العنوان حول افتراءات اليونسكو على الإســلام
الكاتب الدكتور مصطفى كمال وصفي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1975
مشاهدات 85
نشر في العدد 272
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 28-أكتوبر-1975
حول افتراءات اليونسكو على الإسلام
علمت أن منظمة «اليونسكو» أصدرت كتابًا
اسمه «تاريخ الشعوب» تضمن افتراءات على الإسلام.. وهذا أمر عجيب؛ لأن هذه المنظمة
من المفترض أن تكون محايدة، وقد عنيت جمعية التراث الإسلامي بالقاهرة، ورابطة
العالم الإسلامي بمكة بالرد على هذه الافتراءات وشكلت اللجان لهذا الغرض، وعنيت
منظمة اليونسكو بإرسال من يمثلها لتدارك الأمر وتصحيحه.
أهم هذه الافتراءات: 1- إن الإسلام فرض
ضريبة غير عادلة على غير المسلمين. 2- إن الكعبة هي الصنم الأكبر... وإن الإسلام
مشبع بالوثنية. 3- إن الدين الإسلامي تلفيق بين متناقضات أخذها من اليهودية
والنصرانية!
هل يفرض الإسلام ضريبة غير عادلة على غير
المسلمين؟
إن الذي وضع هذه القضية الظالمة كغرض مسلم به لا
يعرف شيئًا عن الإسلام وأحكامه؛ إنه يقصد بذلك أن الإسلام قد اختص أهل الذمة بأداء
الجزية، وهي تمييز ضريبي مجحف في زعمهم.
والرد على ذلك أن الجزية ليست ضريبة،
وإنما هي في أساسها من أحكام السير والجهاد (العلاقات الدولية في الإسلام)،
فالضريبة تكليف مالي عام على جميع المواطنين لمواجهة الأعباء العامة، وهذا النظام
غير مأخوذ به إطلاقًا في الإسلام؛ لأن النظام الإسلامي يضع هذا التكليف المالي على
عاتق المسلمين فقط دون غيرهم. فإن المسلمين في المجتمع الإسلامي هم الذين يقومون
بصفة أصيلة بالمرافق العامة؛ من تعليم، وعلاج، وصيانة للطرق والجسور، وإقامة
للمساجد، ودفن للموتى وغير ذلك. وذلك لأن القيام بالمصالح عندنا من فروض الكفاية
التي يجب أن يقوم بها المسلم القادر بصرف النظر عن قدرة الدولة على القيام بها،
ولا يعفيه أن يتمحل في الدولة ويلقي عليها عبء العناية بها.
ويكاد يكون دور الدولة في ذلك هو دور
الرقابة والإشراف والتوجيه (وهو يشبه الضبط الإداري)، فتجبر الأفراد عليها لدى
تخلفهم عنها، وقد يكون بيت المال أحيانًا خاليًا فيقوم به الأفراد جبرًا؛ لأن بيت
المال عندنا ليس كالخزانة العامة في النظم المالية الحديثة؛ بسبب إلقاء عبء الحياة
العامة على عاتق المسلم إلقاءً إيجابيًا مستمدًا من التضامن الإسلامي الاجتماعي
وإيجابية الإسلام، وهذا الواجب قام إلى جانبه نظام الأوقاف الخيرية لتمويله، ورصد
المسلمون على هذه المرافق الحيوية ثروات طائلة. كما أنه يجوز للسلطان أن يفرض
الفرائض على المسلمين دون غيرهم عند النوازل؛ كالفتوق، والجوائح، ودهَم الدار،
وهذا كله يُعفى منه غير المسلمين ولا يدفعون فيه شيئًا.
بل على العكس، فنحن نكلف الدفاع عنهم
والذود عن كيانهم وهم لا يشاركون المسلمين في هذا العبء، ونحن نكفل لهم عصمة الدم
والنفس والمال والعرض (حقوق الإنسان) كالمسلمين تمامًا. ولا يكاد تكليف الفرد
الذكر منهم -دون المرأة والطفل- من دينارين إلى ستة في العام يكون شيئًا؛ فليس هذا
عبئًا على الإطلاق، وإنما هو لمجرد تذكيرهم لتأليفهم حتى لا يظلوا مصرين على
العناد والكفر. وقد قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام إن صغارهم هو أن يحضروا
الجزية بأنفسهم -بدون وكيل- إلى العامل، وقد حصر الصغار في ذلك دون سائر ما فصله
الفقه؛ أخذًا ببعض نصوص عقود الذمة التي أبرمها عمر بن الخطاب في وقت احتاجت فيه
سياسة الإسلام إلى ذلك.
وهذا المبلغ الصغير لا يوازي نفقات
الإبقاء على فئة غير مسلمة في دار الإسلام؛ فإن وجود هذه الفئة يؤدي إلى مخاطر
الطائفية، وهي تتطلب يقظة، ودعاية، وتوعية، وحرصًا، وإنشاءً لمنظمات إسلامية،
ومقاومةً للمنظمات التبشيرية الظاهرة والخفية التي ينشئها غير المسلمين، فضلاً عن
احتمالات الفتوق والفتن.. كل ذلك إلى جانب نفقات الدفاع، فهذا كله يحمل الدولة
الإسلامية نفقات كانت في غنى عنها لو لم يكن على أرضها طائفة من غير المسلمين.
يضاف إلى ذلك أن الجزية هي في الحقيقة
فيء، فهي بعيدة عن الأساس المالي للضريبة العصرية؛ فإن الضريبة تكليف على
«المواطنين»، وأهل الذمة ليسوا مواطنين؛ فهم ليسوا أعضاء في الجماعة الإسلامية، بل
هم «معاهدون» تربطهم بالمسلمين معاهدة خاصة هي عقد الذمة. ولذلك فليسوا متساوين
معنا في التكاليف المالية، فلا هم يقومون مثلنا بعبء المرافق العامة، ولا يجبرون
عليها، ولا تحصل منهم الفرائض عند النوازل.
ولا شك أن كاتب هذا الباب في الكتاب
المذكور قد تأثر بالمبادئ الضريبية الحديثة وطبقها على دولة الإسلام مع اختلاف
نظامها الإداري والمالي والدولي من الوجهات التي ذكرناها، ولو تدبر الحال لوجد أن
العكس هو الصحيح، وأن غير المسلمين في حالة من التخفيف والإعفاء من أظهر الفروض
والواجبات عليهم، وأن هذا الواجب يتحول إلى حد لا يترك للمسلم أحيانًا سوى الكفاف؛
على اعتبار أن المال مال الله، وأن علينا أن ننفق مما جعلنا الله مستخلفين فيه،
وأن نؤتيهم من مال الله الذي آتانا.. فهذا كله يقلب القضية رأساً على عقب، ويحيلها
من هجوم على الإسلام إلى دفاع وإظهار لمحاسنه.
هل الإسلام مشبع بالوثنية؟!
لقد تبرأ الإسلام من كافة مظاهر الشرك
وشبهاته، واستمسك بخالص التوحيد بلا شرك، ولا تثليث، ولا تمثيل، ولا تشبيه. وهذه
القضية لا تحتاج إلى برهان: وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
فنحن لا نعبد الكعبة ولا نعتقد فيها شيئًا
إلا أنها الشعار الجامع لاتجاه المسلمين؛ هي قبلة فقط، ولا بد من قبلة ومن اتجاه،
ومن جامع يجتمع عليه الناس. الجيش يجتمع على لواء، والشعوب تجتمع على شعار..
والوحدة تتطلب قدوة وزعامة وريادة، ولا بد لهذا العالم الإسلامي من أن يكون له
مركز، ولا بد لصفوفه من أن تستدير حول نقطة. كل المصلين في العالم يتجهون نحو
القبلة.. وليست هذه عبادة للقبلة، ولكنه تنظيم للصفوف.
إننا نظهر التعظيم والإجلال لهذا الشعائر،
وإننا نجتمع عليها، ونعبر عن ذلك بالطواف ولثم الحجر الأسود، ونظهر التبرؤ من
الشيطان واحتقاره، ونعبر عن ذلك برجم الجمار. وفي كل العبادات رموز وإيماءات
مرتبطة بالمعنى؛ نحن نعبر في الصلاة عن الخضوع بالركوع، ثم نعبر عن المبالغة في
الخضوع بالسجود.. فإن الإنسان في عبادته يقول ويَفعل ويُعبر بجوارحه وقلبه.. ولا
يرى العابد في ذلك سوى الله.
وقال البخاري: «من صلى إلى تنور ولم ير
إلا الله» أي فلا تفسد صلاته.. فلا أدري من أي وجهة رأى ذلك الكاتب أن الإسلام دين
الوثنية؟! ألم يقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا سألت
فاسأل الله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد
كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله
عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف»؟! ولعله لم يتصفح القرآن ليرى كم من مرة قال الله
تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (النساء: 36) وذلك بصيغ
وعبارات وألفاظ متعددة.. فإذا كان معذورًا بالجهل بتأصيل النظم الإسلامية، مما
جعله يكتب ما كتب في المسألة الأولى، فلا ندري أي عذر له في أن يكتب ضد هذه
المسألة الواضحة! ونحن لا ندعوه إلى أن يتدبر ما أُدخل على الأديان الأخرى، فنحن
ندافع ولا نهاجم.
هل الإسلام تلفيق بين متناقضات الأديان؟ وهذا أعجب آيات جهل هذا الكاتب؛ فأولاً
ليس بين الأديان متناقضات؛ لأنها كلها من عند الله. ليس بين ما جاء به موسى، وما
جاء به عيسى، وما جاء به محمد صلوات الله عليهم تناقض؛ لأن ذلك كله دين الله. إن
الدين عند الله الإسلام، وكان إبراهيم مسلمًا، وكذا إسحاق، ويعقوب، والأسباط،
وموسى، وعيسى، والنبيون أجمعون؛ فكلهم مسلمون. قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا
النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (المائدة: 44).
وأما الانحراف فهو من فعل اليهود
والنصارى؛ فهم الذين اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم. فلم يكن موسى
يهوديًا، بل اليهود هم الذين هادوا (مالوا وانحرفوا) من بعده، ولم يكن عيسى
نصرانيًا، بل النصارى هم الذين قالوا: إنا نصارى.. وبدَّلوا. بل كان موسى مسلمًا
وعيسى مسلمًا، ونحن -أيها المسلمون- نؤمن بهم لأنهم أنبياء المسلمين، ولا يكون
أنبياء المسلمين إلا مسلمين.
وهكذا فوضع السؤال خاطئ يدل على الجهل..
والقول بأن هناك تناقضات بين ما جاء به موسى وعيسى يدل على أن القائل بذلك لا يؤمن
لا بموسى، ولا بعيسى، ولا بمحمد صلوات الله عليهم. ثم إن شرع من قبلنا شرع لنا ما
لم ينسخ، هذا مصدر من المصادر الإسلامية للأحكام، ولذلك فاتباعنا لما جاء به موسى
وما جاء به عيسى -ما لم ينسخ- هو أمر مقرر لا نزاع فيه تقريبًا.. فنحن لم نقع في
خطأ التناقض، بل إن ديننا يعتمد سائر الأديان السماوية كما أنزلت على الرسل
والأنبياء عن قصد وعن وعي؛ لأنها متكاملة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل