; حول المشروع الإصلاحي لنهضة الأمة | مجلة المجتمع

العنوان حول المشروع الإصلاحي لنهضة الأمة

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2005

مشاهدات 76

نشر في العدد 1665

نشر في الصفحة 44

السبت 20-أغسطس-2005

في الثلث الأول من القرن العشرين وجه الشيخ حسن البنا رسائل إلى الرؤساء والملوك، ورسائل إلى الأمة الإسلامية للتأكيد على رسالة هذه الأمة بين الأمم، ففي رسالته تحت راية القرآن، لخص ذلك إجمالاً في أن تقف الأمة الإسلامية في وجه طغيان مدنية المادة وحضارة الشهوات التي أبعدت الشعوب الإسلامية عن زعامة النبي صلى الله عليه وسلم  وعن هداية القرآن الكريم.
وفصل ذلك في أن يكون للمسلمين نظام داخلي للحكم، ونظام للعلاقات الدولية ونظام عملي للقضاء ونظام اقتصادي ونظام للثقافة والتعليم ونظام للأسرة، ونظام للفرد في سلوكه الخاص مع روح عامة تهيمن على كل فرد في الأمة من الحكام والمحكومين. 
وفي رسالته «إلى أي شيء ندعو الناس» بين أن الرسالة التي ينادي بها ويسعى لتبليغها للناس وأن تفهمها الأمة الإسلامية حق الفهم، لتهب في إنفاذها في عزم ومضاء، هي رسالة لم يبتدعها ولم يختلقها الإخوان المسلمون من أنفسهم، بل هي الرسالة التي تتجلى في آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم ، كما هي ظاهرة في عمل الصدر الأول من جيل الصحابة- رضي الله تعالى عنهم- الذين هم المثل الأعلى في فهم الإسلام وتطبيقه. 
إن الباحث في المشروع الإصلاحي الذي قدمه الإمام حسن البنا يدرك أنه ليس مشروعاً لحزب أو فئة أو جماعة خاصة، بل هو مشروع الأمة الإسلامية لهذا قدمه الشيخ محمد الغزالي في كتابه «دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين»، بأنه دعوة الإسلام في القرن العشرين. 
والإصلاح المنشود في منهج البنا يتمثل في الآتي:
1-    إصلاح الفرد حتى يكون صحيح الجسم، سليم العقيدة، صحيح العبادة.
2-    بناء الأسرة بتكوين البيت المسلم الذي يحافظ على أركان الإسلام وتعاليمه وآدابه.
3-    إصلاح المجتمع بنشر دعوة الخير فيه ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل والأمر بالمعروف والمبادرة إلى فعل الخير وكسب الرأي العام إلى جانب الإسلام.
4-    إصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، فتؤدي الأمانة كخادم للأمة وأجير عندها، وأوضح أن الحكومة إسلامية ما كان أغلب أعضائها من المسلمين ملتزمين بالفرائض غير مجاهرين بالفسق ملتزمين بالعدالة بين الناس والعفة في المال العام.
5-    إعادة الكيان الدولي للمسلمين بتحرير أوطانهم وجمع كلمتهم وتوحيد ثقافتهم حتى تصل إلى التمثيل الموحد للأمة الإسلامية.

الوسائل
أوضح الإمام حسن البنا في رسالة «دعوتنا» أن الوسائل الأصلية ثلاثة هي: المنهاج الصحيح، والأفراد العاملون، القيادة الموثوق فيها.
أما الوسائل الحركية أو التفصيلية فهي:
1-    الدعوة والبيان.
2-    التربية.
3-    النضال الدستوري.
4-    الجهاد لتحرير الأوطان من الاحتلال الأجنبي.
ويحدد الإمام حسن البنا الوسيلة الخاصة والأفضل ألا وهي النضال الدستوري، حتى يرتفع الصوت الإسلامي في الأندية الرسمية، وتناصره السلطة التنفيذية وتنحاز إليه.
وفي تعليل ذلك كتب في رسالة «المؤتمر الخامس»، أن مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها، وعلى الشورى بأن تستمد السلطة من الأمة وعلى مسؤولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال وبيان حدود كل سلطة من السلطات.
هذه الأصول كلها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم، ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، لهذا فهم لا يعدلون به نظامًا آخر.
ويلاحظ هنا أن الإمام حسن البنا قد فضل نظام الحكم الدستوري لأن الدستور المصري ينص على أن مصر دولة إسلامية دينها الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع، ومحكمة النقض المصرية -وهي أعلى سلطة قضائية- فسرت النص سالف الذكر بأن كلمة رئيس تعني أنه إذا خالف الحكم نصاً في القرآن والسنة أو الإجماع فإنه يبطل، وإذا عرض على من أصدره أبطله، وإذا عرض على غيره أهدره، ولم يعمله «الطعن ٢٥٨/ ٤٠ق، مجموعة أحكام النقض المدني س ٢٦ ص ۱۳۷۷».
لهذا فإن ما يتضمنه النظام الديمقراطي من أن الأمة مصدر السلطات يقيده النص في الدستور على أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع، كما هو صريح النص الحالي للدستور المصري أو النص أنها مصدر رئيس للتشريع طبقًا للنص المصري السابق أو النص الكويتي الحالي. 
وبالتالي فإن المباح دستوريًا لنواب الأمة هو التشريع الذي لا يتعارض مع القرآن والسنة كما هو الشأن في المصالح المرسلة وفي الترجيح بين الآراء عند الاختلاف في فهم النصوص الظنية الدلالة، لهذا أورد الإمام البنا في «المؤتمر الخامس» أنه من غير المفهوم في أمة إسلامية أن يتناقض القانون مع الدين، بل إن هذا يصطدم مع الدستور الذي يقر أن دين الدولة الإسلام لهذا سيعمل الإخوان المسلمون على تغيير القوانين المناهضة للدين الإسلامي. 
وفي غير التشريع فإن نواب الأمة لهم الصلاحية في اختيار الحكومات ومحاسبتها وعزلها، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم  هو الذي أرسى هذا المبدأ بتطبيقاته العملية في عزل المسؤولين بمجرد الشكوى منهم، وفي قوله للأنصار كما ورد في البخاري: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم «فتح الباري ۲۰۱۷».

موقف الإسلام من غير المسلمين
تضمنت رسائل الإمام البنا الموقف الإسلامي الصحيح من الأقليات غير المسلمة، وذلك على النحو التالي:
قال في رسالته «نحو النور» يظن الناس أن التمسك بالإسلام وجعله أساسًا لنظام الحياة، ينافي وجود أقليات غير مسلمة في الأمة المسلمة وينافي الوحدة بين عناصر الأمة، لكن الحق غير ذلك تمامًا، فإن الإسلام الذي وضعه الحكيم الخبير الذي يعلم ماضي الأمم وحاضرها ومستقبلها، قد احتاط لتلك العقبة وذللها من قبل، فلم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلا وقد اشتمل على النص الصريح الواضح الذي لا يحتمل لبسًا ولا غموضًا في حماية الأقليات، وهل يريد الناس أصرح من هذا النص وهو قول الله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8)؟
لهذا أعلن الإخوان المسلمون في قضايا معاصرة، أن المواطنة أو الجنسية قد حلت مفهوم أهل الذمة، وأن هذه المواطنة أساسها المشاركة الكاملة، والمساواة التامة في الحقوق والواجبات، مع بقاء مسألة الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ومواريث طبقًا لعقيدة كل مواطن، وبمقتضى هذه المواطنة يرى الإخوان المسلمون للنصارى حقاً في أن يتولوا -باستثناء منصب رئيس الدولة- كافة المناصب الأخرى، مستشارين ومدراء ووزراء «المرجع: حول أساسيات المشروع الإسلامي لنهضة الأمة للدكتور عبد الحميد الغزالي ص ۱۷۷ دار التوزيع والنشر الإسلامية ١٤٢٠هـ/ ١٩٩٩م».
والجدير بالذكر أن الإسلام لم يشرع نظام الجزية حيث كان نظامًا سائدًا لدى الرومان والفرس، فأصلح الإسلام هذا النظام وجعل الجزية البديل عن الحرب وخفض قيمتها إلى دينار عن كل شخص بالغ وأعفى منها من لا يحاربون وهم رجال الدين والنساء والصبيان وأصحاب العاهات وكبار السن.
كما جعل الجزية مقابل الإعفاء من الاشتراك مع المسلمين في الحرب، فإن اشترك أهل الكتاب مع المسلمين في الدفاع عن الوطن تسقط عنهم الجزية، ولقد رد خالد بن الوليد الجزية إلى أهل الحيرة والمدن المجاورة لها كما فعل ذلك أبو عبيدة بن الجراح عندما حشد هرقل إمبراطور الروم جيشًا كبيرًا لحرب المسلمين فلم يتمكن المسلمون من حماية النصارى، فرد إليهم المسلمون جميع ما دفعوه، وكان معلومًا أن من يحارب مع المسلمين من النصارى تسقط عنهم الجزية ولهم حقوق المسلمين. «المرجع الدعوة إلى الإسلام توماس أرنولد ص ۷۸».
لهذا عندما أصدرت الخلافة الإسلامية العثمانية قانون الجنسية في ١٩/ ١/ ١٨٦٩م نص على رفع الجزية عن غير المسلمين ومساواتهم مع المسلمين في المواطنة ومنها التجنيد في الجيش.

الموقف من التعددية السياسية
يفرق الإمام حسن البنا بين الحزبية التي أفسدت المصريين وبين التعددية السياسية.
فقال في «المؤتمر الخامس»: إن الأحزاب السياسية «أي المصرية» قد وجدت في ظروف خاصة ولدوافع أكثرها شخصي لا مصلحي، واتفقوا في آخر الأمر على التهالك على الحكم وتسخير كل وسيلة شريفة وغير شريفة للوصول إليه. 
ولما كانت جميع الأحزاب تهدف إلى تحرير وادي النيل من الاحتلال الإنجليزي، فقد أخذ بآراء فقهاء القانون الدستوري الذين طالبوا بدمج هذه الأحزاب في جبهة وطنية واحدة، مهمتها تحرير الوطن من الاحتلال ثم بعد ذلك توضع القواعد لتنظيم العمل الحزبي السياسي.
لقد بلغ الحد في التحزب السيئ أن رفع حزب سعد زغلول شعارًا بقبول الاحتلال الإنجليزي على يد سعد، وعدم قبول الجلاء والتحرير على يد عدلي يكن رئيس الوزراء السابق.
ولقد صرح الإمام البنا في رسالة «مؤتمر الطلبة» أن له آراء خاصة في الحزبية القائمة، ولا يجب أن يفرضها على الناس، فإن ذلك ليس له ولا لغيره.
وأكد في هذا المؤتمر أن الإخوان يفرقون بين الحزبية التي شعارها الخلاف والانقسام في الرأي وفي الوجهة العامة، وفي كل ما يتفرع منها، وبين حرية الآراء التي يبيحها الإسلام ويحض عليها، وبين بحث الأمور والاختلاف فيما يعرض تحرياً للحق حتى إذا وضح الحق نزل الجميع على حكمه. 
وأوضح في هذا المؤتمر أنه يجوز للأمم التي استكملت استقلالها وفرغت من تكوين نفسها أن تتحزب وتختلف في فرعيات الأمور، ولكن ذلك لا يجوز في الأمم الناشئة، فالحوادث العالمية قد ألجأت الأمم جميعًا إلى التجرد من الحزبية أو الإبقاء على حزبية تقليدية صورية مع الوحدة في جميع الاتجاهات.
يتضح من هذا كله أن الإمام حسن البنا قد أحزنه الصراع على السلطة بين الأحزاب المصرية في عصره، حتى تركوا الهدف الوارد في النظام الأساسي لكل حزب من هذه الأحزاب، وهو تحرير وادي النيل -أي مصر والسودان- من الاحتلال الإنجليزي، واقتتلوا فيما بينهم للوصول إلى الحكم ولو تحت حماية الإنجليز.
لهذا عاب على هذه الأحزاب وطالب بجبهة وطنية تضم الجميع لوضع خطة لتحرير البلاد من الإنجليز، ثم يضع هذا التحالف القواعد المنظمة للتعددية السياسية.
لهذا، فقد أخطأ من فهم من أقوال الإمام حسن البنا أنه يرفض التعددية السياسية، ذلك أنه صرح باختياره النظام الدستوري ولا يرضى بغيره، وهذا النظام كما هو معلوم يقوم على التعددية وتداول السلطة.

الرابط المختصر :