العنوان حول الخصوصية العربية والإسلامية في أمريكا
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1998
مشاهدات 66
نشر في العدد 1308
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 14-يوليو-1998
أسعدني رد د. صالح محمد نصيرات على مقالة «خصوصية فعل الحركة الصهيونية في الغرب» تحت عنوان: بل يمكن فعل الكثير وبخاصة في الولايات المتحدة «المجتمع، العدد ۱۳۰۱، ۹محرم ١٤١٩هـ، ٢٦ /٥ / ١٩٩٨م».
يقر الرد بما يواجه الفعل الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية من عقبات وأن طريقه وعرة طويلة، لكن بالرغم من ذلك يمكن فعل الكثير. ويقول إن التحالف بين المشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين والمشروع الاستعماري الغربي كان له أثر كبير في تنامي القوة الصهيونية في الغرب.
على أن مقالة «خصوصية فعل الحركة الصهيونية في الغرب»، أرادت أن تركز على استحالة تقليد فعل الحركة الصهيونية في الغرب، وخصوصًا في أمريكا من قبل الحركة العربية والإسلامية هناك، والسبب يعود إلى أن الحركة الصهيونية «استدعيت» لتلعب دورًا، وأن الرياح كانت تهب في مصلحة أشرعتها، بينما الحركة العربية والإسلامية هناك غير مرغوب فيها، والرياح تهب ضد أشرعتها، بل قل العواصف بل قل التيار، أو هذه جميعًا. ويرجع السبب الرئيس هذا لأسباب تتعلق بالاستراتيجية الدولية، والأمريكية على وجه الخصوص، ضد الأمة العربية والإسلامية، ولا يرجع لذلك السبب التقليدي الذي واجه كل فئة طارئة أو جديدة على ساحة العمل السياسي، فقد تعرض الإيطاليون، والأيرلنديون، واليهود للتمييز العنصري في الولايات المتحدة فترة من الزمن «من رد د نصيرات»
إن وضع الخصوصية العربية والإسلامية ضمن هذه المعادلة ليس دقيقًا لأنه يغفل عامل التناقض الاستراتيجي الدولي مع الأمة العربية والإسلامية، وإذا كان وضع هذا العامل حاسمًا فسيختل الاستنتاج اللاحق أي القول «ولكن الجد والمثابرة وفهم طبيعة النظام الاجتماعي. وآلية العمل السياسي مكنت تلك القوى من النفاذ والتمكين لنفسها».
حقًا لو كانت مشكلة الثلاثة ملايين عربي وتسعة ملايين مسلم في أمريكا مجرد قضية داخلية تتعلق بالتمييز أو الحقوق سيكون الاستنتاج في مكانه، ولكن إذا كانت المشكلة أبعد وأخطر من ذلك، أي مشكلة تمس الاستراتيجية العليا للدولة، فعلى تقدير الموقف وحساب الأمر أن يعدلا على هذا الأساس.
وبكلمة أخرى، يكمن الفرق في النظرتين من خلال إعطاء الأولى الأهمية الأساسية للجد والمثابرة، وفهم طبيعة النظام الاجتماعي، وآلية العمل السياسي فيه، بينما تعطي النظرة الثانية أهمية أكبر للاستراتيجية العليا للدولة والتي يخضع لها الأمن القومي، وهنا تدخل الخطوط الحمر، ولا تعود المسألة مسألة صعوبة وطريق وعر، وطويلة، وأن من لا يدرك خطورة الاستراتيجية العليا للدولة ومترتباتها على الداخل، ولا يمسك بدقة الخطوط الحمر التي يصنعها الأمن القومي وفقًا لتلك الاستراتيجية قد يبني آمالًا في غير مكانها، ويضع أهدافا لا تتحقق، ويبذل جهودًا تعرضه إلى ما لا تحمد عقباه.
ويبدو أن حالة الديمقراطية الأمريكية وطبيعة المجتمع الأمريكي، وآلية العمل السياسي فيما يتعلق بالجهد العربي والإسلامي هنا تتطلب من الناشطين في هذا الجهد في أمريكا أن يتأملوا بيتًا من الشعر للمتنبي قال فيه
إذا رأيت نيوب الليث بارزة *** فلا تظنن أن الليث يبتسم
يمكن أن يشار هنا إلى مثلين أمريكيين الأول عندما دخلت أمريكا الحرب ضد اليابان وضع اليابانيون الأمريكيون في معسكر احتجاز أو ما يشبه، هذا ما تفعله الاستراتيجية العليا بمن يصطدمون بها، أي يتدرج فعلها وصولًا إلى فتح «معسكرات الاحتجاز»، والتهجير إن اقتضى الأمر، أما المثل الثاني فهو حال الأمريكيين بمن فيهم من «الواسيس» حين اقتضت الاستراتيجية العليا في الحرب الباردة أن يبدأ عمل لجنة مكارثي ويفتح عهد المكارثية.
والسؤال: هل يعني ذلك أن لا إمكان لأي عمل، أو لا يمكن فعل الكثير والجواب بالتأكيد لا، فثمة إمكان العمل جاد، وثمة إمكان لفعل الكثير «الكثير نسبي هنا»، وأن ما يبذل من جهود سواء أكان من قبل أمريكيين من «مجلس المصالح القومية»، أم من قبل مختلف المجالس العربية والإسلامية يجب أن ينظر إليه. بإيجابية وأن يشجع، بل يرجى ألا يفهم قارئ هذه المقالة أن ثمة تحذيرًا، أو تثبيطًا للهمم، أو تقليلًا من أهمية تلك الجهود، فكل تلك الجهود ضرورية، ومهمة يجب أن تلقى أمامها أضواء على جوانب في الوضع الذي تعمل فيه ما ينبغي لها أن تغفلها أو تقلل من شأنها، فالمرء حين يعرف حده ويعرف السقف الذي يمكن أن ترتفع إليه أهدافه يمتلك قدرة أكبر في حسن تحديد الأهداف، وحسن إدارة العمل أو الصراع، فيعرف كيف يحدد لمن يتوجه، وإلى أي حد يمكن أن تمضي جهوده.
ولعل أول ما يجب أن يتذكره العرب والمسلمون في أمريكا أنهم ليسوا إيطاليين، أو أيرلنديين، أو يهودًا، وأن المشكلة التي تواجههم ثانيًا ليست في أساسها داخلية، أو على الأصح أن مشكلتهم الداخلية متداخلة بمشكلة أمتهم مع الاستراتيجية العليا الأمريكية، وأن ما يمكن أن يفعلوه ويحققوه، ثالثًا، هو غير ما فعله الإيطاليون الأيرلنديون واليهود وحققوه.
وبالمناسبة، قد ينقلب السحر على الساحر إذا ما تمادى الصهاينة الأمريكيون في السطو على السلطة. ومراكز القرار والسوق والغنائم في الولايات المتحدة الأمريكية، عندئذ ستنشأ حالة جديدة ستكون أكثر مؤاتاة، وأكثر مجافاة، ولكل حادث حديث.
(*)كاتب ومفكر إسلامي - فلسطيني