العنوان حول برنامج عالم غريب في إذاعة الكويت
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-سبتمبر-1974
مشاهدات 88
نشر في العدد 216
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 03-سبتمبر-1974
الروح
مجهولة حقيقتها
لا يقدر على استحضارها إلا الله
جاءنا من الأخ الكريم «أبو درويش الجامعة الكويتية» رسالة تنكر ما جاء في برنامج الإذاعة بعنوان «عالم غريب» والذي أذيع في يوم 23-8- 1974 في تمام الساعة الثامنة والنصف صباحًا.
وهذا البرنامج كان يعالج موضوع تحضير الأرواح، مما جعله يستشهد في صحة هذا الاتجاه بحادث وقع للرئيس الأميركي المعروف «إبراهام لينكولن» عندما جاءته روح بعض المفكرين الأدباء عن طريق سيدة ... ذات باع في هذا المضمار، ثم... الحديث بينهما عن العبيد وضرورة.... وقد وعد الرئيس الأميركي.... الروح بتنفيذ هذا، وكان من جراء... أن أعلن في اليوم التالي على هذه... قانون يقضي بتحرير العبيد.
ولا يسع «المجتمع» إلا أن تقول كلمة موجزة في هذا الصدد إبراء للذمة وتوضيحًا للحقائق، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيل﴾.
إنه ما يزال مشاهدًا في كل وقت أن بعض الناس يملكون خصائص لــم يكشف العلم عن كنهها بعد. لقد سمى بعضها بأسماء ولكنها ما زالت في طور الاحتمالات، وأيضًا لم يحدد كنهها ولا طرائقها بعد.
فهذا «التلباثي» التخاطر عن بعد ما هو؟ وكيف يتم؟ ومتى يمكن للإنسان أن يزاوله؟ بحيث يدعو إنسانًا على أبعاد وفواصل لا يصل إليها صوت مباشر دون هاتف سلكي أو لاسلكي أو أقمار أو غير ذلك كشوف وعلوم.
وهذا التنويم المغناطيسي أيضًا ما هو؟ وكيف يتم؟ كيف يقع أن تسيطر إرادة على أخرى مع امتزاج فكر بفكر؟ فإذا أحدهما يوحي للآخر وأحدهما يتلقى عن الآخر كأنما يقرأ أحدهما من كتاب مفتوح.
هذه الأحلام التنبؤية كيف أرى رؤية عن مستقبل مجهول ثم تأتي بعد حين كأنها فلق الصبح؟ الأمر الذي جعل «فرويد» يحاول عبثًا أن ينكر هذا النوع باعتباره مرتبطًا بقوة روحية غيبية، ومع ذلك لم يستطع إنکار وجوده كواقع ملموس في دنيا الناس.
هذا السحر والسحرة والتدجيل والشعوذة، فكيف يتم وما هو حقيقته؟ فقد تكون من صوره القدرة على الإيحاء والتأثير، إما في الحواس والأفكار، وإما في الأشياء والأجسام. وقد تكون أيضًا من قبيل التمثيل لا حقيقة له في عالم الواقع والإدراك.
كذلك تحضير الأرواح «وهو بيت القصيد» أهو حقيقة أم دجل؟ أهو في الإمكان أم خارج عن قدرة الإنسان؟ وما هو الشاهد العلمي أو الديني على هذا أو ذاك؟ كل هذا هو الذي سوف يكون موضوع هذه الكلمة.
إن الواجب علينا حين ترد علينا قضية من قضايا العلم أن نتريث في قبولها حتى نستوثق من أن ثياب العلم لا تخفي وراءها أو تحتها باطلًا من أباطيل المغرضين. كما أن الأمانة العلمية أيضًا تقتضي منا ألا ننفي ببساطة كل ما يرد إلينا لمجرد أن العلم لم يهتد بعد إلى وسيلة يجرب بـها هذا الوارد. وليس معنى ذلك أن التسليم الكلي بكل خرافة والجري وراء كل أسطورة، وإنما الأسلم والأحوط أن يقف الإنسان موقفًا مرنًا أمام هذه المجاهيل لا ينفي ولا يثبت حتى يتمكن بوسائله المتاحة ودلائله الدافعة لدحض هذا الادعاء أو الإقرار به شرعًا وعقلًا وعلمًا.
إن عالم الروح وما يتعلق به سواء كانت في الأشباح تمارس دورها في الحياة التي قدر لها، أو كانت في الأموات بعد إسدال الستار على المسرحية كلها يحتاج إلى تحديد وتنقيط حتى نتبين وجه الصواب إن شاء الله من خلال هذه الحياة العاجلة، وهي الدنيا، أو الآجلة، وهي الآخرة.
في هذه الحياة وحتى كتابة هذه السطور لم يثبت ثبوتًا قاطعًا لا من جهة الدين على مدار مراحله، ولا من جهة العلم على تقدمه، لم يثبت أن أحدًا تطفل على الحي وقال شيئًا عن حقيقتها أو كيفيتها أو كنهها. فهي من الأمور التي عجز العلم أن يتحدث عنها وإن آمن بها عن طريق آثارها كالأثير والكهرباء، وما إلى ذلك من أمور.
لقد جاء في بعض الآثار أن اليهود في إبان الدعوة الإسلامية أرادوا أن يحرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم أمام قريش، فأوعزوا إليهم أن يسألوه عن أمور جاء فيها ذكر الروح، فكانت الإجابة دافعة إليهم من الله سبحانه، وهي تتضمن قصور العلم البشري مهما أوتي، وتتضمن أيضًا أنها من أمر الله الذي لم يشأ سبحانه أن يطلع أحد عليه، فقال عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85).
٢- إن الأرواح بعد الممات لها أماكن حددها الشرع تحديدًا واضحًا، ولم يتطاول العلم أن ينكر هذا التحديد وتلك الأماكن؛ رغم تدخله في كل شيء، والمقصود بالعلم الثابت براهينه المستقرة قوانينه، ولو على سبيل الترجيح، ولم يكن المقصود بالعلم الدجل والشعوذة والتخيل والهوس الذي -إن شاء الله- سوف يتضح زيفه.
فهناك من النصوص ما تثبت أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تغدو وتروح تحت عرش الرحمن، وهناك أيضًا ما تثبت أنها على شواطئ أنهار في الجنة، وهناك ما تثبت أنه تصير في نعيم دائم في قبورها، إلى آخر ما جاء في تلك النصوص من أخبار لا يتسرب إليها الشك، سواء كانت قرآنية أو من السنة المحمدية.
وكذلك الأرواح الخبيثة فقد ثبت أنها حبيسة في أماكن عقابها، كما قال تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: 46).
فالمراد بالعرض هنا صباح مساء الغير، وقال تعالى عن قوم نوح: ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ (نوح: 25) والفاء هنا تفيد الترتيب والتعقيب؛ بمعنى أنهم عندما عصوا نوح عليه السلام أغرقوا، وعندما أغرقوا أدخلوا النار مباشرة.
3- بقي الآن الإتيان بها من هذه الأماكن، سواء كانت مواضع النعيم أو مواضع الجحيم، إن الذي يقدر على هذه النقلة هو الله سبحانه وتعالى وحده وليس غيره، كما فعل مع رسوله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء حيث أتي له بالأنبياء على اختلاف الأماكن في الرفعة والرقي، كما علمنا ذلك في رحلة المعراج أين كانوا؟ وكما فعل مع عيسى عليه السلام عندما أعطاه معجزة إحياء الموتى وكما فعل مع موسى عليه السلام في قصة البقرة حين أحيا الله القتيل بعد ضربه ببعض عظام البقرة لينبئ عن قاتله، إلى آخر ما جاء في هذا الصدد من نصوص كلها تفيد عظمة الخالق وقدرته، وتثبت عجز الإنسان وقصور قدرته.
هذه كلها أماكن نعيم؛ أما أماكن الجحيم فهي واضحة في حادث الإسراء حين بعث الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بعض الشريرين كآكل الربا، والزناة، والمغتاب، وكخطباء السوء وغير هؤلاء، وأولئك كان إذا سأل جبريل عن صورة من هذه الصور كان يجيب بقوله: «إنهم أناس من أمتك يفعلون كذا كذا…» إلى آخر ما جاء في هذا النص وما شابهه من آثار.
فإذا جاء اليوم ممن يقول إنه بوسيط عن طريق امرأة أميركية ذات باع في هذا الصدد، ثم تحدثت هذه الروح عن مشكلة الزنوج وضرورة تحريرهم، كما جاء في برنامج الإذاعة بتاريخ 23- 8- 74، أو كالذي جاء في بعض الصحف المصرية بتاريخ 24- 10- 58 من أن شوقي يتمزق على مصير الشعر العربي، وذلك عن طريق امرأة مصرية، وكذلك ما يصدر عن بعض وسائل الإعلام بدون تحقيق ولا تدقيق…
إذا جاءنا اليوم من يقول هذا فنحن نجابهه بالآتي:
أ- إن عالم الروح عالم غيــبي، والغيب لا يعلمه إلا الله، ومن شاء من الرسل كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ (الجن: 26، 27)، فهل هناك من رسول بعث بعد محمد صلى الله عليه وسلم؟ الجواب اليقيني الحاسم: لا.
ب- إن الذي تحكون عنه أن صح حضوره فلا يعدو كونه جنًّا يتعامل معه بعض أفراد المجموعة، بدليل بسيط جدًّا وهو أنه لا يستطيع أن يأتي بغيب يفيد المستقبل، وإن أتى بغيب ثم وقوعه بخلاف المسائل الفلكية وما هو معروف في عالم الأرصاد؛ لأن القرآن وضح أن الجن لا يعرفون غيب المستقبل كما قال سبحانه عن موت سليمان عليه السلام: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
وعلى هذا فإن أرواح الموتى لا سلطان لأحد عليها بتسخير أو تحضير؛ لأنها إما في روضة من رياض الجنة أو في حفرة من حفر النار، كما أشار إلى ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم، وأن الحياة هناك بعد الموت حياة برزخية لا يعلمها إلا الله.
ج- لقد روي أن بعض الشهداء عندما رأوا من النعيم والفضل اللذين منحهما الله لهم أرادوا أن يبلغوا إخوانهم هذا حتى لا ينكصوا عن واجبهم، فلم يرض الله سبحانه بعودتهم، بل أعلمهم أنه سوف يخبر نبيه بذلك، فأنزل آية الاستبشار.
وروي أيضًا أن بعض أقارب الشهداء كانوا إذا أكلوا أو شربوا شيئًا طيبًا ذكروا ذويهم فجزعوا وحزنوا، فأنزل الله ما يطمئنهم عليهم، وهي آية الاستبشار أيضًا في آل عمران.
وروي أيضًا أن بعض الشهداء عندما اغتيلوا خيانة لم يعرف عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعلمه ربه بهذا الحادث؛ رغم أن هؤلاء الشهداء كانت أمنيتهم الوحيدة أثناء لفظ أنفاسهم الأخيرة إبلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرهم، ولولا ربه سبحانه ما كان يعلم من حقيقتهم شيئًا.
د- إذن فهل كان تحرق الوسيط الأميركي على قضية الزنوج، أو تمزق الوسيط المصري على قضية الشعر، أكثر من حرص هؤلاء الشهداء على دعوتهم وإعلامهم رسولهم بالخيانة والخونة؟
وهل أرواح الشهداء في سبيل الله أقل شفافية من روح المفكر الأميركي أو الشاعر المصري؟ لدرجة أنهم يعجزون عن الإتيان لرسول الله في الوقت الذي يأتيان فيه روح كل من الأمريكي والمصري عن طريق المرأتين الأميركية والمصرية؟
وهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم أقل علمًا بربه من هاتين المرأتين؟! حتى أن الأرواح لا تأتي للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تأتي لهاتين المرأتين راغمة كانت أو راضية؟!
وبعد أيها الناس: ﴿وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
الرابط المختصر :