العنوان حول الإسلام والعنف: ثقافة «التعددية» تقطع الطريق أمام العنف
الكاتب عامر عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1999
مشاهدات 61
نشر في العدد 1364
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 24-أغسطس-1999
حينما يكون هناك إقرار بالتعدد والاختلاف لا يجد العنف لنفسه سبيلًا
• كلما كانت السلطة أكثر قربًا من الإسلام.. كان صوت الحوار هو الأعلى.
استبداد «السلطة» وظلمها يوفران تربة خصبة لـ «العنف»، وتلك حقيقة مهمة يؤكد عليها الباحثون، ولكنها تثير تساؤلًا آخر عن السبب وراء عنف السلطة؟
لو أننا قلنا: إنه ينبع من عنف الناس «الشعب / المجتمع» أو فئات من الناس، فإننا نكون قد وضعنا أنفسنا وبحثنا في حلقة مفرغة، وتصبح المسألة مماثلة لمسألة الدجاجة والبيضة.
لماذا يا ترى تقوم السلطة هنا بالعنف وتدفع برعيتها كذلك إلى العنف؟، وهناك لا السلطة تحكم بالعنف ولا الشعب يرد بالعنف؟
فإذا لم تصمد تلك الإجابة أمام البحث فإن تساؤلنا «لماذا عنف السلطة؟»، يبقى من غير إجابة وافية.
أما إذا قلنا: إن العنف الإسلامي ينبع من تساهل الناس- أو السلطة- وانفلاتهم تجاه مسألة الالتزام بالدين، فإن هذا الطرح أيضًا يثير تساؤلًا مهمًّا للغاية، ترى لو أننا قبلنا بهذا الطرح کـ«تفسير»، فهل لنا أن نسلم به كـ«تبرير»؟، أعني هل هذا التساهل يمنح الإنسان الحق ليسلك طريق العنف أو التطرف؟.
من الواضح هنا أن قضية العنف وأسبابه ما زالت بحاجة إلى مزيد من الإضاءة، ولا بد من النظر إلى المسألة من زوايا أخرى، والدخول إليها من أبواب أخرى.
في أصول الاختلاف والتنوع: عندما يختار الإنسان موقفًا أو مذهبًا ما، ويؤمن بأن أفضل المواقف ما اختاره، وأحسن ما ذهب إليه، فإنه يرغب - حينذاك-، لو أن الناس جميعًا أو الأمة جمعاء قد وقفوا ذلك الموقف، وساروا على هذا المذهب، فكل إنسان يعتقد في داخله أن ما يراه صحيحًا، فهو الصحيح، وما يراه للناس نافعًا فهو النافع لهم، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنالواقع يقول: لا يمكن للناس جميعًا أو الأمة جمعاءالاجتماع على موقف واحد والسير على مذهب واحد دون غيره، بل إنه يقول أكثر من ذلك: إنك لا تجد اثنين متماثلين تمامًا (۱)، بل إن كل شخصين لا بد أن يكونا متشابهين في جوانب ومتناقضين مختلفين في جوانب أخرى.
تلك هي - على ما يبدو- حقيقة المجتمع البشري: تشابه وتعاون من جانب واختلاف وتنازع من جانب آخر، كل إنسان له انتماءات وارتباطات مختلفة: العائلة، العشيرة، القبيلة، القومية، العرق، المنطقة، الجغرافية، الدين، الحضارة، المذهب، الجماعة، الحزب، المهنة، الطبقة، الجنس.. إلخ، وكل انتماء من هذه الانتماءات تلازمه بعض المصالح الخاصة المشتركة بين مجموع المنتمين، فلو أخذنا أي شخصين اثنين- كمثال- فسنجد أنهما يشتركان في بعض هذه الانتماءات والروابط، ويختلفان في بعضها الآخر، وبالتالي سنجدهما يشتركان في بعض المصالح ويتناقضان في البعض الآخر، وبالتالي فإننا نجد أن الذي بينهم- في بعض المسائل- هو التوحد والتعاون، وأن الذي بينهم- في مسائل أخرى- هو التناقض والتنازع، وكل إنسان يتوحد ويتعاون مع أمثاله وأشباهه، ونظائره من أجل أن يكون في تنازعه مع المخالفين والمناقضين منتصرًا.
حينما تكون هذه الحقيقة الاجتماعية حاضرة بارزة، وعلى أساسها تتعامل جميع الأطراف ولا سيما الرئيسة والمؤثرة منها.. حينها لا يجد العنف لنفسه سبيلًا، ولكن حين يحاول طرف ما «سواء كان دينًا، أو قومًا، أو حضارة، أو عرقًا، أو حزبًا ... إلخ»، أن يذكر هذه الحقيقة ويطمسها، فلا يعترف بحتمية الاختلاف، ولا يعترف بغيره- أو به الآخر، كما هو شائع في التعبير المعاصر،ويسعى بدلًا عن ذلك إلى نفيه حينها يولد العنف وينمو، وحينها قد يكون العنف ذا اتجاهين: عنف أولئك الذين ينفون الآخرة، وعنف الآخر، كذلك؛ لأنه لم يعترف به، ولم تفتح له أبواب المشاركة والتعبير عن الوجود، ولا يجد لاسترداد حقه طريقًا إلا العنف.
الداء والدواء: هنا .. نحن نضع اليد على «الداء» و«الدواء» معًا، على سبب العنف وعلاجه، في آن واحد، فأحدهما هو عكسالآخر، الاعتراف بحقيقة الاختلاف والتعامل المبصر مع «التعددية» هما علاج العنف، والتغافل عن هذه الحقيقة الاجتماعية، والسعي إلى طمس هذه السنة (۲) الإلهية هما السبب الأهم للعنف.
هذه الحقيقة الاجتماعية تشكل منذ القدم مشكلة كبيرة، فلم يكن التعامل معها- في الغالب- يسيرًا، بل كان كثيرًا ما ينصبغ بالدم.
وعندما جاء الإسلام اهتم بتلك الحقيقة بشكل جيد، حين أقر بالتعدد والاختلاف، وآمن بانقسام البشرية إلى العديد من الأديان واللغات والقوميات والشعوب.
۱ - الإسلام أقر بوجود الشعوب المختلفة والقبائل المتعددة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات: 13)
٢ - وآمن بوجود اللغات «وبالتالي: القوميات» المتعددة والألوان «الأجناس» المختلفة، وعد هذا الأمر «آية» من آيات الله – تعالى -:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (سورة الروم: 22).
٣ - وأقر بوجود «الشرائع» و«المناهج» و«الأديان»، و«الحضارات» المختلفة:
﴿لِكُلࣲّ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةࣰ وَمِنۡهَاجࣰاۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةࣰ وَ ٰحِدَةࣰ وَلَـٰكِن لِّیَبۡلُوَكُمۡ فِی مَاۤ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُوا۟ ٱلۡخَیۡرَ ٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِیعࣰا فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ (سورة المائدة: 48).
إن الله – تعالى - لم يشأ أن تكون البشرية على طبع واحد، وألا تبقى بينهم فروق، واختلاف وتمايز لم يشأ حتى أن يكون الجميع مسلمين، بل شاء «لحكمة» أن يبقوا مختلفين، لم يشأ أن يلغي الاختلاف والتناقض الحتميين، بل شاء أن تخف جدتهما ليتحولا من «صراع» مدمر إلى تسابقومنافسة جريئة ومنتجة، وهذا التحول ليس عملية سهلة، لكن مفتاحه هو الإقرار بحقيقة الاختلاف، التعامل المبصر مع التعددية.
بهذه الرؤية استطاع الإسلام أن يحتضن العديد من القوميات المختلفة، واستطاع أن يتعامل بنجاح مع «الحضارات» التي سبقته، وأن يغني بها حضارته الفتية، واستطاع- كذلك- أن يتعامل مع «الأديان» الأخرى، وأن يستوعبها في مجتمعه، وأن يفتح أمامها أبواب المشاركة في «الحياة العامة» «لاحظ أن عقد الذمة، الذي كان ينظم «وجود» و«مشاركة»، غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، كان خطوة متقدمة في معالجة التعددية الدينية، واعترافًا مبكرًا بحرية الأديان).
ذلك هو الموقف الإسلامي الأصيل: تعددية، وحوار، ورحمة عامة، وتكريم الإنسان كإنسان «بني آدم»، ونشر الدين من غير إكراه.. إلخ، وذلك هو الإسلام الذي نحتاج إليه اليوم.
وبوسع الباحث أن يلاحظ في التاريخ الإسلامي أنه كلما كانت السلطة أكثر قربًا من الإسلام وأعمق وعيًا وفهمًا، كان صوت الحوار هو الأعلى، وصورة «التعددية»، و«الانفتاح»، هي الصورة الأكثر حضورًا.
خلاصة: نعود فنؤكد على أن العنف مشكلة اجتماعية عامة لا ترتبط بدين معين أو بقوم محددين، وإنما ترتبط بـ«وضع اجتماعي معين»ينشأ عنه العنف، وتكون له أسبابه الفكرية والاجتماعية والسياسية لكنها قد تبرز في إطار- أو وعاء ديني، أو قومي، أو حضاري.
ورأس الأمر في معالجة مشكلة العنف هو أن تعمق وعي المجتمع، ونبث في أرجائه «ثقافة التعددية»، ذلك هو الطريق الأوحد الذي يضمن تنظيم المتناقضات في المجتمع، ويحمي- بالتالي- المجتمع من داء العنف، فليس لنا مفر من العنف إلا أن يعترف أحدنا بالآخر، ونصل إلى حالة من التوافق والمصالحة بين قوى المجتمع وألوانه.
الهوامش
(۱) انظر: :Dr. Stephen Mansfield & Douglas Lavtom Searching For Democracy From Media To Ameri- ca, Servant Group International,1997, P35.
(۲) المراد به السنة الإلهية، هذا القانون الاجتماعي، الذي وضعه الله – تعالى -، وأقام على أساسه نظام الوجود الإنساني.