الثلاثاء 03-أكتوبر-1978
مقدمة
قبل أن نبدأ الحديث عن عمار ونسترسل في ذلك الحديث الطويل، نقدم شيئًا من التاريخ عن أبيه وأمه. من المعروف أن أباه هو ياسر العبسي، وقد جاء من اليمن إلى مكة مع أخويه بحثًا عن أخ رابع لهم، ولكنهم لم يجدوه، وأقام ياسر في مكة، بينما رحل أخواه عائدين إلى اليمن. وكان الثلاثة قد نزلوا في دار أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي.
وكانت توجد في داره سمية بنت خياط وهي التي تزوجها ياسر فيما بعد وقد صار حليفًا لأبي حذيفة.
عاش الزوجان حينًا من الدهر في أهنأ حياة وأجملها. ثم حملت سمية بغلام، لما ولدته سمته بعمار.
ولم يكن اسم عمار معروفًا في ذلك الوقت، ولكنها اختارت ذلك الاسم الجديد. وربما قصدت بهذا الاسم أن يكون ابنها سببًا من أسباب العمار أو أن يكون من المعمرين.
على أي حال ظلت هذه الأسرة الصغيرة في كنف أبي حذيفة حتى جاء اليوم الذي كان له في حياتهم أثر كبير، وهو اليوم الذي دار فيه حديث عن محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الحديث في دار أبي حذيفة نفسه، وبلسانه حين قال لأهله:
- أتعرفون محمد بن عبد الله الذي حدثتكم عنه من قبل، قالوا نعم. ذلك الرجل الذي يزعم أن الله أرسله إلينا. قال تمامًا تمامًا.. لقد تطاول اليوم على هبل. وقال إنه صنم من الأصنام لا يضر ولا ينفع ولا يبصر ولا يسمع. قالوا دعك من كل هذا يا أبا حذيفة. فما هي الأيام حتى تذهب عنه تلك اللوثة التي أصابته ثم يعود إلى ما كان عليه من قبل.
وهكذا دار الحديث وبدأ التفكير في دعوة محمد عليه السلام.
قال ياسر العبسي لابنه:
- عمار.. إن شيئًا في قلبي يحدثني أن دعوة هذا النبي حق. ويدعوني إلى أن أقوم إليه وأؤمن به.. فقال عمار لأبيه:
- وأنا كذلك يا أبتاه.. فإن هذا الإحساس يغامرني وأحسه في قلبي.
أما سمية فقد صاحت:
- خذوني معكما.. فقد سئمت عبادة هذه الأحجار.
وخرجت ثلاثتهم إلى رسول الله وسمعوا منه وأسلموا. وما أن وصل خبر إسلامهم إلى أبي حذيفة حتى دعاهم الرجل إلى ترك دين محمد والرجوع إلى دين قريش ودين الآباء.
ولكنهم أبوا. وقد هز رفضهم أبا حذيفة هزًّا عنيفًا فلم يكن ينتظر منهم أن يفعلوا ذلك. وأنذرهم أبو حذيفة بالعذاب الشديد إن لم يعودوا إلى دين قريش وأمهلهم ثلاثة أيام للتفكير، غير أنهم كانوا قد فكروا وانتهوا من التفكير، وكانوا قد قرروا وأخذوا قرارهم الأخير.
وبدأت أيام العذاب والاضطهاد تطل على الأسرة الصغيرة الصابرة. صب شيوخ قريش ألوانًا من العذاب على هذه الأسرة كما فعلوا مع بلال بن رباح وغيره. كان يأتي أبو حذيفة ويقيد أرجلهم وأيديهم، ثم يخرجهم عند وقت الظهر إلى رمال الصحراء المتقدة، ويلقي بهم ويضحك ويظن أنه منتصر عليهم.
ويذهب إلى كبار رجال قريش ويدعوهم ليمتعوا أنفسهم برؤية عمار وأبويه، ويروحوا عن أنفسهم بهذا المنظر المثير المؤلم.
وكان أبو حذيفة يقول:
- لقد أشفقت عليكم اليوم، فلم أصب عليكم من عذابي إلا قليلًا ولعلكم الآن قد عزمتم على أن تعودوا إلى دينكم القويم.
فيرد ياسر قائلًا:
- لا.. ذلك أمر بعيد. لقد آمنا بالله وحده ولن نعود إلى هبل. فاصنع ما بدا لك.
ومضت أيام العذاب دون أن تنال من الصابرين.
الحوار
قلت لعمار بن ياسر
- إنكم رمز الصبر في الإسلام يا آل ياسر.
قال عمار:
- سمع النبي صلى الله عليه وسلم بما نحن فيه من العذاب.. فكان يأتي إلينا بين الفينة والفينة ونحن بالأبطح فينظر إلينا متأسفًا حزنًا ويقول قولته المشهورة:
- «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة».
قلت لعمار بن ياسر:
- وكيف كانت حالتكم حين تسمعون كلام الرسول عليه السلام؟
- كان كلامه ينزل على قلوبنا بردًا وسلامًا وكنا نحس لها في قلوبنا أثرًا شديدًا.
- ولقد كانت رؤيتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تبعث فينا القوة والجلد والاحتمال.
ثم ضاق أبو حذيفة بنا ذرعًا. فلقد جرّب معنا كل أنواع العذاب. واستأذن منه أبو جهل لقتلنا وجاء أبو جهل إلينا حاملًا حربته، فدعانا إلى الكفر فأبينا. فهددنا بالقتل فلم نسمع لتهديده، فرفع حربته وضرب أمي ضربة قوية فوقعت شهيدة في سبيل الله. ومضت الأيام بعد مصرع أمي والعذاب يشتد علينا يومًا بعد يوم. ويأتي أبو حذيفة بين كل لحظة وأخرى فيسألنا أن نعود إلى دين قريش فنأبى فيزيد عذابه وقسوته علينا. وظللنا هكذا عدة أيام بعد مصرع أمي. وكان أبي رجلًا ضعيف الجسم، كبير السن. فلم يستطع تحمل العذاب.
وفي يوم رأيت أبي يتلوى من الألم ويغمغم بكلمات عرفت منها أن نهايته قد قربت. وصدق ظني فما هي إلا ساعة أو يزيد قليلًا حتى نظرت إلى أبي فوجدته ساكنًا لا يتحرك. فناديت أبا حذيفة، فلما جاء أشرت إلى أبي، فحركه فلم يتحرك، فأيقنت عندئذ أنه قد مات وانتقل إلى جوار ربه شهيدًا كريمًا.
البقية في العدد القادم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل