العنوان حوار من الظلمات الكثيرة إلى النور
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1976
مشاهدات 0
نشر في العدد 307
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 06-يوليو-1976
حوار من الظلمات الكثيرة إلى النور
عادل، شاب أعرفه
منذ أيام الدراسة وقد فرقتنا الأيام ولكني لم أنس طبيعته الصاخبة وحبه لأشكال
الحضارة الغربية المنهارة من غناء وطرب وأزياء غريبة صبغت صورته في مخيلتي. فلا
أتذكر عادل إلا وأتذكر معه الشعر المرسل والملابس الملفتة للنظر.. الخ.
التقيت به في
مكان لم أتوقعه... تماما... التقيت به عند أحد الإخوة الأعزاء ... وعلى مائدة
الفطور في يوم الإثنين الماضي.. عادل يصوم الإثنين.. وتطوعا... أقبلت عليه هاشا
ومرحبا وقلبي يرقص طربا أن أرى مثل عادل في مثل هذا المكان.
قلت والعجب
يملكني- ها... كيف وصلت إلى هذه الدرجة من التغير وأنت الذي أعرفه اللاعب الصاخب.
فجاء جوابه أعجب
من مظهره حيث قال والابتسامة النورانية تعلو محياه- يا أخي ألم تسمع قول الحق ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ
أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ (سورة
غافر:15)... فعلا يا أخي لقد كنت بغير روح، فقلت وأنا أطلب التفصيل- كيف
كنت بلا روح؟
-یا عزیزی.. لقد أقبلت علي
أيام كنت أدخل السينما وأخرج منها إلى سينما أخرى ومنها إلى ديوانية لهو.. كنت
أركض وراء قتل الوقت... وكنت ألهث من سرعة الركض كأن هناك شيئا يتعقبني، دائما كنا
نردد هذه الكلمة يا فيصل- اغنم زمانك- اغنمه باللهو... الحق أيامك التي تمر من
أمامك كلمح البصر؟
وخشيت أن أقاطعه
فقلت كلمة استيضاح قصيره- كيف كلمح البصر
وهنا رجع عادل
في مقعده ورفع رأسه وقال: الموت صدق يا فيصل كلنا كنا في رهبة منه ويوم الغم عندما
يموت عند أحدنا قريب، أذكر مثل هذه المناسبة وذهبنا إلى المقبرة لتشييع جنازة والد
أحد- الشلة- وكان يوما كالحا.
الشيء الذي تركض
منه يوميا قد انتصب أمامنا ملىء الأرض والسماء... الموت... النهاية... ما وراءها..
ما هي نهاية هذا العبث والمجون... ها هي القبور الصامتة قد فتحت أسقفها تستقبل
الوافدين من عالم الحركة إلى عالم السكون.. وسكون الأجساد وعذاب الأرواح لقد جلست
يوما أعد المعاصي التي فعلتها يا فيصل، فقلت عمري الآن ٢٤ سنة وحسبت معاصي ١٤ سنة
على سبيل المثال فوجدت أن في اليوم على الأقل عشر معاصي وفي السنة ٢٦٠٠ معصية
وانتهيت إلى أكثر بكثير من خمسين ألف معصية، هذا إذا كان في اليوم عشر معاصي فكيف
وأنا لا أقل عن مئة معصية في اليوم... أين النجاة.. أين النجاة.. والله يقول- ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ
عَتِيدٌ﴾ (سورة ق: 18)
توقف عادل عن
الحديث فنظرت إليه وإذا بالدموع قد اندفعت من عينيه فوضع كفيه على وجهه وأجهش
باكيا.
فربت على كتفه
وقلت- يا عادل ألم تعلم أن الله عز وجل من فيض كرمه يقبل التوبة الصادقة ويبدل
السيئات إلى حسنات.. ألا تفرحك هذه البشرى.
فرفع وجهه وقال-
لولا هذا الظن بالله لهلكت من الغم لقد سمعت قول الله تعالى يناديني وأمثالي ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ
أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (سورة الزمر: 53).
فهرولت أتنكب
الطريق إلى الله وأملي أن يقبل الله توبتي.
فقلت له- یا
عادل، لقد جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام «لله أشد فرحا بتوبة العبد من
رجل فقد راحلته بفلاة فانطلق إلى ظل ورقد فيه ثم استيقظ فوجد راحلته عنده فقال:
اللهم أنت عبدي وأنا.. ربك أخطأ من شدة الفرح» أو كما قال عليه السلام.
فقال عادل وقد
زال عنه بعض الغم- يا أخي، إن مسؤلية انتشال أمثالي من الضالين هي في رقاب الدعاة
الذين وقفوا على جادة الحق وأمسكوا بلواء الهدى. إن أعدى أعداء الدعاة يا أخي هو
جهل الناس بدينهم وإبعاد الرحمة فيه، لذا كنا في ضلالنا نهزأ بالإسلام وأهله ولا
لوم علينا فالإنسان عدو ما جهل
سمعت كلمات الأخ عادل الأخيرة فأصررت على نقلها إليكم عبر هذه الصفحة
ليعلم كل الدعاة حجم مسؤلياتهم مهامكم الشباب التائهة ينادونكم كي تنقذوهم، ولا
يغرنكم استهزاءهم وأعراضهم في البداية فكما قال عادل- الإنسان عدو ما جهل-
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل