; حول بيان الـ ٩٩.. والعودة إلى دستور ١٩٤٦م | مجلة المجتمع

العنوان حول بيان الـ ٩٩.. والعودة إلى دستور ١٩٤٦م

الكاتب الطاهر إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

مشاهدات 72

نشر في العدد 1424

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

إن أي إصلاح، سواء أكان اقتصاديًّا أم إداريًّا أم قانونيًّا، لن يحقق الطمأنينة والاستقرار في البلاد، ما لم يواكبه بشكل کامل وجنبًا إلى جنب الإصلاح السياسي المنشود، فهو القادر على إيصال مجتمعنا شيئًا فشيئًا إلى بر الأمان.

بهذه الكلمات القليلة المعبرة ختم تسعة وتسعون مثقفًا سوريًّا بيانهم المقتضب، الذي أذاعته مختلف وسائل الإعلام -عدا وسائل الإعلام السورية- يوم ٢٧ سبتمبر الماضي.

وقبل أن أتعرض إلى ما تضمنه البيان لا بد لي من أن أتوجه بالشكر إلى هذه المجموعة من المثقفين الذين تداعوا للإقدام على هذه الخطوة الجريئة، والتي لن ينقص من قيمتها أنها جاءت متأخرة أكثر من ثلاثة عقود. ولا شك في أن الذين صاغوا ذلك البيان لينتظرون من باقي المثقفين أن يقتدوا بهم، ليعلم القاصي والداني أن المثقف السوري هو نبض الوطن، وأنه مهما توارت كلماته، فإنها مواراة في الصدور، تنتظر الفرصة المناسبة لتُعلَن على الملأ: «إن صدق المواطنة أقوى من عوامل الحجب والمنع والشطب والإلغاء».

ومما لا ريب فيه أن المطالب التي احتوى عليها البيان الذي توجه به هؤلاء إلى السلطة جاء ليعبر بما حوى من استحقاقات أساسية عن تطلعات الشعب السوري بكل شرائحه الاجتماعية، ولا تكمن أهمية هذا البيان في حساسية المطالب -وهي على جانب كبير من الأهمية والخطورة- التي وردت فيه فقط، بل لأن هذه الشريحة التي وقعت على هذا البيان، لم يكن يظن النظام أنها في يوم من الأيام يمكن أن ترفع صوتها منتقدة، وعلاوة على ذلك فكل أفرادها إما مقيم في سورية أو يتردد عليها باستمرار، أي أنهم في الأصل لا يعانون كما يعاني غيرهم من أزمة جغرافية أو تاريخ، ونسي النظام -في جملة ما ينسى- أن هؤلاء المثقفين جزء من الشعب، تعكس تطلعاتهم أماله وآلامه، هذا أولًا. وثانيًا: فن انشغال هؤلاء المثقفين بفروع الثقافة التي يعملون فيها لم يكن ليعني أنهم أغمضوا أعينهم عن حال البلد الذي يغرفون ثقافتهم من معينه، لذلك بادروا إلى إبداء رأيهم، ولا نظن أنهم يزايدون على أهل السياسة لأن الموقف موقف عطاء ومسؤولية، قبل أن يكون موقف ظهور وشهرة. وثالثًا: فإن خطورة ما احتوى عليه البيان من أمور أساسية طالبوا بتحقيقها تكمن في أن هذه المطالب هي أهم مقومات المجتمع المدني الديمقراطي، وأن الإخلال ببعض هذه الأسس، فضلًا عن الإخلال بها كلها، يعني أن معاول الهدم تفعل فعلها في هذا المجتمع.

ولقد حاول البعض التقليل من قيمة هذا البيان بالقول: «إن ما ورد في هذا البيان، قد جاء على لسان قادة أحزاب من «الجبهة الوطنية التقدمية» أو في تصريحات لمسؤولين رسميين بمناسبة الاستفتاء على ولاية الرئيس بشار الأسد، انظر ما كتبه مراسل «الحياة» من دمشق في أكتوبر ۲۰۰۰م». أما قادة «الجبهة الوطنية التقدمية» فإنهم بقوا صامتين طيلة ٢٨ عامًا من عمر هذه الجبهة، ولم يحركوا ساكنًا، وأما تصريحات المسؤولين الرسميين، فإن المثقفين الذين وقعوا على «البيان» شعروا أنه قد مر وقت كاف، كان بإمكان هؤلاء المسؤولين أن يقرنوا تصريحاتهم تلك بالعمل، ولذلك بادروهم ببيانهم هذا ليذكروهم بتصريحاتهم تلك.

