; حول.. تعدد الزوجات.. تلبية الحاجات الإنسانية.. وإقامة العدالة الاجتماعية | مجلة المجتمع

العنوان حول.. تعدد الزوجات.. تلبية الحاجات الإنسانية.. وإقامة العدالة الاجتماعية

الكاتب السيد عبد العزيز المطوع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يونيو-1974

مشاهدات 273

نشر في العدد 203

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 04-يونيو-1974

حول.. تعدد الزوجات تلبية الحاجات الإنسانية.. وإقامة العدالة الاجتماعية بقلم: السيد عبد العزيز المطوع يدور بين حين وآخر نقاش حاد وجدل طويل، حول موضوع تعدد الزوجات، ففريق يرى إطلاق إباحته، وآخر يرى منعه أو على الأقل تقنينه بتشريع يحد من نطاق هذه الإباحة. وكلاهما يستند في تأييد وجهة نظره إلى فهمه من النصوص التي وردت بشأن هذا الموضوع، فرأيت أن أدلي بدلوي بين الدلاء سائلًا المولى- سبحانه- التوفيق والهدى إلى سواء السبيل. ●أولًا: التعدد من حيث الغريزة وفي الديانات السابقة. وقبل أن أتناول الموضوع رأيت أن استعرض مع القارىء أمرين ولعل فيهما ما يعين على فهمه من هاتين الناحيتين الغريزية والاجتماعية. أولهما: الناحية الغريزية في الإنسان ومقارنتها بمثيلتها في الحيوانات الأخرى. والأمر الثانى: حكم التعدد في الشريعتين السابقتين على الإسلام «اليهودية والمسيحية». أما الأمر الأول فإن الحيوانات تنقسم إلى قسمين، منها ما يتعاون فيه الذكر والأنثى تعاونًا اجتماعيًا كالحمام والأرانب وما شاكلها، إذ يحافظ الذكر فيه على أنثاه وتتجاوب الأنثى مع أليفها حتى يتم التوالد بينهما ثم يشتركان كذلك في تربية نسلهما وبعد ذلك تعود الألفة من جديد أو يفترقان. أما القسم الثاني: فإن الذكر لا يتعاون فيه مع الأنثى على هذا النحو ولا تقوم بينهما رابطة معينة يمكن أن نسميها «اجتماعية» ومن هذا الدجاج والأنعام، وهذه الحالة يكتفى فيها بذكر واحد لكثير من الإناث لمجرد التلقيح. والإنسان «كائن غريزي» أقرب إلى القسم الأول من ناحية التعاون في التكوين العائلي فكان الأولى به منطقيًا- أن يكتفي بزوجة واحدة، وإذا كان الرجل لا يخلو من المشابهة الغريزية مع الند الثاني- فإن المرأة كذلك تستطيع القيام منفردة بتربية أولادها على نحو قريب للنوع الثاني متى توفرت لها الإمكانيات المطلوبة دون حاجة حتمية إلى عون الزوج عند فقده، لذلك كله يمكن أن يكون للرجل أكثر من زوجة في حدود الاستطاعة ولا سيما عند قيام الضرورات الاجتماعية الملحة. أما الأمر الثاني، وهو التعدد في الشريعتين السابقتين على الإسلام في التوراة هي أصل التشريع في الديانتين «اليهودية والنصرانية» لم تحرم التعدد ولم تحدد عددًا معينًا من الزوجات- وللمثال فإن نبي الله داود تزوج بنحو مائة زوجة، وكذلك ابنه سليمان كان له الزوجات ما هو أكثر من ذلك، أما الإنجيل فلم يتضمن تشريعًا جديدًا ينظم شؤون الناس في هذه الناحية. وكل تشريع فى التوراة تشريع للإنجيل لذلك كان تحريم التعدد عند أهل الديانتين لا يستند إلى تشريع أو نص سماوي، وإنما جاء التحريم فيما بعد من رجال الكنيسة، أما الإسلام باعتباره آخر الأديان فهو دين عام صالح لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة. ولا بد للإنسانية من أن تتعرض لمشاكل اجتماعية متعددة النواحي والأسباب فكان لا بد للإسلام أن يقدم لكل عقدة- حلًا ولكل داء دواء. ولهذا أقر الإسلام إباحة التعدد لظروف اجتماعية مقتضاة تتعرض لها الأجيال والمجتمعات في مختلف الأزمنة والأمكنة. ●ثانيا: العدالة الاجتماعية والإحصاء الدقيق وأصداؤها على موضوع التعدد. جاء الإسلام ولم يكن هناك تشريع سابق ينظم التعدد ويحدده فعالج هذا الموضوع علاجًا محددًا ومفصلًا وكان أثر هذا العلاج بارزًا ملموسًا في المجتمعات الصغيرة كالقرية مثلًا حيث يمكن للمشروع في هذه الحالة أن يتبين حالة المجتمع وحاجته في يسر وسهولة وعلى ضوئها يقرر ما تتطلبه العدالة الاجتماعية حينذاك ثم أمكن أن يتم العلاج أيضًا بالنسبة للمجتمعات الكبيرة بعد أن ظهرت أساليب الإحصاء العلمي الدقيق الذي يوضح النسبة العددية بين النساء والرجال في كل مجتمع وعلى ضوء هذه النسب يمكن للتشريع الاصلاحي أن يأخذ طريقه إلى المجتمع ويقيم العدل في صفوفه حكيمًا ومواسيًا مع مراعاة الأصداء الاجتماعية لهذا الأمر الهام. فكيف عالج التشريع الإسلامي هذا الأمر على هدى ما جاء به کتاب الله وسنة رسوله- صلوات الله عليه- وما تقتضيه العدالة الاجتماعية في إطار صوالحها حالًا أو مستقبلًا. فإذا كان القرآن الكريم قد أباح التعدد بين الناس ونظمه كما سبق القول، فإنه بذلك يهدف أولًا وقبل كل شيء- في اعتقادي إلى إقرار العدالة بين الناس وحفظ التوازن بين الجنسين وهذا ما توضحه آيات الله البينات في مستهل سورة النساء بعد (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُواو﴾ (النساء:1) ويحسن أن نشير هنا إلى أمرين أثيرا حول هذا الموضوع: أولًا: أن هناك نقطة هامة دار حولها الجدال وكثر فيها النقاش واختلف عليها الناس منذ القدم:- «ما هي الرابطة التي تربط بين العدل في اليتيم وتعدد الزوجات؟ الثاني: يرى الكثيرون أنه إذا كان العدل بين النساء شرط لإباحة التعدد في القرآن الكريم يقرر في آية أخرى من نفس السورة عدم إمكان العدل بين الزوجات رغم الحرص على تحقيقه كما جاء في قوله- سبحانه-: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ ﴾ (النساء:129)، وما دامت إقامة العدل بين الزوجات أمرًا مستحيلًا- فإن التعدد كذلك يكون أمرًا مستحيلًا لارتباطه بأمر مستحيل. إن ما علمته مما أورده فقهاؤنا- جزاهم الله عن اجتهاداتهم خير الجزاء- حول هذين الأمرين لم يرح الباحث الراحة الكافية فرأيت أن أوضح ما استخلصته- من مفهوم آيات الله الكريمة التي تناولت هذا الموضوع، آملًا أن يكون فيه حل لما اختلف فيه من الحق بإذنه- سبحانه-. لقد أوضح المشرع الحكم الذي يناسب مختلف الحالات المحتملة وهي ثلاث:- 1-حالة يتكامل فيها عدد النساء مع عدد الرجال. 2-حالة تزيد فيها نسبة النساء على الرجال. 3-حالة تزيد فيها نسبة الرجال على النساء. أما الحالة الأولى: فقد أوضحت الآية الكريمة في قوله- سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:1). إذ يظهر من هذه الآية أن الله- جل جلاله- يخاطب جميع الناس مبينًا لهم أن أصل الخليقة لهذا البشر كان من نفس واحدة- هو آدم وخلق منها زوجها «هي حواء» وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء كثيرات وقد اختار الله لآدم زوجة واحدة وكذلك أوائل أولاده، في وقت كان العالم أحوج ما يكون فيه إلى تعدد الزوجات لزيادة النسل، ومن الآية نستدل على أن الاكتفاء بزوجة واحدة كسنة آدم- هو أصل الطبيعة وطريق الفطرة. وكثيرًا ما ترد في كتاب الله لفتات ناطقة العظة والاعتبار والحث على التفكير والتدبير، وقد أمر الله الناس في صدر هذه الآية بالتقوى ثم ختمها أيضًا بالحث على التقوى والتقوى خشية الله والارعواء من بطشه، ثم أضاف إلى تقوى الله الأرحام وفي ذلك إنذار وتحذير، لنخشى الله، ونتقيه في أرحامنا، وفي تنظيم الحالة الاجتماعية بيننا وحتى لا نقع في فوضى تعود بالوباء والوبال على مجتمعنا من انتشار الأمراض وهتك الأعراض واختلاط الأنساب وهدم كيان الأمة اجتماعيا وخلقيا، وقد تناول رسول الله الأمر بقوله «ص»: «من خشي على عقبه وعقب عقبه فليتق الله» وطالما أن أبا البشر واحد وأمهما واحدة فإنهم جميعًا يشكلون عائلة واحدة ورحمًا وفي الحديث:«كلكم لآدم وآدم من تراب». وعليه يتضح مما تقدم أن الأصل في هذه الحالة «كما توحيه قصة بدء الخليقة لآدم وحواء» أن تكون للرجل الواحد زوجة يحافظ عليها ويعطيها حقوقها دون أن يتعدى على حقوق الآخرين... وهذا في حالة التكافؤ العددى بين الرجال والنساء كأمر تختمه العدالة الاجتماعية وقد جاءت الآية التالية: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (النساء:2) وقد فكرت في هذه الآية طويلًا ومما دعاني إلى إطالة التفكير في ذلك هو: أن هذه الآية تأمر بايتاء اليتامى أموالهم بينما آية اخرى في نفـس السورة تقول: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ﴾ (النساء:6) ولقد ظللت في حيرة من الأمر إلى أن مرَّت بي قصة واقعية هدتني إلى العبرة من هذه الآية الكريمة وما تضمنته من سر ذلك أن رجلًا أحب فتاة وكانت تلك الفتاة خطيبة ليتيم وكان هنا الغنى حافظًا لأمواله وعندما قلت له أن الفتاة خطيبة لفلان اليتيم أجاب بقوله:«إن فلانًا قاصر ولم يبلغ رشده بعد» وعندها انتهيت إلى أن الوصي ربما كان يمنع من اليتيم أمواله متهمًا إياه بعدم الرشد لحاجة في نفسه وهي رغبته في الزواج من خطيبته وفي مثل هذه الحالة التي يتكافأ فيها عدد الرجال والنساء يطلب القرآن إلى الوصي إعطاءه اليتيم أمواله حتى يستعد لأخذ دوره فـى الزواج، أما في غير هذه الحال المغرضة فإنه لا يدفع لليتيم أمواله حتى يمتحن رشده على ضوء تصرفه وخبرته ولذلك لصالح اليتيم أما إذا كانت للوصى مصلحة من شأنها أن تضر بمصلحة اليتيم فإنه أمر يحرمه الشرع الشريف في هذه الحالة وغيرها. وكذلك يكون نفس الحكم إذا كانت وصاية الوصي على شؤون يتيمه يرغب في زواجها فعليه ألا يمسك عنها مالها لغرض في نفسه يضطرها إلى قبول الزواج منه.. ولعل الآية ۱۲۷من سور النساء تشير إلى ما تقدم وهي ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ (النساء:127). وإذا عرف أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج إلا واحدة في حالة التكافؤ العددي بين النساء والرجال فكذلك لا يجوز له أن يستبدل زوجة «خبيثة في نظره» بأخرى تطيب له، معتقدًا أنه ما دام صاحب حق في زوجة واحدة وما دام الطلاق في نظره مشروعًا دون قيد أو شرط وما دام يملك من إمكانيات الزواج ما يمهد له سبيل الاستبدال- فإنه لذلك يستطيع أن يستبدل زوجة بأخرى في حالة التكافؤ العددي- فهذا غير جائز أيضًا، حتى لا يصبح الاستبدال عادة مألوفة في بيئة وتختل موازين التكافؤ، وحتى لا يجني الأغنياء على حقوق الفقراء واليتامى، من النساء والولدان في المجتمع، وحتى لا يجني أحدهم على امرأة قضت زهرة شبابها في عشرته وهو ظلم صارخ وجناية فادحة ومخالفة لما أمر الله به في كتابه حيث يقول- سبحانه-: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (النساء:2). وما أجمل الأثر الوارد عن النبي الكريم الذي يتفق في منطوقه مع لفظ القرآن العظيم في الحكم بالحوب على مثل هذا التصرف حيث يقول- صلوات الله عليه-: «إن طلاق أبي مسعود لأم مسعود حوب» ثم كرر كلمة حوب في مناسبة أخرى فقال- صلوات الله عليه- «إن طلاق أبي سليم لأم سليم حوب» وما الحوب إلا الظلم والإعانات . الحالة الثانية : أما الحالة التي يزيد فيها عـدد النساء على الرجال ، فقد أوضحت الآية الكريمة في قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ ﴾ (النساء:3) ويبدو من الحكم الذي تضمنته هذه الآية- عن الحالة المتقدمة أن عدد النساء فيها يزيد عن عدد الرجال لأن كثرة اليتامى تعني كثرة الأرامل، وهنا تتطلب العدالة الاجتماعية ضرورة العدل مع اليتيم الذي فقد والده وربما فقده شهيدًا في سبيل الله، والحرب إحدى النوازل التي تحل بالأمة وتخل بالموازين الاجتماعية وترتفع بسببها نسبة النساء على الرجال وفي الآية السابقة ما يشير إلى أن أعدل طريق لمواساة اليتامى هو الزواج من أمهاتهم الأرامل إذ ليس في مقدور كل رجل أن يقيم بيتًا لأبناء أخيه الشهيد وأرملته، ولكن الأيسر له أن يضمهم إلى أسرته وبيته ولو ضاق العيش، وكذلك الأمر في يتامى النساء عند فقد أكفأهن من الشباب لدى النوازل تلافيًا للمفاسد وسدًا للنقص في عدد الرجال ومحاولة لموازنة النسبة العددية بين النساء والرجال وإرساء لحياة الطمأنينة والاستقرار. وصيانة للمجتمع الفاضل أن تميد سفينته أو تنحرف به جادته . وفي هذا ما يعالج مشكلة تبدو وكأنها معقدة، بينما حلها في هذه الآية من كتاب الله، ومما يظهر لي كذلك أن التعبير بمثنى وثلاث ورباع ، يعني عدالة التوزيع وعدم الظلم فيه حسب الزيادة في عدد الأموال، غير أنه لا يفوتنا إجمالًا أن نذكر أن التعدد الزوجي في حياة النبي الكريم- بعد سن الثالثة والخمسين أي بعد مغادرته سن الشباب والكهولة- كان لحكمة، حيث لم يكن بين زوجاته بکر سوی عائشة- وكان العكس ممكنًا- على أن بعضهم كان يعوزه نضرة الجمال، وينقصه صبابة من عيش ومال، ويثقل ترمله عبء العيال، ولعل من أهم الدواعي إلى زواجه- (ص)- بعائشة ما أدركه فيها من حدة الفطنة، وتوقد الذكاء، سيما وأن للمواهب في السن المبكرة أشد إرهاقًا، وأوسع استيعابًا وأكثر ادخارًا واحتفاظًا بكل ما يقع عليه ظلها، فكانت تحفظ عنه الكتاب والحكمة وكانت سجلًا أمينًا لأخلاقه وعاداته وتعاليمه. وقد سئلت- رضي الله عنها- عن خلق النبي فقالت:«كان خلقه القرآن» وفيما تقدم ما لا يحتاج إلى تدليل على ما يحمل من خير للإسلام والمسلمين، وقد أنزل الله عليه بعد الآية ٥٢ من سورة الأحزاب وهي: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا﴾ (الأحزاب:52) ويظهر لي من إيقاف الرسول عند عدد معين وتحريم الاستبدال عليه- (ص)- ضمن ذلك العدد أيضًا أن الترخيص لم يكن لمجرد التخصيص والله- سبحانه- أعلم بما يريد. برنارد شو والتعدد: ولا يخفى ما في التعدد من مساعدة على تعويض الأعداد المفقودة فى الحروب، وأذكر بهذه المناسبة ما كتبه الكاتب الإنجليزي المعروف برنارد شو: أنه لحكمة عليا كان الرجال أكثر تعرضًا للمخاطر من النساء فلو أصيب العالم بجائحة أفقدته ثلاثة أرباع الرجال- كان لا بد من العمل بشريعة محمد في زواج أربع نساء لرجل واحد ليستعيد بذلك ما فقده بعد فترة وجيزة ولكن المشكلة: لو فقدنا ثلاثة أرباع النساء.. وذلك بعد الحرب العالمية الأولى هذا وقد طالب النساء في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بإباحة التعدد أو إعارة الأزواج!! الحالة الثالثة: وهي الحالة التي تزيد فيها نسبة الرجال على النساء، فإذا وجد في مجتمع ما مثل هذه الزيادة أن يكتفي بزوجة واحدة رغم ما في هذا الحكم من حرمان لمن جانبهم حظ الزواج، وهذه المجانية على ما فيها من أضرار فإنها أقل بكثير مما عساه يحدث أضرارًا اجتماعية لو عوملت النساء في هذه الحالة معاملة الرجال عند قلة نسبتهم على النساء لأن المرأة في وضعها الأنثوى لا تقبل كرامة وشرفًا وإنجابا أن تكون محلًا للمساومة الرجال ومناوبتهم، كما في ذلك ضياع الأنساب وتفكيك روابط الأسرة. واستحالة قيام مجتمع شريف متماسك، ولعل القرآن الكريم قد عنى أيضًا بهذا الموقف حيث يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ (النساء:3) فليس في الواحدة عول على المحرومين في حالة قلة النساء على الرجال، لأن الواحدة أقل عدد ممكن كما تقدم وبجانب العدل في هذه الحالة وجود محرومين من الزواج لقلة عدد النساء عن الرجال وعدم إمكان تعدد الأزواج، وليس للمرء في مثل هذه الحالة إلا التذرع بالصبر والامتثال لأمر الرسول الأعظم حيث يقول: «يا معشر الشباب من ملك منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه أغض النظر وأحفظ للفرج» وفي رواية أخرى «فإنه له وجاء وذلك لتعذر العدل في هذه الحالة. على أن من ظن في الاكتفاء بزوجة تحللًا من العدل- فقد جانب الصواب وذلك لأن العدل واجب عام في حدود الاستطاعة كمبدأ سماوي وشريعة ربانية يجب تطبيقه مع الزوجـة الواحدة والأمة، امتثالًا لأمره سبحانه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ (النحل:90) والعدل بكل صوره مطلق لا استثناء فيه ولا قيد عليه، وهو ذروة سنام التقوى: «فاتقوا الله ما استطعتم» وفي الأثر «عدل ساعة تعدل عبادة سبعين سنة». وعليه فزيادة النسبة العددية للنساء على الرجال، وتكاثر اليتامى نتيجة لذلك هو الأصل «۱» في إباحة تعدد الزوجات، وليس صحيحًا أن العدل بين الزوجات هو أصل الإباحة، وذلك لأن إقامة العدل مستحيلة بين اثنتين أو أكثر, وأن العدل في الميول ليس في مقدور إنسان ما. وكتاب الله يؤكد استحالة قيام هذا العدل بين النساء لقوله: ﴿جلَّت عظمته وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ ﴾ (النساء:129) والتعبير بلفظ «لن» للتأبيد أي لن تستطيعوا تحقيق هذه العدالة بين زوجاتكم أبدًا، ويؤكد هذا حديث رسول الله- صلي الله عليه وسلم-: «هذا قسمى فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك». فالمقصود إذن بإقامة العدل «1» كما يظهر في الآية الكريمةـ هو العدل الشامل بما في ذلك الأيتام وأمهاتهم واحتلالهم المكان اللائق بإنقاذهم من الحرمان والضياع، وإذا كان الأمر كذلك فيكون ارتفاع نسبة النساء على الرجال هو المرجع والفيصل ويؤيد هذا ما قاله النحاة حين جعلوا من «إن» حرف شرط يجزم فعلين وجعلوا الجزاء شرطًا لوقوع الفعل وحدوثه، أي أن النكاح هنا ثمرة وجزاء لإقامة العدل بين اليتامى وأمهاتهم الأرامل. وهذا هو الحل الأمثل لمثل هذه المشكلة. ولو افترضنا ما ذهب إليه الكثير من أن في الزوجة الواحدة تحللًا من العدالة لكان لزامًا على ضوء هذه القاعدة الاكتفاء بولد واحد لمن لا يقيم العدل بين أولاده بعامل واحد لمن لا يعدل بين عماله، وتلميذ واحد لمن لا يساوى بين تلاميذه في الرعاية. وهذا فيما أعتقد لا يتفق مع سنن الكون العليا وإقامة العدل وقواعد العمران والحفاظ على لبنات المجتمع حتى لا تذهب بها يد التفرق والإهمال والضياع. وألاحظ أمرين بصدد: «ما ملکت ایمانکم» 1 - الرقيق موجود قبل الإسلام وكان ما يشبهه في الإسلام لتوزيع الأسرى في ذمة المسلمين تخفيفًا عن كاهل الدولة، والإماء وافدات طارئات على المجتمع ولم يكن من قبل رقمًا في الحساب ولم يكن جزءًا في التعداد، ولا يغير عددهن النسبة العددية العامة ولا تنحرف موازين المجتمع بهن وعليه فقد أباح الإسلام للمالك لهن ما شاء من عدد بحكم طروئهن على البيئة التي حللت بها. 2- رفع الله سبحانه الإماء من الرق إلى مستوى الزوجات الحرائر وهو نوع من العلاج النفساني لمداواة جروحهم بسبب انتقالهم فجأة من عز الأسرة والبيئة إلى وحشة الغربة والأسر ولذلك أباح الشارع الأعظم للمالكين أن يتعاطف معهن، وأن يخالطوهن على أن الأمة تستكمل حريتها حين تلد لأول مرة وتصبح على قدم المساواة مع غيرها من الحرائر تلطفًا بهن وتخفيفًا عنهن، وهذا طريق من طرق القضاء على الرقيق كما أن الإسلام يدعو إلى العتق عمومًا و يحببه ويثيب عليه، بل وجعله كفارة لكثير من الذنوب، رفقًا ورحمة وتألفًا للقلوب، وإقامة للمودة والعطف بين بني الإنسان كما جعل له بابًا من أبواب صرف الزكاة و نافذة من نوافذ العتق والحرية قال- سبحانه-: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (التوبة: 60) وأمر بمكاتبة الرقيق و إعطاء المكاتب من الزكاة وفي الآية ٣٣ من سورة النور يقول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ﴾ (النور: 33) وقد جاء في الآية ٣٢ من سورة النور: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور:32) وعندما عم الغنى في عهد عمر بن عبد العزيز واستغنى المسلمون عن الزكاة وجه أموالها إلى عتق الأرقاء وبذلك تم القضاء على الرقيق حينذاك الأمر الذي عجزت عن علاجه دول كبرى كما هو معلوم. وفيما وراء الحالات التي سبق ذكرها توجد حالات لا تمتد إليها أساليب الإحصاء لكي تدخل في إحدى الحالات الثلاث السابق ذكرها وهنا يرجع الأمر فيها للعدالة الممكنة والجهد المستطاع. وهذا صوت الشريعة يعلن الحرب على الاضطهاد والظلم وجاهلية العادات والانطلاق من كل القيود في التعدد، ولعله لذلك أمر- صلوات الله عليه- المتزوجين من قبل بتسريح ما زاد عن أربع، وهنا نود أن نقف وقفة عند تعاليم الإسلام بصدد المرأة على وجه عام وإعلان الحرب على ما كانت تلقاه من ظلم قبل ظهوره نعم, إنها حرب على الظلم، وهل هناك ظلم أشد مقتًا عند الله من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان سيما ظلم الرجال للنساء وهن موضع وصاياه ومكان حدبة وحنوه- صلوات الله عليه-، ومما ورد عنه في ذلك:«ثلاثًا ظل يتكلم بها رسول الله حتى تلجلج لسانه وخفت كلامه... «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون الله الله في النساء فإنهن عوان في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله». ومما جاء عنه- (ص)- «رفقًا بالقوارير» أى النساء وما وصاياه- صلوات الله عليه- سوى تطبيق التعاليم القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا إِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء:19) والآية تنهى عن ثلاث خصال حماية للمرأة وإنصافًا لها. 1-تنهى الآية عن احتكار أرملة الأقربين «بالأخوة أو ببنوة العمومة» وفرض القوامة عليها و التحكم في مصيرها كرهًا بحيث تصبح أشبه بميراث، وهي عادة جاهلية ، فكان إذا مات الرجل وله زوجة ألقى أخوه أو ابنه من غيرها أو ابن عمه ثوبه عليها، فيصبح في يده مصيرها بل ويصبح أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بصداق زوجها الميت وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها دون أن يعطيها منه شيئًا. 2-تنهى الآية من عضلها «حبسها» ما لم ترتكب فاحشة مبينة. 3- تنهي الآية أيضًا عن استرداد الزوج كلما أصدقه لزوجته أو جزء منه لأن عقدة النكاح قد ربطت بينهما برباط وثيق غليظ من رغبة وتراض وإيجاب وقبول، وامتزاج ولقاء ومثل هذا لا يدع مجالًا للتراجع فيما أعطى من مهر مهما ثقل وزنه وارتفع ثمنه، وأن المطالبة بالمهر أو بعضه والتراجع فيه يمثل البهتان العظيم والإثم المبين. على أنه لا يجوز للزوج أن يخرج الزوجة من بيته قبل انتهاء عدة الطلاق بدون رضاها. وعليه بعد ذلك أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان، وليس من حقه أن يحبسها إضرارًا واعتداء أو أن يكرر الطلاق لتكرر العدة للنكاية بها. على أن متعـة الطلاق واجبة بالمعروف لقوله- سبحانه- في الآية ۲۳۱ من سورة البقرة: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ وإن شئت المزيد من معرفة الحقوق التي أوجبها الله- سبحانه- على الزوجين وبينها لعباده كي يعقلوها ويطبقوها، فتأمل الآيات ٢٢٦ الى ٢٤٢ من سورة البقرة، ولا بد لنا من وقفة عند قوله- سبحانه-: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ﴾ (البقرة:228) إذ يظهر ذلك أن الرجال والنساء في الحقوق سواء، إلا أن ضرورة النظام، وإقامة دعائم السلام، تتطلب تمييز أحد الجنسين بدرجة ليقود سفينة الأسرة في دائرة العدل والرتابة، وحسن التوجيه، ويستولى على زمام المبادرة بالمعروف والإحسان فكان للرجل مثل هذه الدرجة، ما لم يتنازل عنهـا لزوجته، ولعل ذلك مما يشتمل عليه قوله سبحانه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة:228) ونظام القياد الحكيمة واجب مقدس وضرورة لا بد من تنفيذها لقوله- صلوات الله عليه- فيما معناه:«إذا خرج ثلاثة لسفر فليأمروا أحدهم» وأداء صلاة الجماعة نموذج لما ينبغي أن يكون عليه الناس في ضرورة متابعة الإمام حركة وسكونًا داخل إطار الصلاة المكتوبة بكل شروطها وأركانها، فإن زاد الإمام وأنقص نبهته الجماعة إلى سـهوه بالتكبير، فإن أصر على موقفه وخالف إجماعهم، فارقوه وعينوا سواه، وقد كان أمراء المسلمين أئمة لهم في الصلاة، والزوج في محراب بيته إمام تجب طاعته ما أطاع الله ورسوله «ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» وعلى الرجل القيام بكفالة الزوجة ورعاية البيت والأولاد في حدود إمکانیاته دون أن تحتمل الزوجة شيئًا من النفقة ولو كانت غنية ما لم تطب نفسها عن شيء من مالها له، ومرة أخرى نردد قول الكتاب الكريم: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ﴾ (البقرة:228) هذا وقد منح الإسلام المرأة حقوقًا إيجابية معروفة لا بد من الإشارة إليها: أ - أن من حقها أن ترفض زواج متزوج بأخرى قبلها. ب- من حقها أن ترفض من لا تريد من الخاطبين. جـ - أن من حقها أن تشترط على زوجها عند العقد عدم الزواج بأخرى بعدها. عودة إلى الإحصاء : وقبل أن أختم البحث يبدو لي أن هناك أمرًا لا بد من أخذه بعين الاعتبار عند الإحصاء الذي سبق ذكره وهو زيادة سن زواج الفتى عن الفتاة كأمر طبيعي للاعتبارات الآتية: أ - رغبة الفتاة في الزواج من كفء قد تزيد عن رغبتها في إتمام دراستها مثلًا، ويؤيدها في ذلك الأهل والأصدقاء بينما إقبال الفتى على الزواج بصفة عامة- دون ذلك، لأنه يرى أن إتمام دراسته أو تدبیر مصدر معیشته أمر ضروري لمستقبله ومسؤوليته كزوج ووالد، ويؤيده في ذلك أهله وذووه أيضًا. ب- وفاء الفتاة لأنوثتها من حمل وولادة وإرضاع وتربية وتنسيق البيت وإعداده- مما يستلزم أن تكون سنها دون سن الزواج حتى تكون محل رضاه متجاوبة مع فاعلية ما جرته عليه السنون أيضًا. جـ - أخطاء الشباب في نظر أكثر البيئات لا تعتبر عيبًا أو جرحًا داميًا بالقدر الذي ينظر فيه إلى أخطـاء الشابة إذ تنظر البيئات إلى سلوك الفتاة نظرة خاصة وتتابع سلوكها بعين فاحصة يقظة مما يجعل أى خروج عن تقاليد البيئة أمر تدور له كرامة الأسرة والأقارب جميعًا، وقد تكون هذه المراقبة أخف بكثير من الرقابة عليها بعد الزواج حيث يحمل الزوج هذه المسؤولية بصفة أساسية. د- لا يعتبر الرجل عند وصوله إلى سن الأربعين- في وضع يخرجه من دائرة الترشيح للزواج بينما إذا وصلت الفتاة إلى مثل هذه السن قد تعتبر نفسها في حالة يأس وقد لا تفكر في الزواج كلية «1» ويظهر مما تقدم أن نسبة النساء تزيد عن نسبة الرجال في حالة التساوي العددي، والمثال فإنه قد يتزوج من بلغ سن الأربعين بابنة امرأة بلغت سن الأربعين أيضًا، وفي مثل هذه الحالة تعتبر نسبة عدد النساء ضعف نسبة الرجال من حيث الواقع لا من حيث العدد أما إذا كان معدل زواج الرجل في سن الثلاثين والأنثى في سن العشرين. فإن نسبة النساء من حيث الواقع تبلغ مرة ونصفا من عدد الرجال، وإذا كان معدل سن الزواج في الرابعة والعشرين والزوجة في الثامنة عشرة- انخفضت نسبة الزيادة في النساء إلى مرة وربع بالنسبة للرجال، فينبغي إذن ملاحظة هذه الأحوال عند الإحصاء حتى يكون العلاج بلغة التطبيق العملي لا بمنطق الأرقام المجرد. وقبل أن أنهي البحث أود أن أشير في نهايته إلى بعض ما يحدث ويثار حوله في مختلف المجتمعات، فلقد حدث للأخ الدكتور علي عبد المنعم عبد الحميد الأستاذ بجامعة الكويت عند مناقشة رسالته التي قدمها لنيل شهادة الدكتوراه في باريس- ماحمله على أن يكتب لي ما استدعى إرسال هذا البحث إليه مستأنسًا برأيي فيه وقد علمت منه بعد، أن من أكثر المتحدين له صوت یهودي يشغل منصب سكرتير هذه الجامعة، وقد كان الدكتور علي يعلم اهتمامي بهذا الموضوع ويعلم رأيي فيه، فقام بترجمته وتقديمه الى الجامعة فطلب عميدها النسخة العربية فكانت محل رضاه ورضاء أساتذة الجامعة ومن بينهم ذلك السكرتير، وكان من نتيجة الرضا عن هذا البحث أن طلب الدكتور علي تسجيله بين مراجع الجامعة، فكان له ما أراد، ومما رواه أيضًا أن إحدى كبريات الصحف في باريس وهي «الموند» قد نشرت ملخصًا لهذا البحث في عمودين. وبهذه المناسبة أذكر أنه قد ضمني اجتماع في إحدى المصحات البريطانية ففوجئت بما يفاجأ به سواي من المسلمين حول هذا الموضوع وسئلت كم تحت يدك من زوجات؟ ومن الواضح أنه سؤال يقصد به الفكاهة وإضحاك الحاضرين، فبادر أحد الحاضرين من الإنجليز وقال ما معناه: اسمحوا لي أن أعلن رأيي في تفضيل. ما يقوم المسلمون به على ما ينغمس فيه المجتمع الغربي مثلًا من إباحة الصداقات غير المحدودة بين الرجال والنساء متزوجين وغير متزوجين، مما من شأنه أن يدفع بالمجتمع إلى أتون الفوضى الخلقية، وتفكك أواصر الروابط الزوجية ويلحق أبناء لآباء مجهولين لا رابطة بينهم ولا وفاء. أما الإسلام فإنه ينظم هذه الصلات بين الذكر والأنثى ويحددها بتراض و إعلام وتعاقد مشروع، فبادرت بشكر هذا الإنجليزي الذي نطق بما يعتقده حقًا مفضلًا. 1- ونرجو ألا يغيب عن البال أن التي افقدت الملك إدوارد الثامن عرش بريطانيا كان عمرها ٣٨ سنه حينذاك. ومما هو جدير بالذكر أنه حدث لي شخصيًا من نحو أكثر من عشرين عامًاـ أن زرت وبعض الاصدقاء منزل الأستاذ زهدى يكن رئيس محكمة التمييز في لبنان آنذاك، في وكان بين الحاضرين السادة محمد بركات ومحمد الزين وموسى أبو رضوان، وقد صادف تواجد مدرسة لبنات رئيس المحكمة وهي آنسة في العقد الثالث من عمرها وكانت متحدثة قوية تشهر بظلم الرجال وتدعو إلى تحريم التعدد وربما خرجت في بعض تعبيراتها عما يقره الإسلام في هذه الناحية فحاولت إقناعها قرابة ساعتين: بأن تعدد الزوجات ضرورة اجتماعية قد تحتمه العدالة الإنسانية فلم يزدها الحديث إلا إصرارًا وتعنتًا وبعد أن نفد كل ما يمكن أن يقال في هذا المجال، همست إليها بأنني رجل متزوج خارج لبنان ولي في لبنان مصالح تضطرني إلى الحضور إليها بين آونة وأخرى فلو أنني عقدت عقدًا شرعيًا على إحداهن وكان لي منزل أستقر فيه بدلًا من الفنادق التي أغشاها عادة، فهل ترين في ذلك بأسًا وأن تكوني هذه الفتاة المختارة لهذا المنزل، فأطرقت برأسها تفكر في هذه المفاجأة ثم رفعته وردت بالإيجاب فقلت لها: وهل ترين مانعًا من إخطار سعادة زهدى بك بالأمر فأومأت بالنفي، فأخبرت سعادته وأسمعت الحاضرين ما تم بيننا فقال لي: هل لديك قطعة فضية فقدمتها له فتناولها وناولها لها وصاح، صح العقد على هذا المهر فانطلقت الأكف تصفيقًا، والحناجر ضحكًا وتهلهلًا، وتبريكًا بالزيجة الجديدة، ثم زفنا الحاضرون إلى سيارة بالباب فركبت إلى جوار السائق وركبت هي في المقعد الخلفي وسألتها قبل تحرك السيارة همسًا: فين تنزلين؟ فثارت ثورة عارمة وفتحت باب السيارة ونزلت غاضبة بينما زهدى بك يكن والأصدقـــاء يشهدون هذه الثورة فسألتهم: ماذا حدث للفتاة؟ فقالوا: لا ندري؟ فقلت: أسألوها ماذا جد؟ فسألها زهدى بك فكان ردها سبًا وشتمًا لشخصي خاصة ولجنس الرجال عامة فوجهت إليها سؤالًا عن طريق زهدي بك: هل تعتبرين الأمر منتهيًا بيننا فكان ردها مزيدًا من السب والشتائم، فقلت: اشهدوا أيها الرجال أن ما بيننا قد انتهى أمره، وحلت عقدته وكان ذلك رجوعًا منها عما كانت تعتقده وتثيره في كل مجلس، بل كان ذلك إرساء عمليًا لقواعد الإسلام، وصدى لما في صدرها من كمد اليم، وحرمانها من رجل يطلب يدها وينفس عنها، فتركزت حملتها على مبدأ التعدد تنفيسًا عن همها المكبوت. ولا شك أن لها مثيلات في وضعها يحقدون على رجال لهم حرية الطلب لأكثر من يد بينما هي لا تستطيع أن تتقدم لطلب زوج واحد يسعد حياتها و يملأ فراغها. ولأن يعترف الإنسان بضرورة هذه الاعتبارات، خير له من أن يصب غضبه على مثلها ويصب مثلها غضبه ونقمته على ما جعله الله دواء للمجتمع، وشفاء لمثل هذه الفتاة، لو أن قواعد التزاوج قامت في ظل إحصائيات رتيبة وأخذت مكانها من عناية أولياء الأمور كغيرها من الشؤون الهامة في توفير الأغذية والأكسية والتعليم والعلاج والمسكن، وكان ذلك على أساس من الواقع في الأخذ بعين الاعتبار رغبة غالبية الفتيات في الزواج المبكر وغالبية الفتيان في الزواج المتأخر كما تقدم. ومما يجدر ذكره أنه لقد أصبح معروفًا مألوفًا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وجود زوجات غربيات دائرة الزوجية الكريمة لرجال متزوجين بغيرهن، وقد كن سلفًا وبحكم البيئة الغربية ممن ينظرن إلى نظام التعدد نظرة مقت فأصبحت الآن يرفلن في ثوب الرضا والارتياح مع ضرائرها الأخريات، أو على الأقل فإن وضعها كزوجات خير لهن من متاعب الحرمان ومتاهات الفراغ. وبينما يثوب التفكير العالمي الآن إلى رشده تحت ضغط الضرورة لحفظ التوازن النسبي بين عدد الرجال والنساء ورعاية للعدالة الاجتماعية بصفة عامة ورحمة بالأيتام بصفة خاصة تمشيًا في ذلك مع المبادئ الإسلامية بقصد او بغير قصد، وبينما تتراجع حملة التشهير بالإسلام في هذه الناحية، يتشبث بعضنا بذيل هذه الأفكار الدابرة متمرغين في ترابها، معلنين الثورة على غيرها جريًا وراء بريق خادع وأخذًا بمبادئ حان وقت أفولها وخبت نيرانها لا لغرض إلا أن يكون في الحياة شيئًا مذكورًا، وإن كان في ذلك نتوء عن الصف السوي وخروج عن صمت الجماعة وجهل بحكمة التشريع، ولكن لا بد من ساعة نعود فيها جميعًا إلى مشرق التشريع وينبوع الهداية إلى صراط مستقيم. «1»هذه بعض حكم تعدد الزوجات. أما مشروعية الإباحة وليست مقيدة إلا بأمرين: القدرة.. والالتزام التام بالإسلام في المعاملة. «المجتمع» (1) العدل القلبي متعذر لأن الإنسان لا يملك قلبه.. أما العدل المستطاع في العشرة والاتفاق. فأمر مطلوب من كل مسلم «المجتمع»
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 20

134

الثلاثاء 28-يوليو-1970

الأسرة_ العدد 20

نشر في العدد 29

137

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

الأسرة (29)