- إن الماركسيين لم يقولوا هذا بالطبع لكننا -افتراضًا وجدلًا- سنزعم أنهم يريدون أن يقولوا لنا ذلك.

وفي ضوء هذا.. التنازل أو هذا الاعتراف- الذي نريد أن نسمعه ونقرأه واضحًا جليًا من الشيوعيين -قبل أن نحسن الظن برغبتهم في الحوار.

 في ضوء هذا.. يجب أن نتفق معهم -قبل السماح بدخول ميدان الحوار- على تلك الأسس التي ينبني عليها حوارنا...

 وعلى تلك القيم التي نتفق معا على صلاحها وسموها، ثم ننطلق ناشدين خدمة الإنسان.. والسعي وراء الأفضل وتدعيم العقل والفكر والتطور الجدير بعالم الإنسان.

- ومن جانبنا نحن الإسلاميين نؤمن بأنه لا بد من الاتفاق على الأسس والقيم التالية:

 أولًا: الإنسان هو بيت القصيد والهدف الأكبر -فردًا ومجتمعات- من كل النظريات والآراء التي تقدم وأي إهدار للحقوق الإنسانية هو تناقض مباشر مع الأساس والقيمة الكبرى في أي مذهب.

 ثانيًا: الحرية قيمة كبرى من قيم الحياة الإنسانية.. وسحق حرية الإنسان تحت أي شمار جريمة في حق كل القوانين والآراء الإنسانية الصحيحة.

ثالثًا: حرية الرأي جزء لا يتجزأ من الحرية العامة، ولا يجوز -تحت أي شعار- سوق الناس بالإرهاب إلى رأي معين.

 رابعًا: الهدف من أي حوار موضوعي هو الوصول إلى الحق، ومن الواجب أن تتوفر النية السليمة للتنازل عن الرأي في حالة ثبوت فساده..

 خامسًا: والمتحاور الصادق الرغبة في الوصول إلى الحق.. يجب أن ينظر بعين الإنصاف إلى الحقوق الإنسانية للطرف الآخر، ويجب أن يستشعر الالتزام الخلقي في الكفاح من أجل أن يصل الطرف الآخر إلى حقوقه الإنسانية العامة.. حقه في التعبير عن رأيه حقه في الوجود الكريم.. حقه في ممارسة وجوده الفكري والاجتماعي بالطريقة التي يرضاها في الحدود الإنسانية العامة المعترف بها، إلى غير ذلك.

 موقف الشيوعيين من القيم الإنسانية

والشيوعيون -للأسف الشديد- وقبلهم الاستعمار والصليبية الدولية واليهودية العالمية «الصهيونية».. هؤلاء وأولئك لم ينظروا يومًا إلى القيم الإنسانية السابقة -وغيرها- إلا نظرتهم إلى قيم رجعية متخلفة مرتبطة بمرحلة الإقطاع والرأسمالية.

فالإنسان -في رأيهم- كائن اقتصادي، وهو مجرد ترس في ماكينة المجتمع، لا يتمتع بوجود فردي، وليس له أن يطالب بحقوق إنسانية فردية.. لا تفصله بالطبع الحقوق والواجبات العامة التي ينتظم بها مع حركة المجتمع!!

-        والحرية في رأيهم حكر عليهم وحدهم، ولقد روجوا لشعار من أغرب الشعارات في التاريخ، وهو شعار «لا حرية لأعداء الشعب» وكل مخالف لهم هو تخريفي رُجْعِيّ من أعداء مكاسب الشعب العامل!

-        وحرية الرأي.. أكذوبة في رأي الشيوعيين اختلقتها مراحل التطور هم البرجوازي اليميني الرُجْعِيّ، وهم يقولون إنهم ليسوا أعداء حقيقيين للحرية -على طول الخط– إنما هم يتمهلون-  في إعطاء الحرية، حتى يتم رفع راية الاشتراكية.. وانتصار البروليتاريا -حامية حقوق الإنسان وراعية التطور...

أي أنهم يعتبرون الحرية منحة لن يجودوا بها على الإنسان قبل أن يتكلموا إليه من فوق، وساعتها سوف يقررون ما يرونه مناسبًا بشأن «الحرية»، وبتعبير آخر: أنهم لا يؤمنون بالحرية كحق للإنسان. وإنما كحق لهم وحدهم قد يجودون به وقد لا يجودون.

-        والشيوعي لا يبغي الوصول إلى الحق حين يحاور إطلاقًا.. أنه يحفظ جيدًا بعض الشعارات والمصطلحات والمقولات التي تشكل ستارًا كثيفًا صفيقًا يحول بينه وبين رؤية أي بصيص من الضوء يخالف رأيه.

 ولم يحاول أكثرهم أن يضعوا شعاراتهم في قالب مناسب فكريًا، أو أن يستبدلوها بشعارات أكثر منطقية مع التطور الفكري، ومع فرضيات جديدة، أظهرها التطور العلمي الهائل.

كلا.. فعلى الرغم من أن النتيجة التي إليها الدول التي يمكن أن نسميها متقدمة من الدول الشيوعية على أن هذه النتيجة قد انتهت إليها على النحو أقوى وأسرع دول أخرى نهجت مناهج أخرى.. وتجنبت الكثير من الأشواك الدامية للمسيرة الشيوعية «كاليابان وألمانيا» على الرغم من هذا، فقلما يفكر شيوعي بأن ثمة طرائق مختلفة للتحول والتطور الحضاري، وبأن ثمة قوانين إلهية تحكم الكون ليست من الحتم أن تكون الاشتراكية الطريق الوحيد للتعامل معها، حتى تصل الأمة إلى التطور المنشود وبأن ثمة ظروفًا حضارية كثيرة تحكم حركة المجتمعات، وتتطلب الأخذ في الاعتبار عند إرادة السير في طريق التطور وهذه الظروف قد تجمل مجتمعات ما تختلف عن مجتمعات أخرى إلى آخره.

إن الشيوعيين قد يتظاهرون بالرغبة في الحوار، لكنهم - ككثير من الجامدين فكريًا -لا يتمتعون بالقدرة على التكيف، والقدرة على تخطي الحواجز الصفيقة والاعتراف بالحق وبحق الآخرين خاصة.

-        ويبقى أن نحدد موقفًا من أخطر المواقف التي يتورط فيها الشيوعيون -فيما يتعلق بالقيم الإنسانية-.

 وهذا الموقف هو عدم قناعتهم بحقوق الإنسان المبدئية المنوطة بكينونته الإنسانية وبالتحديد حقوق المخالفين لهم في أن يتمتعوا بالوجود والوجود الكريم، وأن يعبروا عن آرائهم في حدود إنسانية لائقة بكرامة الإنسان.

إن مواقف العنف الدموية، وأساليب انتهاك أبسط حقوق الإنسان بل الحيوان، مقبولة عند الشيوعيين، إذا كان ذلك باسم الشيوعية أو الاشتراكية أما إذا أوذي أحدهم، فإنهم في هذه الحالة يبرزون حقوق الإنسان ويبكون الكرامة الإنسانية.
ويرى الأحياء الذين يقرؤون هذه السطور من أبناء هذا القرن -أن عشرات من المجازر البشرية، ومئات من أبشع السجون والمعتقلات والمستشفيات العقلية، قد أقيمت وباركها الشيوعيون، لأنهم ظنوا أنها كسب لقضية انتصار البروليتاريا وأنها تأكيد لحقوق الطبقة العاملة ولم نسمع منهم -في هذا المجال كلمة استنكار واحدة!!

 

 حديث من الماضي الكئيب:

 ونضع أمام المحايدين والشيوعيين أيضًا هذه المجموعة من الحقائق المؤلمة، لتكون جزءًا من الرؤية، قبل أن يتمادى الماركسيون في الحديث عن «الحوار بين الإسلام واليسار» وقبل أن ينخدع بشعاراتهم الخادعة بعض السذج من المسلمين وأحب أن أوضح أن ما أذكره في السطور القادمة هو حقائق مجردة بل هو هيكل عظمي للحقائق وقد أجمعت عليه دراسات متنوعة اختلفت مشارب أصحابها لكنه بقي يمثل في دراساتهم وفي وثائقهم، ومشاهدتهم، القدر المتفق عليه الذي يشبه الحروف الهجائية.

وأحب أن أوضح أيضًا أن أي ادعاء بالرغبة في الحوار لابد أن يسبقه كفاح طويل حقيقي من اليساريين في سبيل علاج هذه الأوضاع المؤلمة.. حتى يمكن القول بأن هناك رغبة حقيقية وليست تكتيكية خبيثة - في الحوار الموصل إلى الحق، حول ما يتعلق بالمسلمين وموقفهم من اليساريين.

 

الحقيقة الأولى

 إنه لغني عن التعريف أن هناك نحو خمسين مليونًا من المسلمين موزعين بين الجمهوريات السوفيتية، وتتركز على الرغم من عمليات التشريد والنفي الطويلة أكثريتهم في ترکستان وقازافستان وبوخارستان وغيرها.

 هؤلاء الخمسون مليونًا من المسلمين محرومون من كل الحقوق الإنسانية، وبتواطؤ عليهم العالم كله. أمريكا وأوربا والدول الشيوعية، ولا تسأل عنهم - بحكم ضعفها -الدول الإسلامية.

وهم ليسوا محرومين من الحقوق الإنسانية فقط، بل إنهم يعاملون -في بلادهم– من حكامهم معاملة الأسياد للعبيد..

 والاستعمار للمحتلين، فهذه الدول الإسلامية الموجودة في داخل الاتحاد السوفيتي لم تستطع إلى الآن أن يرتفع لها صوت في الأمم المتحدة، ولم تستطع أن تطالب بحقوقها في دستور مستقل، وقوانين مستقلة، وعقيدة مستقلة.

وهؤلاء ليسوا مجبورين على ذلك فقط، بل هم مجبورون كذلك على نسيان أوطانهم واتخاذ موسكو الروسية عاصمة لهم.. وكل الخيرات التي تجود بها أرضهم الخصبة لا يتمتعون بشيء منها، بل هي تذهب إلى الطبقة الحاكمة المترفة.. الحزب الشيوعي، الذي لا تربطهم به علاقة.

 أليس من الواجب على الشيوعيين - في العالم الإسلامي والعربي - أن يتحدثوا عن هذه القضية ويدلوا بدلوهم في كشف أبعادها بعين منصفة.. على الأقل كما يفعل الشيوعيون اليهود في نصرة القضايا اليهودية؟

ودعنا نفصل بعض القول في هذه القضية حتى نذكر الشيوعيين، في البلاد الإسلامية بواجبهم إن كانوا يعتقدون أنهم ينتمون إلى القضايا الإنسانية وأنهم يريدون الحوار الموصل للحق.

فالغريب - كل الغرابة - أنه بعد أن ظهرت الشيوعية في روسيا، وأعلنت في«المانيفستو»- البيان- موقفها من الأديان، وهو موقف تطور إلي أسوأ فيما بعد في الدستور السوفيتي- أخذت في هدم المساجد والكنائس.. لكنها- وهذا شيء واضح الدلالة الطابع اليهودي للثورة الشيوعية-«لم تمس کنیسًا يهوديًا واحدًا»!

ومع ذلك فعندما رأى ستالين – فيما بعد - أن التقرب للعالم الغربي يقتضي تخفيف القبضة على الأديان فرمم الكنائس، وسمح ببنائها، وارتيادها بل تبنى مؤتمرًا للأديان...

 لكن الدين الوحيد الذي بقي يقاوم وتدمر مساجده ويسحق أهله والعاطفون عليه هو الإسلام (!!!)

 بل إن الأمر يبلغ حدًا أكثر غرابة، حين تترك الشيوعية الكنائس اليهودية وتنفق على ترميم الكنائس المسيحية.. بينما كما يقول «أنطوان دومازه(1)» «يؤلم المسلمين ويجرح مشاعرهم أن ما يجمع من أموال من السياح لقاء دخولهم المساجد يذهب إلى صندوق الدولة ولا يعود على المسلمين بفائدة»!!

