; حول التبشير.. هل هناك جريمة؟ وما عقوبتها ؟ | مجلة المجتمع

العنوان حول التبشير.. هل هناك جريمة؟ وما عقوبتها ؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1983

مشاهدات 72

نشر في العدد 616

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 12-أبريل-1983

الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده ونحن كمسلمين نتشرف بانتسابنا لهذا الدين، ونعلم يقينا أنه دين كامل شامل ينظم حياة الناس في الدنيا أدق تنظيم وأكمله كما يوجههم إلى العمل لحياة الخلود والنعيم في الآخرة

ومن أعظم ما نظمه الإسلام حياة التكافل بين المسلمين على كل مستويات التجمع من الأسرة الواحدة وذوي القربى والأرحام والجار وعلى مستوى التجمعات المختلفة والدول والشعوب الإسلامية بحيث لا يترك أحدًا من المسلمين أو حتى غير المسلمين يتذوق مرارة الفقر في ظل الإسلام وتعاليم الإسلام

ويعلمنا الإسلام أن المال مال الله وأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر إنعامًا وامتحانًا وبنسب متفاوتة بين الأفراد والشعوب لحِكم يريدها سبحانه وهو العليم الخبير بعباده.

والإسلام يقرر أن المسلمين أمة واحدة وجماعة واحدة ووطن واحد، بل وجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52)، فالشعور بالوحدة والمشاركة في الآلام والآمال أمر يوجبه الإسلام بين المسلمين «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»، فالمسلم مسؤول عن حماية كل شبر من أرض الإسلام من أيِّ اعتداء عليه من أعداء الله، ولا يقصر مسؤوليته عن أرض القطر الذي نشأ فيه فقط

كما يشعر المسلم عن مسؤوليته عن رد أي اعتداء يقع على المسلمون في أي مكان.

هذا الشعور بالمشاركة والمسؤولية في الدفاع عن كل شبر فيه مسلم ومسلمة يلازمه تمام بالإقرار بالمشاركة والحق فيما مَنَّ الله به على عباده المسلمين من خير ورزق أينما كانوا فإذا مَنَّ الله على بعض أجزاء من العالم الإسلامي بأموال وأرزاق وحرمت أجزاء أخرى من مثل هذا الخير، فواجب المسلمين أن يتكافلوا فيما بينهم، وأن يعطوا إخوانهم المسلمين من مال الله الذي آتاهم بما يكفل لهم حياة كريمة دون أن يتعرضوا إلى الفقر والجوع والمرض، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوصي بالجار في أحاديثَ كثيرة، والجوار نسبي.. جوار الأسر والبيوت والشعوب المسلمة، فلا يجوز لقطر إسلامي يعيش في بذخ ورغد من العيش وبجواره قطر إسلامي يعاني أفراده مرارة الجوع والمرض ولا يتحرك ويسعفه بكل ما يستطيع

في حين أنه إذا تعرض القطر الغني إلى اعتداء عليه من أعداء الله يحتم الإسلام على أبناء القطر الفقير المجاور له أن يدفع عنه عدوان المعتدين، فالعدل والمنطق، بل وأخوة الإسلام.. كل ذلك يقضي بالمشاركة الكاملة في المغنم والمغرم

لو أضفنا إلى ذلك كيف أن الله تعالى ينسب المال إلى المسلمين في قوله تعالى﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (النساء:5) مما يؤكد أن المال مال الله للمسلمين جميعًا وإن اختلف في توزيعه لحكمة.

بعد هذا التوضيح نصل إلى أصل الجريمة لنقيمها ونبحث عن عقوبتها

إن بعض الشعوب الإسلامية ظروفها المعيشية سيئة، ويتعرض كثير من المسلمين فيها إلى الفقر والمرض والجهل، وينتهز من يحاربون الإسلام بالتبشير هذه الفرص للضغط على هؤلاء المسلمين بوسائل متنوعة عن طريق بعثاتهم ومؤسساتهم التبشيرية؛ كي يتنصروا ويتركوا عقيدة الإسلام وتحت الظروف القاسية يستجيب لهم البعض

لا شكَّ أن هذا الاستغلال الدنيء لظروف المرض لتغيير العقيدة يعتبر جريمة بكل موازين العدالة والإنسانية، ولكن ليست هذه هي الجريمة التي نعنيها ونبحث عن عقوبتها فليس بعد الكفر ذنب- ولكنَّ الجريمة الأحط منها والأفظع جرمًا هو موقف حكومات بعض الأقطار الإسلامية التي مَنَّ الله عليها بسعة في الرزق من هؤلاء المسلمين الذين يتعرضون للتنصير، فلا تشعر بعض هذه الحكومات بأيّ نوع من المسؤولية نحوهم، وإذا كان هؤلاء المسلمون يفقدون دينهم بسبب فقرهم، فإنّا نجد في هذه البلاد الغنية من يفقدون دينهم بسبب غناهم وطغيانهم وفسادهم.

والجريمة الأبشع أن جزءًا كبيرًا من مال تلك الأقطار الغنية يصل بطريق مباشر أو غير مباشر إلى أيدي الهيئات والمنظمات التي تقوم بالتبشير وتنصير إخواننا المسلمين تحت سلاح الحاجة والفقر وسط الشعوب الفقيرة وبالأساليب العلمية كالمدارس التبشيرية وغيرها من المؤسسات حتى في نفس الأقطار الغنية

اقرأوا إن كنتم لا تعلمون عما تقوم به منظمات التبشير والكنائس منذ أكثر من قرن من الزمان وما يحدث الآن في إندونيسيا ونيجيريا وأوغندا والسودان وكثير من أجزاء العالم الإسلامي -أن هيئات التبشير تعمل وتتحرك بأسلوب علمي ويتعرفون على احتياجات بلادنا من الفنيين والمتخصصين في النواحي المختلفة وتسارع بتقديم هذه النوعيات المطلوبة ممن يمارسون التبشير بجانب عملهم الفني، وهكذا تساعد حكوماتنا وهي تدري أو لا تدري عملية التنصير هذه على المستوى العالمي ذلك بالإضافة إلى إيداع أموال المسلمين في بنوك تدعم المؤسسات التبشيرية

هل وضحت الجريمة وظهر حجمها ومدى بشاعتها بما لا يدع مجالا لشك أو ارتياب؟ إن تعرض المسلمين للقتل أو الموت جوعا أهون من تعرضهم للفتنة في دينهم وترك عقيدة الإسلام فالفتنة أشد من القتل.

من هذه القاعدة ومن هذا المنطلق نترك لأهل الاختصاص من القانونيين والشرعيين تحديد عقوبة هذه الجريمة النكراء وإن ترددوا أو جبنوا فالله الحكم العدل بالمرصاد ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، (آل عمران:140)، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾، (الشعراء:227) فهل تراجع تلك الحكومات موقفها وتؤدي واجبها وتعين المسلمين وتحميهم من التبشير؟ هذا بالنسبة للحكومات أما بالنسبة للأفراد المسلمين فعليهم أن يتحركوا ويحفزوا كل الهمم لإنقاذ إخوانهم المسلمين، والقيام بنشر الإسلام الدين الحق مستعينين بكل الوسائل والبحوث العلمية الحديثة التي تدحض الباطل وتكشف زيفه وتناقضه، وترسخ عقيدة الإسلام بين أبنائه، وعلى المتخصصين الفنيين المسلمين أن يذهبوا للعمل في تلك البلاد ويتحملوا شظف العيش فيها في سبيل نشر الدعوة ولا يكون المبشرون أسبق منهم في هذا المجال.

وعلى العاملين في حقل الدعوة الإسلامية أن ينظموا هيئات ومنظمات للتبشير بالدين الحق الذي هو أولى بهذا الاسم (التبشير) وعلى الدعاة إلى الله أن يبذلوا الجهود ويتحملوا المشاق في سبيل ذلك ولا يكونوا أقل عزيمة من أهل الكفر في هذا المجال، وعلى أهل الخير من الشعوب الإسلامية وحكوماتها أن يدعموهم ماليا خاصة في تأسيس وإنشاء المؤسسات اللازمة لتحقيق هذا الهدف السامي والله يتقبل من عباده المحسنين.

الرابط المختصر :