; حوار مع- صُهَيب الرّومي | مجلة المجتمع

العنوان حوار مع- صُهَيب الرّومي

الكاتب أبو عمرو

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1978

مشاهدات 87

نشر في العدد 413

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 26-سبتمبر-1978

مقدمة:

حديث شريف عن أبي أمامه قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: أنا سابق العرب إلى الجنة، وصهيب سابق الروم إلى الجنة، وبلال سابق الحبشة إلى الجنة، وسلمان سابق الفرس إلى الجنة.

وحين تكون الكتابة عن رجل من أهل الجنة، فهي جديرة بالاهتمام.

ففي ليلة ظلماء ترك صهيب بلاده التي كره الإقامة فيها, وهي بلاد الروم التي كانت في ذلك الحين واقعة تحت سيطرة عصابة تسوق الناس بالعصا والإرهاب، وقد تفشى الفساد والانحلال بين ربوعهم؛ فهرب صهيب تحت جناح الليل يلتمس النجاة،

وضرب في الأرض إلى أن حقق مبتغاه وحط رحاله في مكة التي كان يحلم بالذهاب إليها، والتي أقام فيها بعد ذلك عمرًا طويلًا ، وقد حالف عبد الله بن حدعان.

أكان صهيب على موعد مع الرسالة ظهور النور الذي يغمر الكون بالهدى والرحمة.

وظل يترقب الأحداث ويصغي إلى وقعها من حوله، وكلما علا صوت الأحداث في أذنيه زاد شوقه إلى ما تتمخض عنه، وتوقع أن يسمع ما يفكر فيه، وارتفع صوت إلى الأحداث إلى قمتها حين سمع همسًا ذات يوم عن دعوة محمد- عليه السلام-, وتملكه الفرح؛ إنه الخبر الذي جاء من أجله إلى هذه الأرض المباركة, وما كان هروبه إلا لهدف وغاية نبيلة تفوق حدود الرغبة في الخلاص من البطش والاستبداد.

وتقدم صهيب يعلن إسلامه، ويفتح صفحة ناصعة البياض في حياته وقد أسلم هو وعمار بن ياسر في يوم واحد.

الحوار:

قلت لصهيب:

- بعد الإسلام, وما تعرض له المسلمون من تعذيب, أمر الرسول- عليه السلام- بالهجرة, فكيف هاجرت يا صهيب؟

قال صهيب بصوت المؤمن المتمكن من إيمانه وجهاده:

- وقفت بين القوم وقلت لهم يا معشر قريش تعلمون أني من أرماكم.. ووالله لا تصلون إلى حتى أرميكم بكل سهم عندي, ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء.

قالوا بغضب نفرت له العروق:

- أتيتنا صعلوكًا حقيرًا؛ فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك, والله لا يكون ذلك.

قلت لهم أنا مستعد للنزال:

- أرأيتم إن جعلت لكم مالي, أتخلون سبيلي؟

قالوا وهم يحبون المال على أي شيء آخر:

- نعم, فدلنا على مالك ونخلي عنك.

وقد كان. فلما سمع النبي بما حدث بين صهيب وبين قريش قال- عليه السلام-:

- ربح صهيب, ربح صهيب.

ولما بلغ صهيب المدينة، قال له- عليه السلام-:

- ربح البيع أبا يحيى.

والنبي هو الذي كناه بأبي يحيى، وآخى النبي بينه وبين الحارث بن الصمة. 

واطمأن صهيب إلى الحياة الجديدة التي رفرفت فوقها راية الحرية والمساواة, وقد شهد صهيب بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله، بل وأنفق صهيب ماله في سبيل الله, وكان عنيفًا قاسيًا على عداء الدعوة, وكان مع ذلك يمتاز بخلق طيب مع إخوته المسلمين.

قلت لصهيب الرومي:

- قص علينا حكاية التمر الذي أكلت منه أمام الرسول.. 

قال صهيب ذلك الصحابي الجليل:

- جئت النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو نازل بقباء وبين أيديهم رطب وتمر وأنا أرمد, فأكلت.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

- أتأكل التمر وأنت أرمد؟

فقلت:

- إنما آكل على شق عيني الصحيحة؛ فضحك النبي- عليه السلام- حتى بدت نواجذه.

قلت لصهيب:

- كان عمر بن الخطاب محبًا لك يا صهيب، حسن الظن بك. فكيف كان يراك يا صهيب؟ أو ما هو رأيه فيك؟

قال صهيب الرومي:

- قال لي عمر بن الخطاب: ما فيك شيء أعيبه يا صهيب إلا ثلاث خصال: أولاهن ما قدمت عليك أحد.

ثم قال عمر- رضي الله عنه-:

- أراك تسب عربيًا ولسانك أعجمي تكنى بأبي يحيى اسم نبي، وتبذر مالك.

فقلت له:-

- أما تبذیري مالي فما أنفقته إلا في حقه, وأما كتنائي بأبي يحيى فإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كناني بأبي يحيى فلن أتركها، وأما انتمائي إلى العرب، فإن الروم سبتني صغيرًاح فأخذت لسانهم وأنا رجل من النمر بن قاسط، ولو انفلقت عن روئه لانتميت إليها.

وكان عمر- رضي الله عنه- يكره التسمي بأسماء الأنبياء, أنكر ذلك على المغيرة تكنيته بأبي عيسى، كما أنكره على صهيب، ولكن الاثنين أخبراه أن الرسول- عليه السلام- كناهما بذلك؛ فسكت عمر.

ومن حب عمر- رضي الله عنه- لصهيب أنه لما ضرب، أوصى أن يصلى عليه صهيب، وأن يصلى بجماعة المسلمين ثلاثًا حتى تتفق أهل الشورى على من يستخلف من بعده وهذه شهادة عظيمة من الخليفة عمر بن الخطاب تعترف بمكانة صهيب وعلو قدره.

خاتمة:

توفي صهيب- رضي الله عنه- بالمدينة المنورة في شوال سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وكان عمره وقتذاك ثلاثًا وسبعين سنة، ودفن بالبقيع. 

كانت حياته حافلة بالجهاد والعطاء والتضحية في سبيل الدعوة التي آمن بها، والتي سعى لها من بلاد الروم إلى مكة قبل أن يعلم بأمرها. كانت الدعوة لم يسطع نورها بعد, بيد أنه كان يحس أنه أتى إلى مكة لأمر عظيم عرفه بعد ذلك حين أشرق نوره ومحا وجود آلهة قريش، فأقبل على الدين الجديد بعد بضعة وثلاثين رجلًا, أي كان صهيب من المسلمين الأوائل ومن العاملين بإخلاص وحب وفداء, وبقيت صفحته الجديدة البيضاء التي فتحها عند دخوله الإسلام عنوانًا للأجيال على مدى التاريخ,  يأخذون منه العبرة والقوة وحب العقيدة. ألم يترك ماله لقريش وينج بدينه؟ ألم ينفق ماله بعد ذلك في سبيل الله؟ 

إنه رجل من أهل الجنة، بل هو سابق الروم إلى الجنة كما قال ذلك النبي- عليه السلام-.

الرابط المختصر :