_ وإذا تركنا ما يحدث في الاتحاد السوفيتي جانبًا، ونظرنا إلى ما يحدث في «المجر» رأينا أن الحكومة المجرية تترك المسيحيين يبنون الكنائس ويرتادونها «أما المساجد بالذات - فقد عمدت الحكومة المجربة إلى إزالتها بعد أن استولت على أوقافها الواسعة ولم تترك منها إلا النادر».

-         فهل من كلمة حق - يقولها أي إنسان في وجه هذا التعصب الشيوعي ضد الإسلام وحده من بين الأديان؟

-         أي كلمة حق تقال من أجل هذه الملايين المسلمة الموجودة في العالم الشيوعي المحرومة من المصاحف والكتب الإسلامية، وليس لها من يرعى شئونها، أو يطالب إنسانیًا بحقها في أن تعيش الحياة كما تريد وكما تفضل؟!

 

-        وأي حوار بين الإسلام والماركسية ودماء المسلمين ودينهم المنكوب يتعرضان في العالم الماركسي لكل هذه المعاملات الوحشية التي تفتقد كل الخصائص الإنسانية في المعاملة.. وفي الحوار؟!!

 

 الحقيقة الثانية

وكما نطالب - كشرط أولي للحوار – أن يتبنى الشيوعيون موقف الكفاح من أجل حرية المسلمين في العالم الشيوعي.

 نطالب كذلك أن يتبنى الشيوعيون المطالبة، ليس بتحرير الأفراد أو الأقليات الإسلامية الموجودة في العالم الشيوعي فقط، بل بأن يتبنى هؤلاء موقفًا صريحًا كفاحيًا واضحًا في سبيل المطالبة بتحرير الشعوب التي وقعت تحت نير الاحتلال الشيوعي.

إن أي شعب يحكم بالقسر والإرهاب هو شعب محتل حتى ولو فرض عليه شخص من بني جنسه.. فالشيوعيون لا ينكرون أن هذا أسلوب استعماري معروف.

وإذا كان ذلك الأسلوب مذمومًا من الاستعمار الأوربي فهو كذلك مذموم من أي استعمار آخر فالمبدأ لا يتجزأ والإنسانية هي الإنسانية.

ومعروف أن هناك شعوبًا إسلامية كثيرة مستعمرة شيوعيًا، وبما أن هذه الشعوب معروفة فلا مجال للإطناب في الحديث عنها، فبعضها قريب جدًا من بلادنا.

وإذا نحن ذكرنا هنا الشعب الألباني الذي استبدت به الشيوعية منذ ثلاثين سنة بالتحديد بقيادة «أنور خوجه»، أو حرمت على المسلمين الذين يمثلون «۱۰۰٪ من الشعب» الصلاة والصوم والحج وطردت من العمل كل من يشتبه بإسلامه..

 إذا نحن ذكرنا ألبانيا، فإنما نذكرها كمثال فقط.. يدل على غيره من الدول الإسلامية..

وقد ذكرنا من قبل ترکستان وقازاقستان وبوخارستان، وأما الشعوب الإسلامية الأخرى.. فهي معروفة لكل قارئ!!

 

 الحقيقة الثالثة

الحوار لا يزدهر إلا في مناخ الحرية.. وإذا كان الماركسيون صادقين في أحداث حوار بين الإسلاميين وبينهم.. فيا ترى هل سيقتصر هذا الحوار على المنطقة العربية لغرض استراتيجي معين يقصده الشيوعيون أم أنه حوار يجب أن يمتد إلى مناطق أخرى حيث يعيش أي مسلم، وحيث يوجد أي ماركسي.

 وإذا كان الشيوعيون مخلصين في طلب الحوار «وليسوا يسعون لهدف محدد في ظروف محدودة» وإذا كانوا يجدون أن تركيبة العالم العربي تسمح لهم بمثل هذا الحوار مع المسلمين فمن واجبهم - بالدرجة الأولى -أ يسعوا إلى إتاحة الفرصة للمسلمين في المناطق الأخرى أن يحاوروهم في ظروف صالحة للحوار عليهم أن يطالبوا المجتمعات التي تحكمها الشيوعية، وتحرم المسلمين حقهم في الكلام- أن تتيح هذه المجتمعات الفرصة للمسلمين أن يتكلموا.. وأن يظهروا رأيهم - الحقيقي النابع من ضمائرهم- في تجربتهم مع الشيوعية.. وأن يقولوا- بعد نحو ستين سنة - رأيهم في تجربة عاشوها.. هل يقبلونها أم يرفضونها؟

 إن هذا المطلب من حقنا أن نطالب به کطرف محاور.. يطالب أن يترك لجزء منه حرية الحوار وهو جزء هام منه، لأنه عاش راغمًا تجربة الماركسية ومن حقه أن يشترك في حوار يهمه ويتعلق بمصيره!!

الحقيقة الرابعة

نحن نريد تحديدًا للموقف الشيوعي من اليهودية «الصهيونية»، فنحن نعتقد أن الشيوعية بنت للصهيونية، وأن الشيوعية إنما ابتدعت لخدمة الأطماع الصهيونية في حكم العالم.

وغني عن البيان أن الأغلبية من الأعضاء البارزين في الأحزاب الشيوعية هم من اليهود وأن مؤسسي الأحزاب الشيوعية في العالم العربي والإسلامي هم يهود كذلك.. هل نطمع في تفسير عقلاني لهذه الظاهرة؟ ونحن لا نذكر هنا على سبيل الاستطراد - المواقف السوفيتية من قيام إسرائيل وكيف أن روسيا تبنت قيام دولة صهيون أكثر من تبني بريطانيا وأمريكا الرأسماليتين الاستعماريتين.

والجدير بالذكر أن السيد «أندريه جروميكو» الذي يدير ولا يزال عجلة السياسة الخارجية الروسية لربع قرن من الزمان كان أكبر مكافح في سبيل حماية إسرائيل ومن كلماته في هذا الصدد «بتاريخ ٢٦ تشرين الثاني ١٩٤٧» كما نصه:

«إن الاتحاد السوفيتي قد رفض الرأي القائل بإعلان استقلال فلسطين في دولة واحدة، وأيد خلق دولة لليهود، وأخرى للعرب في فلسطين ومن حق اليهود أن يبنوا لهم دولة في فلسطين، دولة ديموقراطية مستقلة، تكون نموذجًا للمؤمنين بالديموقراطية في المنطقة.

 ولا يقل عن جروميكو الرفيق الأخر «جاكوب مالك» المندوب السوفيتي في الأمم المتحدة وهو القائل في  «۱۸ آب ١٩٤٨»:

«إن مندوب بريطانيا أثار مشكلة اللاجئين العرب، وتجاهل مأساة اللاجئين اليهود»

والقائل أيضًا:

«ليس هناك حل لقضية اللاجئين العرب واليهود بغير صيانة الدولة اليهودية في إسرائیل».

وفي الجانب المقابل جانب إسرائیل تبرز مثل هذه التصريحات التي تكشف بجلاء عن التفاهم الإسرائيلي السوفيتي التام (۲).

 وهذه إحدى الحقائق الجديرة بالتنويه والتفصيل..

 

الحقيقة الخامسة

 وبإيجاز - وبصرف النظر عن الترابط العضوي بين الشيوعية واليهودية - فإن هناك نقاطا هامة، انبثقت عن طبيعة هذه العلاقة - حددت سياسة الدول الشيوعية تجاه إسرائیل، وعلى رأس هذه الدول الاتحاد السوفيتي.. وهذه النقاط توجز في الآتي:

 

۱ - ضمان تزويد إسرائيل بالكفايات السوفيتية العالية، فيما يتخذ اسم «السماح لليهود السوفيت بالهجرة» فالحق أن هؤلاء من اليهود ومن غير اليهود أيضًا وهم دعم وعون سوفيتي متفق عليه بين الجانبين.

۲- أن الاتحاد السوفيتي كان يتبنى سياسة منع العرب من الهجوم على إسرائيل وموقفه من حرب ١٩٦٧ واضح.

وغضبه الشديد للهجوم العربي الابتدائي على إسرائيل سنة ۱۹۷۳ غني عن التعليل.

3. ننسى هنا موقفه الكتيب في حرب رمضان حين رفض إعطاء السلاح - بل وقطع الغيار- لمصر، مما حدا بمصر إلى تغيير استراتيجيتها العسكرية كليًا - وإظهـــــــار استراتيجية «تنويع السلاح».

4- أن الاتحاد السوفيتي ينظر لظاهرة «العروبة» نظرة أيدلوجية خاصة.. ويعتبر إسرائيل - كدولة تقدمية اشتراكية أقرب إلى العرب التقدميين من أخوانهم الرجعيين في السعودية ومصر والكويت والخليج كله والمغرب العربي الخ.
وبناء على هذا، فإن الاتحاد السوفيتي لن يرضى بغير تقسيم وحدة العرب وصراعهم تحت لافتاته المعروفة ومع أنه رأی - ورأى كل العرب - أن الإخوة العربية الإسلامية لا تنفصم عراها ولا سيما الشدائد.

فكيف يا ترى يتحدد موقف الماركسيين المطالبين بالحوار من هذه القضية؟ 

-هل سيتخلون عن الولاء الروحي للدولة الأم للشيوعية إذا ثبت لديهم أن لها موقفًا محددًا من العدو التاريخي للعرب والمسلمين؟

- وأي حوار يمكن أن يتم بين عناصر تدين الأعداء العروبة.. وتتحرك بحركتهم حتى ولو وقفوا ضد القضايا المصيرية لأمتهم؟

- هل سيتم الحوار بين الإسلاميين والماركسيين في مناخ عنيف.. قائم على الشك في أبسط أنواع الولاء لأبرز قضايا الوجود العربي؟

 

هل يتم الحوار صراحة بين الإسلاميين والماركسيين على أساس فهم المسلمين الأكيد لديهم بأن الشيوعيين هم الوجه الأخر لليهودية التي تذبح أبناءهم وتستحيي نساءهم؟

 وسيلاحظ القارئ المسلم - وذلك حقه - أنني لم أتناول الجوانب الفكرية الضخمة التي تفصل فصلًا كليًا بين الإسلام والماركسية أنها جوانب تمتد إلي الأصول الاعتقادية وإلى تفسير الوجود الإنساني والكوني كله.

ومن حق هذا القارئ الكريم أن يعقب علي لكن عذري وأنا أدين بما يدين به هذا المسلم الغيور والحمد لله أنني ذكرت في صدر الحديث أن الشيوعيين في العالم الإسلامي سيدعون إيمانهم بهذه الجوانب، وبالتالي فقد حاولت - أن أبحث عن نقاط يمكن أن تكون منطلقًا للقاءات أخرى مع يقيني بأن الماركسيين أضعف وأجمد من أن يتقدموا برأي منصف أو بعمل منصف حول هذه القضايا الخمس التـي حددتها..

فكيف بغيرها من قضايا الفكر ومن النظرة إلى الإنسان والحضارة والتاريخ؟ وكيف بأهم وأكبر قضية تفصل بين الإسلام والمذهب المادي الإلحادي، وهي قضية الألوهية والرسالات السماوية التي لا يقوم الحوار إلا على أساس التسليم بها؟

أن هذا كله يرشح هذه الحقيقة ويزكيها.

حقيقة أنه لا لقاء بين الإسلام والماركسية وحقيقة أن الماركسيين يدركون هذا، وأنهم يسعون -فقط-  من وراء ادعائهم الرغبة في الحوار - إلى غزو جديد يخضع لتدبير جديد.

ونحن- مع إيماننا بهذا كله - لا زلنا نطرح عليهم، في إلحاح، تساؤلاتنـــــــــــا السابقة.

 ونأمل أن يكون لديهم المنهج العلمي الذي يزعمونه فيبدأوا حوارهم منها، وليس على أساس تجاهلها ووأدها وإخفائها، والتنادي - بعد ذلك - بالحوار الهادي الناعم القائم على أشلائها، وأشلائنا..

نحن العرب والمسلمين.

عبد الحليم عويس

 

 

(1)           انظر كتابه عائد من الجحيم.

(۲) من شاء الاطّلاع على هذه التصريحات، فليرجع إلى كتاب: المسلمون والحرب الرابعة للأستاذ زهدي فاتح

 

الرابط المختصر :