ولكن ما ملابسات اللقاء الذي تم فيه صياغة بيان مجموعة المثقفين السوريين الـ ٩٩؟

ابتداء لا بد من التنويه بأنه منذ استلام بشار الأسد، جرى بعض التغيير، وإن كان لا يزال طفيفًا، وإن أسئلة جديدة أخذت تطرح، وإن كانت الإجابة عنها ما زالت غامضة، فحتى الآن ما زال الحديث يتناول تحسين -وليس تغيير- ما كان قائمًا، والتغيير الجذري ما زال يجد مقاومة من أصحاب النفوذ، وجماعة الحرس القديم.

وقد نقلت «الهيرالد تريبيون» عن مصدر سوري لم تذكر اسمه، أن مجموعة من الكتاب والفنانين والمثقفين السوريين اجتمعوا الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر الماضي في منزل في ضواحي دمشق ليبدأوا ما أطلقوا عليه «الحوار الوطني» حول البنية السياسية في سورية، وصرح الذين دعوا لهذا اللقاء أنهم يأملون من هذه المبادرة «إشعال شرارة حوار أوسع حول النظام السياسي في سورية، وكيفية إقامة مؤسسات مدنية فيها بعد أن تركزت فيها السلطة على مدى ثلاثة عقود بيد رجل واحد وأعوانه...». وإذ لم يكن مثل هذا اللقاء ممكنًا في عهد الأسد «الأب»، فقد تندر بعض الحاضرين بأنهم متأكدون من أن عناصر المخابرات قد اقتفت أثر الحاضرين وسجلت ما دار في الاجتماع، ومع ذلك فقد تضمن الاجتماع الذي دام أربع ساعات بعض الكلمات الحادة، فقد نقل أحد الحاضرين أن أنطون مقدسي -كاتب وأستاذ جامعي فُصل مؤخرًا من عمله في وزارة الثقافة بسبب «رسالة نصيحة» وجهها للرئيس بشار وهو أحد الذين وقعوا على الدعوة بالحضور- قال مخاطبًا الذين حضروا اللقاء: «على الحكومة أن ترفع السيف عن ظهور أبناء الشعب».

الاستحقاقات السياسية التي تضمنها البيان: صيغت ديباجة البيان بكلمات قليلة ومعبرة، وكان من أهم ما دعا إليه المثقفون «إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية المطبقة في سورية منذ العام ١٩٦٣م». ودعوا إلى «إصدار عفو عام عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والضمير والملاحقين لأسباب سياسية والسماح بعودة المنفيين السياسيين». وحض البيان على «إرساء دولة القانون، وإطلاق الحريات العامة، والاعتراف بالتعددية السياسية والفكرية، وحرية الاجتماع والصحافة والتعبير عن الرأي، وتحرير الحياة العامة من القوانين والقيود وأشكال الرقابة المفروضة عليها».

وبنظرة فاحصة إلى المحاور الأساسية التي احتوى عليها البيان أعلاه تتضح الأمور التالية:

أولًا: لقد حاول المثقفون أن يضعوا بيانهم بصورة موجزة، وألا يدخلوا بإسهابات طويلة تضيع المعنى الأساسي الذي أرادوه من بيانهم، وبهذه الصورة يمكن أن يجادلوا السلطة إذا ما دعوا للمساءلة أمامها ويدللوا على صدق ادعائهم، ما داموا قد حددوا مطالبهم بشكل مختصر ومفيد.

ثانيًا: ذكر البيان أن سورية تحكم بقانون الطوارئ والأحكام العرفية منذ عام ١٩٦٣م، ولا يزال في السجون الأمنية أكثر من ۱۳۰۰ معتقل سياسي -بحسب تقدير منظمة العفو الدولية- زادت مدد اعتقال معظمهم على ۲۰ عامًا، وهناك عشرات الآلاف من المشردين والملاحقين سياسيًّا لا يستطيعون العودة إلى سورية، بل إن معظمهم محرومون هم وأسرهم من الوثائق الضرورية لهم لإثبات انتمائهم إلى وطنهم، وإذا كان ما ورد في بيان المثقفين يمثل تعبيرًا عن الواقع بكل ظروفه شبه المأساوية، فإن هذا يعني بوضوح أن بلدًا هذا وضْعه السياسي والأمني، لا يزال يفصله بون شاسع عن الديمقراطية، وأن الخروج من هذا الوضع الشائك يُعد خطوة أولى لابد أن يتبعها خطوات تتمثل في إرساء دولة القانون، وإطلاق الحريات العامة والاعتراف بالتعددية السياسية والفكرية، وما يتبع ذلك من إطلاق حرية الصحافة والتعبير، وإلى ما هنالك مما ورد في قاموس «الحرية» التي جعلها حزب البعث الهدف الثاني من أهدافه. وإذا كانت القيادة الحالية راغبة فعلًا فيوضع سورية على طريق الديمقراطية الحقيقية -نرجو ذلك- فإنها يجب أن ترفع يد الحكومة عن جميع مؤسسات المجتمع المدني، خاصة الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، والاتحادات الثقافية، وأن تترك الشعب السوري يشارك في رسم أسلوب الحياة الذي يريد.

ثالثًا: ما جاء في البيان يلخص ما جاء في أول دستور لسورية وهو يطالب بالعودة بسورية إلى المحاور الأساسية التي احتواها ذلك الدستور، فلم يكن في ذلك الدستور قانون للطوارئ يصادر الحريات بحجة حماية الاستقلال، ولا أحكام عرفية تجعل وزير الداخلية حاكمًا بأمره لا ينضبط بدستور ولا قانون.

وقد جعل دستور عام ١٩٤٦م حرية المواطن مصونة، فليس هناك اعتقال تعسفي أو احترازي، ولا يقف أي مواطن إلا بمذكرة توقيف من قاضي التحقيق، ولا يعزل من الحقوق المدنية إلا الذين حكموا بجريمة أو جرم شائن ولمدة محدودة يحكم بها القاضي الذي أصدر الحكم. وقد تم رفع الحجر عن الكلمة، لدرجة أن يقف الشاعر الكبير عمر أبو ريشة وهو يندد بـ «جميل مردم» رئيس الوزراء في ذلك الوقت، منشدًا في حفل مدينة «حلب»:

لا يلام الذئب في عدوانه          ***           إن يك الراعي عدو الغنم

كيف ترقى أمة عزتها               ***            وبها شبه جميل المردم

ورفض محافظ حلب اعتقال الشاعر عندما طلبمنه ذلك رئيس الوزراء المذكور.

وقد نص دستور عام ١٩٤٦م على التعددية السياسية وحرية تشكيل الأحزاب، فكان الطيف السياسي يضم مختلف الأحزاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكان نواب حزب البعث يجلسون جنبًا إلى جنب مع نواب الإخوان المسلمين ويشتركون جميعًا في لجان مجلس النواب المختلفة.

كما أن دستور عام ١٩٤٦م. كفل حق إصدار الصحف، فلم تكن الصحف ملكًا للدولة أو للحزب الحاكم، وكان لكل مواطن الحق في إصدار صحيفة أو أكثر إذا استوفى شروط الإصدار، ولا تغلق أي صحيفة إلا بحكم محكمة مختصة. ورغم قصر مدة الحكم الديمقراطي فقد مر على سورية رجال ما زال مَن عاصرهم يذكرهم بكل خير، يذكر منهم أول رئيس للجمهورية بعد الاستقلال شكري القوتلي، ولا تزال الذاكرة تحفظ في تلافيفها كيف فشل «صبري العسلي» في الدور الأول لانتخاب مجلس النواب واحتاج إلى دور ثان ليتم انتخابه -وبصعوبة- نائبًا إلى مجلس النواب، وقد كان رئيسًا للوزارة أثناء إجراء الانتخابات تلك. أما سعيد الغزي «وهو محام شكَّل الوزارة أكثر من مرة في الخمسينيات»، فقد كان يُرى اليوم رئيسًا للوزارة ثم تسقط حكومته بعد أن يحجب مجلس النواب الثقة عنها، وفي اليوم التالي يُرى في «القصر العدلي» متابعًا لقضايا موكليه، وقد عاد يكسب عيشه من ممارسة المحاماة، فهو لم يستعمل منصبه في الإثراء غير المشروع، كما كان يفعل بعض رؤساء الوزارة في العهود غير الديمقراطية.

الرابط المختصر :