; حول شرعية ذبح الدجاج في الدانمرك | مجلة المجتمع

العنوان حول شرعية ذبح الدجاج في الدانمرك

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

مشاهدات 101

نشر في العدد 414

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

تعقيبًا على المقال القيم الذي نشرته مجلة المجتمع في عددها رقم 407 للأستاذ عمر الأشقر بشأن مشكلة اللحوم المستوردة. وحيث إن هذا الموضوع قد نوقش سابقًا عدة مرات لأهميته ونظرًا للاستفسارات العديدة التي وردت إلى جمعيتنا من المسلمين المقيمين في الدول العربية للتأكد من كيفية ذبح اللحوم والدجاج المصدر من الدانمرك، لذلك فقد انتهينا بعد بحث هذا الأمر والتحقق منه في دائرة الدانمرك إلى عدة نتائج نوردها فيما يلي:

لقد علمنا من مصادر رسمية أن الفئة القاديانية بالدانمرك قامت منذ تأسيسها عام 1967م بتمثيل المسلمين والإسلام في هذه البلاد فكانت تصادق على شهادات تصدير اللحوم والدجاج إلى الدول الإسلامية، وهي تتقاضى مقابل ذلك من الشركات المصدرة -رسومًا- مقابل هذا التصديق، وعلمنا كذلك أن السفارات الإسلامية هنا كغيرها من السفارات في العالم لا تمثل الإسلام من قريب أو بعيد، بل تمثل الحكام الذين يرفعون ويخفضون، فضلًا عن حرص هذه السفارات البالغ على اتباع السنن الدبلوماسية في حفلاتها وسهراتها، هذا إذا استثنينا –خشية التعميم- بعض الأفراد القلائل العاملين في هذه السفارات والذين هداهم الله إلى التمسك بالدين بعيدًا عن المؤثرات المهنية.. وهم قلة..

وعلمنا كذلك من خلال الأعوام الماضية أن بعض هذه الشركات يتحايل لكي يبيع الدجاج الدانمركي للدول الإسلامية، ومن صور هذا التحايل تشغيل تسجيل عليه أشرطة القرآن الكريم داخل المجازر ظنًا منهم أن مثل هذه الطقوس تحل لنا أكل هذه اللحوم.. كما يقوم بعضهم ذرًا للرماد في العيون بتعيين عامل مسلم أو أكثر في المصنع يقوم بمهام عادية ليس لها علاقة بالذبح، وحتى لو قام بالذبح فلا يعقل أن يتمكن من ذبح الآلاف من الدجاج المنتج كل يوم..

بل قل كل ساعة.. وقد كانت ليبيا من أول الدول التي اكتشفت هذه المهزلة في الدانمرك وخارج الدانمرك فقررت منع استيراد اللحوم والدجاج من أوروبا بالمرة.. والله أعلم إن كان هذا المنع ما زال ساري المفعول أم لا..

أما من جانب المستهلك – المسلم- فخلال الأعوام العشرة الماضية كانت مشكلة الدجاج المستورد من أوروبا لا تكاد تشغل بال السواد الأعظم من المسلمين لصغر حجمها بالقياس إلى المصائب والمؤامرات التي كانت وما زالت تحاك ضد الإسلام والمسلمين، ولكن كان من بينهم من يحاول ترويج هذه الذبائح بحجة أنها من طعام أهل الكتاب، ونحن لا نقر هذا الرأي، لأنه يكفي أن ننظر من حولنا فنجد الزنا والعري والخمر والميسر والشذوذ الجنسي وقطع الأرحام وعقوق الوالدين والربا.. وغيرها من الموبقات والكبائر مباحة بنص القانون في التشريعات المحلية الوضعية، فلا مجال هنا لتسميتهم بأهل الكتاب بحال من الأحوال.. بل هم أقرب إلى الشيوعيين والوثنيين منهم إلى النصارى.

واليوم.. كنتيجة طبيعية للغموض المكثف لهذا الأمر، ولشعورنا بمسئولية التحقق من هذا الأمر، قامت جمعيتنا بتوجيه خطاب إلى جميع المجازر الدانمراكية التي تقوم بتصدير الدجاج إلى الخارج... وعددها 35 مجزرة للدجاج والطيور.

وفيما يلي ترجمة الخطاب:

«وصلنا في الشهور الماضية –بصفتنا منظمة إسلامية ثقافية بالدانمرك –عدة استفسارات من مسلمين مقيمين في داخل الدانمارك وخارجها عن الطرق المتبعة لذبح الدجاج والطيور المعدة للتصدير إلى الدول العربية.. إن الإجابة على هذه الاستفسارات تعتبر ذات أهمية كبيرة لنا نحن المسلمين، إذ إن طريقة الذبح يجب أن تكون تبعًا لما ورد في القرآن الكريم من أحكام.. لهذا نرجو منكم السماح لمجموعة من جمعيتنا (حوالي 3- 4 أشخاص) بزيارة مجزرتكم للاطلاع على طريقة الذبح.. إلخ.

كما نود مستقبلًا نشر هذا التحقيق في مجلتنا الشهرية –الصراط- حتى يطلع المسلمون عليها مع مراعاة عدم التعرض لاسم شركتكم بسوء.. راجين أن يصلنا ردكم في أقرب فرصة...».

وعند استلامنا الردود اتضح أن بعض هذه المجازر لا يصدر إلى الدول الإسلامية بالمرة –وهذا النوع من المجازر لم يمانع من زيارتنا لأماكن الذبح- لكن الشركات التي تصدر إلى الدول الإسلامية لم توافق على الزيارة بالمرة –وبعضها أبدى صراحة عدم ترحيبه بقدومنا- وأحال البعض الآخر نظر هذه القضية إلى لجنة مهنية خاصة بتصدير الدجاج والطيور، بحجة أنها الجهة الممثلة لهم والمتكفلة ببحث مشكلة الذبح الإسلامي.. وباتصالنا بهذه اللجنة رفضت –بعد محاولات استمرت فترة طويلة- السماح بأي نوع من المعاينة بحجة أنها لا تجد أن منظمتنا تمثل الإسلام والمسلمين في الدانمرك، وأن هذه اللجنة على اتصال من جهة إسلامية بالدانمرك.. تمثل الإسلام –في نظرهم- لاتصالها بعدد من السفارات العربية، وأن هذه الجهة الإسلامية توافق على طريقة الذبح، وتصادق على شهادات التصدير، مع علمها التام بأن الدجاج المصدر لا يفترق عن غيره من الدجاج المنتج باستثناء المغلف المطبوع عليه عبارة «ذبح على الطريقة الإسلامية»..

وبقيامنا بمزيد من التحريات وجدنا أن الجهة الإسلامية القائمة على التصديق ليست هي الفئة القاديانية –كما جرت العادة خلال العشر سنوات الماضية- لكنها جهة إسلامية انتزعت من القاديانية مهمة التصديق على شهادات التصدير وما يتبعها من مهام أخرى كالدفاع عن مصالح شركات الدجاج ومصالح المستوردين العرب.. ومصالح السفارات العربية الواقفة وراءها.

وبحديث هاتفي مع مدير لجنة التصدير الدانمركية المذكورة اتضح لنا الآتي:

أولًا: ليس لدى المذابح الدانمركية أي فكرة عن متطلبات الذبح الإسلامي، والمعلومات التي لديها لا تعدو أن تكون شائعات وردت إليهم بطريق الحديث العفوي مع فئات من المسلمين، بعض هذه المعلومات متضاربة؛ مما جعل الأمر في النهاية –في نظر المجازر الدانمركية- ليس له ضابط ديني محكم..

ثانيًا: أن المستورد العربي هو الذي يطلب وضع عبارة «ذبح إسلامي» ويجهزها له والمصدر الدانمراكي يوافق طالما أن البيع في ازدياد والجهات الرسمية تصادق على شهادات التصدير.

ثالثًا: أن الذبح يجرى بطريقة قص الرأس بعد التخدير الذي يشترطه قانون الطب البيطري، وأن الذبح بغير هذه الطريقة يتطلب الحصول على تصريح خاص.

رابعًا: أن الذي يهم الشركات الدانمركية في الوقت الحاضر هو موقف السفارات التي تتبع الدول المستوردة؛ لأنها هي التي تصدق على توقيع الجهة الإسلامية التي تعاين الذبح، وطالما أن هذه الجهات متفقة فليس لأحد –في نظرهم- مصلحة في التدخل.

وطلبنا من مدير اللجنة الرد كتابة على هذه النقاط فوعد بذلك، ثم تأخر في الرد مدة طويلة، وفي النهاية وصلنا منه –رد دبلوماسي بعيد- عن النقاط التي تحدثنا عنها هاتفيًّا.

مما سبق يتبين أن المسئول الأول عن هذه المهزلة ليس هو المصدر الدانمركي بل هو بالدرجة الأولى المستورد العربي ومن ورائه السفارات التي تصدق على جريمته.

وعليه.. فنحن جمعية الشباب المسلم بالدانمرك نعلن من هنا إلى كافة المسلمين أينما وجدوا.. أن الذبائح التي تصدر إليهم من الدانمرك ليست مذبوحة بطريقة خاصة، ولا تختلف عن الذبائح التي تصدر إلى الدول الأخرى، وأن الذبح يتم بطريقة قص الرأس بعد التخدير.. والفارق الوحيد هو في الأغلفة التي تحمل عبارات عربية لخداع المستهلك المسلم..

الحل:

لم يكن الهدف الأساسي من التحريات التي قمنا بها إيجاد حل إسلامي لقضية الذبائح المستوردة، بل كانت الغاية المرجوة هو التأكد من طريقة الذبح وإعلانها إلى المسلمين حتى يجتهدوا بأنفسهم للتوصل إلى الحل المرضي إسلاميًّا.

إلا أن هناك بعض الفوائد التي يمكن الاستفادة منها قبل البحث عن حلول للقضية...

فمن خلال مباحثات تمت منذ سنوات مع أحد المجازر الدانمركية رغب بعض الإخوة في الاتفاق مع الشركة على ذبائح خاصة للتصدير إلى الدول الإسلامية فوافقت هذه الشركة على ذلك، بشرط أن يقوم الإخوة أنفسهم باستجلاب العمال المسلمين بمعرفتهم مع ضمان استمرارهم في العمل.. وحين البحث عمن يقوم بهذا العمل تبين أن هذه المجزرة تقع في قرية صغيرة بعيدة عن المدن الكبرى، وهذا الأمر لا يشجع أحدًا على قبول هذا العمل لتعارضه مع ميول العمال الأجانب عادة في السكنى في العاصمة أو على الأٌقل في المدن الكبرى.. لأسباب تتعلق بأوضاعهم الاجتماعية في الغربة وحرصهم على التجمع لسهولة التفاهم وتبادل الأخبار والزيارات، وهذا الأمر لا يتحقق بالسكنى في القرى النائية.

فالأمر إذن يتطلب إخلاصًا وتفانيًا من بعض المسلمين لإنجازه على الوجه المطلوب كما يتطلب إيفاد من له دراية شرعية بالقضية، وتخصيص ميزانية مناسبة لإنشاء مجزرة إسلامية للتصدير للدول الإسلامية تتوفر فيها الشروط الشرعية والعصرية في آن واحد.. والجمعية من جانبها على استعداد للمساعدة في الاتصالات التمهيدية مع الشركات التي تصنع آلات الذبح، والاتفاق مع إحدى شركات الاستشارة والتخطيط لعمل دراسة مستوفية لتكاليف المشروع واحتياجاته..

بقيت كلمة أخيرة.. لا تتعلق بالدجاج ذاته.. ولكن تتعلق بمن يأكل منه من المسلمين.. فالمعروف أن القلة من الناس هي التي تتحرى الحلال... والأغلبية لا تكترث.. بل تظن التحري في بعض الأحيان عسرًا ومشقة.. وهذه للأسف سمة العصر الذي نعيش فيه.. الاهتمام بإشباع الغرائز والميول أولًا ثم بعد ذلك يساء استخدام عبارة «إن الله غفور رحيم»... كما يريد أغلبنا دخول الجنة ولقاء الله تعالى دون علم أو عمل.. أو تضحية ولو بسيطة.. فقد يلجأ الكثير من المسلمين إلى قطع مسافات طويلة –قد تصل إلى السفر- في سبيل الحصول على سلعة أو طعام معين بمواصفات معينة والتكبد في سبيل ذلك المشاق الكثيرة.. ليس إرضاءً لله وللرسول.. ولكن إرضاءً للهوى فحسب.. فإذا تعلق الأمر بحكم شرعي تحايلوا وتهربوا بحجة أن «الدين يسر» ولم يقولوا مرة «إن مع العسر يسرًا».. وإن دخول الجنة لن يتم إلا بتكبد الصعاب.

وأضرب على ذلك مثالًا يتعلق بفئة "النباتيين" الذين يمنعون أنفسهم عن أكل اللحوم ومشتقاتها.. فهؤلاء معروفون في العالم كله.. وحرصهم شديد على تحري ما يأكلون.. حتى أن منهم من يبلغ به أحد –الورع- مبلغًا فلا يأكل الكعك والمربى المطروحة في الأسواق خشية أن تكون مصنوعة من دهون الحيوانات ويسألون قبل الشراء عن مكونات الطعام.. ولهم حوانيت خاصة بهم في كل مكان... فهؤلاء وضعوا قوانينهم بأنفسهم.. ويحترمونها.. ولا يعتبرون التحري والدقة ضربًا من التعصب أو تضييع الوقت والجهد.. فما بال المسلمين ينزل عليهم كتاب من الله وتصلهم سنة نبيه فلا يهتمون ولا يتحرون..

عسى أن ينفعنا الله بما قلنا.. وأن يكون ما بلغناه إبراءً لذمتنا يوم القيامة.. وأن يتقبل عملنا خالصًا لوجهه تعالى.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل