العنوان حول أحداث الفلبين.. يا حكام المسلمين.. أجيبوا داعي الله بنصرة المجاهدين!
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1976
مشاهدات 17
نشر في العدد 303
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 08-يونيو-1976
لعل بعض القراء يقفون مترددين أمام الوقائع التي ذكرها بيان الأمين العام الخاص بالعلاقات الخارجية لجبهة مورو، والمنشور في العدد 296 من مجلة «المجتمع» إذ يخطر في بالهم أنها كغيرها من ظواهر الدعايات القائمة على التضخيم، وما هي في الواقع سوى خطوط مصغرة لحقيقة لا تتسع لها البيانات.
لقد شاء الله أن أطالع هذا البيان بعد ساعتين
فقط من سماعي وصفًا شفهيًا لبعض ما يكتنف مسلمي الفلبين من أهوال فكان ذلك هو
الدافع لكتابة هذه الكلمة، التي أخرت من أجلها الكثير من أعمالي الهامة.
لم يمضِ على وصول محدثي من الفلبين سوى أيام،
وقد جاءني لدراسة مؤهلاته وتعيين مكانه من مراحل الجامعة الإسلامية فما أن استشعر
اهتمامي بأنباء بلده حتى غلبه الدمع، وراح يفضي إليّ بالرهيب الغريب من مآسي ذلك
البلد الإسلامي السليب.
يقول هذا الفتى: إن قوات ماركوس ماضية في
انتهاك حرمات المسلمين والتنكيل بهم في وحشية لا يمكن وصفها. فهي لا تكتفي بقتل
المسلمين بل تحرق بيوتهم ومساجدهم وتتلف مصاحفهم.. وقد تألفت من هؤلاء القتلة
منظمة سرية باسم «باليك بيكان» تخرج تشكيلاتها ليلًا إلى مناطق المسلمين، فإذا
أقبلوا على البيت ألقوا على أهله تحية الإسلام، وما أن يفتحوا الباب لهم حتى
يرشوهم بالرصاص فيأتوا على سكانه جميعًا.
ويمضي هذا الأخ في حديثه المثير فيذكر أن هذه
السلطات الباغية، زيادة في التضييق على المسلمين، قد أحاطتهم بضروب من الحصار توشك
أن تقضي عليهم بغير قتال، ذلك أنها قيدت حركتهم، فلا تسمح لأحد منهم بمغادرة
منطقته إلى غيرها، حتى الصيادين حظرت عليهم الخروج إلى البحر، والفلاحين منعتهم
الوصول إلى حقولهم.. وهذا الحصار قائم في كل مكان يقع تحت سلطان هؤلاء البغاة من
ديار المسلمين هناك. وقد امتد إلى مصادرة الأفراد لمجرد التهمة، أو لعلاقة بعض
أقربائهم بحركات المجاهدين. من ذلك اعتقالهم السيد عبد الغفور النتو محافظ لاناو
الجنوبية السابق، لأن ولده أبا الخير يقود مجموعة من المجاهدين، والسيد ليمغي لأن
زوج ابنته يعمل في صفوف المجاهدين أيضًا.
وعلى الرغم من كل هذه الأهوال لا يزداد
المجاهدون إلا اندفاعًا واستماتة، لأنهم موقنون أنهم إنما يدافعون عن الإسلام وعن
بقائه في هذه الديار، كما فعل أجدادهم في مواجهة الغزو الإسباني الأول.. وقد
ملأتهم التجارب المرة إيمانًا بأنهم أمام أمرين لا ثالث لهما، إما الخروج من
الإسلام إلى النصرانية، وإما القتال حتى الموت أو النصر، فآثروا هذه حفاظًا على
أمانة الله، وابتغاء مرضاته.
وهكذا تتفاقم المعارك ويتساقط الشهداء زرافات
ووحدانًا.
ويتابع الأخ الفلبيني حديثه فيقول: قبيل
مغادرتي الفلبين أغارت مجموعة من المجاهدين بقيادة أحد أبنائكم من خريجي كلية
الدعوة بالجامعة الإسلامية (1) على معسكر لقوات ماركوس، وكادوا يتغلبون عليه لولا
وصول الطائرات والدبابات لنجدتهم. فاضطر المجاهدون إلى اللجوء للغابات تاركين
للعدو بيوتهم وأموالهم فلم يدع هؤلاء بيتًا إلا أحرقوه، ولا خيرًا إلا انتهبوه،
ولا متخلفًا لعجز إلا قتلوه.. ولا يزال أولئك المجاهدون معتصمين بغاباتهم مهددين
بالموت يقتحم عليهم من الجوع أو من العدو بين الحين والآخر.
ويقص الأخ عليّ قصة خريج آخر من أبناء الجامعة
(1) يتولى قيادة إحدى فرق المجاهدين الذين ينزلون بعدوهم ألوان البلاء، ومن ذلك
غارة قام بها هذا الأخ ومن معه من المؤمنين على تشكيلة عسكرية في منطقة «كالالانغان
لاناو الجنوبية» فأوقعوا بها خسائر فادحة في الأنفس، ولم يخسروا سوى شهيدين.
ويردف هذا الخبر بقصة واحد من خريجي الأزهر
يقود ثلة أخرى من هؤلاء الأبطال، وقد تمكنوا من القضاء على العديد من أفراد العدو
في إحدى المعارك دون أن يفقدوا أحدًا من أفرادهم ولله الحمد.
ويقول الفتى الفلبيني: «لقد أزعج ماركوس
كثيرًا أن يتولى علماء المسلمين قيادة هؤلاء المقاتلين، فهو من أجل ذلك يضاعف ضغطه
على أهل العلم، ويستخدم مختلف الوسائل لرصد تحركاتهم، والحيلولة بينهم وبين
إخوانهم من المجاهدين».
وفي صعوبة بالغة استطاع الفتى الفلبيني أن
يمسك بقية دموعه عن الجريان، ويضغط على أنفاسه يخفي ما هاجه من مرارة الأسى على
أهله ودينه ووطنه، حتى لم نكد نملك أنفسنا نحن السامعين فملأت الغصة صدورنا، وفاضت
بالدموع اللاذعة أعيننا.
ولكن.. لا مندوحة هنا عن التساؤل: أهذا كل ما
ينتظره منا - نحن العرب المسلمين – ضحايا التعصب الصليبي في عذراء ماليزية... أهذا
كل ما يفرضه علينا الواجب نحو هؤلاء المعذبين، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم مسلمون!
لقد عرض هؤلاء المظلومون قضيتهم على مختلف
المؤتمرات الدولية الإسلامية، وفصلوا لإخوانهم المسلمين الكثير من جوانب المأساة
التي يعيشونها، وذهب أكثر من وفد إسلامي إلى مناطقهم لاستقصاء الحقائق على
الطبيعة، فلم تستطع مغريات ماركوس ومضللاته أن تحجب ذلك الواقع الرهيب عن أعين هذه
الوفود، بل وضعت أيديها على الكثير مما يكفي لتحريك الضمائر وإلهاب المشاعر.. ومع
ذلك كله لم نر أي رد فعل عملي لهذه الوافدات، اللهم إلا زيادة التقارب بين حكومة ماركوس
وبعض حكومات المسلمين، وبخاصة في مناطق النفط العربي، حيث وجد ماركوس ألوانًا
جديدة من المساعدات التي تضاعف قدراته على تقتيل المسلمين وتدمير مواطنهم.
فهل يعني ذلك أن المسلمين قد بلغوا من العجز
حدًا لا يمتلكون معه نفعًا ولا ضرًا.. أو أن القلوب قد تحجرت حتى لم يعد ثمة من
سبيل للشعور بأخوة الإسلام!
لقد أوضح رسول الله عناصر هذه الأخوة بصورة لا
تدع مجالًا للاعتذار عن أي تهاون بحقها حين قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا
يخذله ولا يحقره».
ولا ريب أن من أكبر الخذلان لأولئك المعذبين
من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) ألا نشعرهم بعطفنا، وألا نهب لنصرتهم بكل ما
نملك من أنواع القوة. ولقد أثبتت الأحداث أن في أيدي المسلمين من الطاقات ما
يمكنهم من التأثير في مجرى السياسة الدولية، وتعديل الكثير من الوقائع التي تعارض
مصالحهم. وليس النفط الذي يملكون معظم مخزوناته الكونية سوى واحد من هذه الطاقات
التي ائتمنهم عليها ربهم لينظر كيف يعملون، فإما أن يستعملوها في نصرة دينه ونجدة
المظلومين من عباده، فيحفظها عليهم، ويزيدهم من فضله، وإما أن يسيئوا استخدامها فيسلبهم
إياها، وتكون في النهاية وبالًا عليهم أي وبال. وقديمًا أعطي سليمان (عليه السلام)
ملكًا لم يتح لأحد من بعده، فلم يزده إلا تواضعًا لله وتقديرًا لحقوقه، فقال:
﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. (النمل: 40).
قبل شهر أعلن كيسنجر، وأيده فورد، أن لأمريكا
مصالح لا بد من مراعاتها عند توزيع المعونات السنوية.. فكل دولة لا تأخذ هذه
المصالح بعين الاعتبار لن يكون لها حظ في معونة أمريكا.. فلماذا لا نتعلم من أمريكا
فنقول لـ ماركوس وأضرابه في تايلاند و سيلان وبلغاريا وإريتريا وبورما وكل بلد
يضطهد فيه المسلمون، إن نفطنا رهن بمصالح المسلمين، فلا حظ فيه لظالميهم وسالبيهم
حرياتهم وأموالهم!
لقد جربنا هذا المبدأ الحازم مرة قبل ثلاث
سنوات فأعطانا من الثمرات فوق ما كنا نتصور، إذ زلزلنا به أركان العالم دون
استثناء، وحتى الذين كانوا يعيشون في أولى الدول الكبرى راحوا يلتمسون عطفنا
ويخطبون ودنا، ثم ما لبثنا أن حشدنا عن هذا الطريق كثرة أعضاء الهيئات الدولية
لنصرة قضايانا الحقة في كل مكان، أفلا جربنا هذا السلاح مرة أخرى في وجوه هؤلاء
الطواغيت، الذين يريدون القضاء على أخواتنا، الذين هم - لو أحسنا رعايتهم – أحد
مصادر القوة التي تدعم وجودنا في العالم!
ماذا ننتظر في شأن هؤلاء المظلومين؟
وحتام نتردد في إعلان احتجاجنا على ظالميهم!
لقد تكلمنا حتى الآن ما فيه الكفاية، فحان لنا أن نترجم مشاعرنا بعمل حاسم نكره به
أولئك الطغاة على إنصافهم.
إن الفرصة لا تزال سانحة أمام القادرين من
حكام المسلمين على تحقيق هذه المأثرة الخالدة.. فليعلنوها إرادة حاسمة تؤكد لـماركوس
وأضرابه من الطواغيت أن المسلمين لا يزالون على ما وصفهم رسول الله (صلى الله عليه
وسلم) كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
ولتكن الخطوة الأولى في هذه السبيل إغلاق
الطريق في وجه وفده المضلل، فلا يسمح له بالوصول إلى مؤتمر وزراء الخارجية
الإسلامي السابع، المنتظر عقده في إسطنبول خلال شهر أيار الجاري.. وليسمع من كل
وزير مسلم هناك هذا الإنذار الحاسم: «لا، لن يلدغ المؤمن من جحر مرتين» ثم تكون
الخطوة الثانية قطع شريان النفط الإسلامي عن قواته وآلاته، فإن كل قطرة من هذا
النفط تتسرب إلى الفلبين إنما تشكل جزءًا من طاقة التدمير التي يصبها القتلة
الغاصبون على ديار المسلمين.
إن دولًا إفريقية كلها تقف وراء المظلومين من
شعب روديسيا وناميبيا، معلنة دون مواربة إمداد محاربيهم بكل ما تملك من دعم مادي
ومعنوي، فما الذي يمنع دول المسلمين من إعلان تأييدها المطلق لأولئك المضطهدين
المعذبين من مسلمي الفلبين و تايلاند و بورما وسيلان وبلغاريا وإريتريا.. وإمدادهم
علانية بكل ما يعينهم على استخلاص حقوقهم، ومنع مضطهديهم من كل معونة ومعاملة تزيد
في قوتهم!
يا حكام المسلمين.. الذين مكن الله لهم في
الأرض، وآتاهم من أفضاله ما به يؤثرون في موازين العالم.. أجيبوا داعي الله،
وقيدوا نعمه عليكم بنصرة هؤلاء المظلومين من إخوانكم.. إن الإسلام مهدد بالزوال في
هذه المناطق المنكوبة، فلا تؤخروا نجدتكم له، ولا تمكنوا أعداءه من اغتياله – كما
اغتيلت الأندلس من قبل – وأنتم تشهدون.
ولسوف تسألون.