العنوان حول الحديث النبوي والمعرفة التاريخية
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 13-يناير-2007
مشاهدات 99
نشر في العدد 1734
نشر في الصفحة 66
السبت 13-يناير-2007
تنطوي الأحاديث النبوية الشريفة على منظومة خصبة من مفردات المعرفة التاريخية. وتقدم الإجابة على العديد من التساؤلات التي يثيرها هذا الفرع المهم في دائرة العلوم الإنسانية وهي بهذا تؤكد وتوضح وتضيف على معطيات القرآن الكريم في هذا المجال.
وبطبيعة الحال، فإننا لا تتوقع من الحديث النبوي تغطية المفردات التاريخية كافة، فالرسول ﷺ، صلى الله عليه وسلم، لم يكن مؤرخاً أو دارساً للحضارات، ولكنه كان نبيا معلما يستهدي بالخبرة التاريخية إلا أنه لم يحاول أن يحيط بها علما، أو يقدمها بتفاصيلها لأتباعه لاستحالة ذلك.
ومع ذلك فإن إستقصاء الأحاديث التي تمس المسألة التاريخية بشكل أو بآخر، يكشف عن تغطيتها لمساحات ملحوظة على مستوى الحدث أو «الواقعة التاريخية» أو السنن والنواميس التي تحكم التاريخ أي ما يسمى بـ«قوانين الحركة التاريخية».
ففي السياق الأول اهتم الحديث بتقديم تفاصيل غنية عن النبوات السابقة وعصر الرسالة والنبوءات التاريخية، وفي السياق الثاني قدم منظومة قيمة من قوانين الحركة التاريخية التي ترفع الأمم والدول والحضارات أو تضعها من خلال التأكيد على شبكة من مفردات السلوك الفردي والجماعي والتي تنطوي على بعد حضاري ذي تأثير مؤكد في حركة التاريخ. فضلا عن أنه عالج العديد من القضايا ذات البعد التاريخي خارج هذين السياقين.
وبإلقاء نظرة أولية على المعطيات القرآنية بخصوص التاريخ والحضارة، نجد أنفسنا قبالة اهتمام ملحوظ بالمحاور والموضوعات التالية نشأة الكون، إعداد العالم للحياة البشرية، خلق الإنسان، النبوات جوانب من تاريخ الجماعات والأقوام السابقة، عصر الرسالة، بعض النبوءات التاريخية السنن والنواميس التاريخية، الإرادة الإلهية، الفعل الالهي المباشر في التاريخ، الفعل الإلهي غير المباشر لمعجزات الإرادة البشرية، الزمن، البعد الغيبي الموت والخلود، القدر والحرية، الإنسان والواقعة التاريخية، تفرد الإنسان، الدوافع البشرية، الروح والجسد، الفرد والجماعة، البطل والجمهور، الشروط الحضارية للدور البشري في العالم، الإستخلاف، التسخير، المفهوم الحضاري للعبادة، الوفاق والانشقاق الإصلاح والإفساد.
الإنسان والكتلة العقل والحس والإرادة، العمل، الإيمان كعامل حضاري، نسبية الوجود البشري في العالم، الصراع بأنماطه كافة، الانهيار الحضاري، التمحيص والاختبار، المداولة، التغيير الذاتي، الحركة الجهادية اتجاهات السقوط السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والعقائدية، الطاغوتوالجماهير، التوازن والإنحراف.
عمومًا، فإن القرآن الكريم يرسم هيكلية متكاملة للمحاور الأساسية الثلاثة للفعل التاريخي والصيرورة الحضارية «الواقعة التاريخية» «نشوء الحضارات ونموها» «تدهور الحضارات وإنحلالها»، وهو يغذي كل واحد من هذه المحاور بحشود خصبة من المفردات تكاد تضيء معظم مساحاتها.
فما الذي تقدمه الأحاديث النبوية قبالة هذه المعطيات؟
بشكل عام يمكن أن تندرج الأحاديث- المعنية بالتاريخ والحضارة في السياقات الأساسية التالية:
أولًا: الأمم والجماعات والنبوات والأديان السابقة.
ثانيًا: عصر الرسالة.
ثالثًا: النبوءات التاريخية الملاحم والفتن، المهدي، وأشراط الساعة.
رابعًا: قيم السلوك التي تعين على نهوض الجماعاتوالدول والحضارات.
خامسًا: قيم السلوك التي تعجل بانهيار وزوال الجماعات والدول والحضارات. ويجب أن تلاحظ أن تأكيد الرسول ﷺ على حشد من قيم النهوض يعني بالمقابل أن بدائلها المضادة تقود إلى الإنهيار والأفول وبالعكس. وعلى سبيل المثال فإن التأكيد على التوحيد في صيرورة النهوض يعني بالضرورة الدور السلبي الذي يمارسه الشرك بصيغه وأنماطه كافة في السيربالجماعات والدول والحضارات صوب الإنهيار والأفول.
وعبر المحاور الخمسة يجد المرء نفسه قبالة منظومة من السنن والنواميس التي تضبط وتوجه الحركة التاريخية. كما أن بمقدور المرء وبالاستعانة بالمعطيات القرآنية - أن يكون تصورًا شاملًا عن عدد من القضايا التي تهم المؤرخين ودارسي الحضارات من مثل مقارنة الحضارات والخصائص التي تميز الحضارة الإسلامية فيما يمكن أن يقدم عونًا ضروريًا لتحديات المشروع الحضاري الإسلامي الذي يراد له أن يتشكل عبر المرحلة القادمة قبالة انهيار المشاريع الأخرى وتحدياتها في الوقت نفسه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل