الأحد 10-سبتمبر-1978
يدعو الدين الإسلامي إلى العلم و المعرفة. وفي هذه الدعوة ما يؤكد أن العلم لا يتناقض في جوهره مع فكرة الإيمان بالواحد القهار، ولا يتناقض أيضًا مع سلوك المسلم في مجتمعه وفي حياته التي هي ميدان عمل ينال عليه ثوابًا أو عقابًا يوم الحساب.
من المقدمة الموجزة التي أستهل بها حديثي يتأكد لنا أن الإسلام يحث على طلب العلم، ومحو أمية الجاهل وما أكثر الجهال في عصرنا هذا، وتجد الشخص جاهلًا رغم أنه يحمل درجات علمية عالية وشهادات من أكبر الكليات في العالم المتحضر. ما فائدة علمه وهو لم يتعلم شيئًا ينفعه في دينه وعبادته؟ ينبغي أن يكون العلم نافعًا لصاحبه، يفتح له بابًا في الدنيا يعبر منه إلى حياة طيبة، ويفتح له بابًا في
الآخرة يدخل منه إلى الجنة التي أعدها الله للأنبياء والعلماء والصالحين.
تذكرت أحد الرجال الذين سلكوا طريق العلم من أجل النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة. أقصد بذلك الرجل سفيان بن سعيد الثوري. وقبل أن أدير حواري معه، أقدمه إلى القراء، فقد ولد سنة خمس وتسعين أو سبع وتسعين من الهجرة، وكانت الكوفة هي البلد التي ولد فيها، وكان أبوه من ثقات المحدثين الذين أخذ عنهم سفيان، ومن هذا نفهم أن أباه أول من لقنه العلم، ودله عليه، بل وحببه فيه، وغرس بذرته في نفسه، ثم تولى رعايتها إلى أن أثمرت.
هل الآباء في عصرنا هذا يعلمون أبناءهم شيئًا مما تعلموا؟ أو يكون السؤال بصيغة أخرى، هل الآباء أنفسهم حرصوا على العلم، وتعلموه وأعطوه لغيرهم؟ من غير شك تختلف الإجابة بين الآباء، وأخشى أن تكون الإجابة بالنفي في أغلب الحالات.
نشأ سفيان بين كتب الدين، وخاصة الحديث، ثم تفتحت عيناه على جو من العلم يتسم بعبير النبوة ويأخذ منها ويفيض على من حوله.
جو كله خير، يسوده جوامع الكلم ويغلب عليه النطق بما قال الرسول عليه الصلاة والسلام. ومن هنا اتجه سفيان بن سعيد الثوري في دراسته وجهة أبيه، وسار في طريقه وتقدم نحو النور الساطع، لم يكن يقصد سفيان بعلمه إلا وجه الله.
-قلت لسفيان:
-اخترت طريق العلم.. فهل أنت الذي اخترت؟
-قال بأسلوب العلماء:
-طلبت العالم فلم تكن لي نية، ثم رزقني الله النية.
قلت أفسر قوله:
-تقصد أنك طلبت العلم أولًا بحكم العادة البحتة لأنك نشأت في جو علمي ثم وفقك الله سبحانه وتعالى إلى أن تقصد بهذا العلم وجهه وحده.
ومما يجدر ملاحظته أن المحدثين في ذلك الحين ما كانوا يأخذون أجرًا وإنما كانوا يتمثلون قوله تعالى:﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 90).
قلت لسفيان بن سعيد الثوري:
-إننا نحسدك على هذه الحياة،
وذلك البيت الذي تربيت فيه، كان فيه النور والإشراق والصفاء، وفيه باستمرار ذكر أقوال خاتم الأنبياء محمد عليه السلام، وإن كانت حياتك تلك لم تنعم بقليل أو كثير من الرغد والترف، كان التقشف يضرب خيمته على الدار، وكان أهلها يعيشون في هدوء واستقرار وكانت أمك من النساء الحصيفات النقيات لقد كانت ذات عقل وتقوى وفضل في إدارة الحياة على خير وجه.
قال سفيان بن سعيد:
-كانت أمي تقول لي: يا بني اطلب العلم وأنا أعولك بمغزلي، وإذا كتبت عشرة أحرف، فانظر هل ترى في نفسك زيادة في الخير فإن لم تر ذلك فلا تتعبن نفسك.
-ما أعظم هذه الأم الفاضلة التي تريد أن تعول ابنها بمغزلها إلى أن يتعلم، وهي لم تكن تريد من وراء ذلك مالًا وثراءً وإنما كانت تريد أن يزداد الخير في نفسه، إنها أم جديرة بالإعجاب والتقدير، نظرة الأم إلى هدف العلم، إنما هي النظرة التي كانت تسود البيئة وقتذاك نظرة تقوم على أساس متين ثابت يستمد قوته من قوله تعالى:﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28) وقوله الحق:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: 18).
وكانت البيئة طاهرة، لم تفسدها أفکار وارده من شرق أو غرب، فالأجر من الله، والعلم لوجه الله، والعمل كله عبادة من من أجل الآخرة، وكان حديث رسول الله واضحًا في الأذهان، قال عليه السلام:
«من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا أو درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر».
ولذلك كله أقبل سفيان بن سعيد على العلم برغبة وحب وإيمان. وجد أباه يرشده إلى الطريق. ووجد أمه تشجعه على المضي فيه. وتقول له أن يتعلم وهي تتكفله بمغزلها. وأن لها أجرًا على ذلك، وما الأجر إلا من الله، كان الكل يطلب الأجر من الله وحده، ولا يعمل إلا لوجهه سبحانه، وبدأ سفيان يتعلم اتباعًا لأبيه واستجابة لرغبة أمه، وكان لا يزال في سن صغيرة، يحفظ الحديث الشريف ويفهم، ويستوعب السيرة النقية الطاهرة ويدرك المعنى والعبرة ويسلك طريقه واثقًا من خطواته، وتنمو مداركه بالقول السليم والعمل وقد خلت حياته مما يشغلها أو يصرفها عن الوصول إلى ما تريد.
قلت لسفيان:
-ولكن.. هل رضيت أن تتفرغ للعلم وتعمل أمك بمغزلها لتنفق عليك؟
قال:
-كان ذلك وأنا صغير.. وبمجرد أن دخلت في دور الشباب بدأت أفكر جديًّا في أمر معيشتي..
فقلت له:
-ليس من الطبيعي أن يغتبط الإنسان بأن تعوله أمه وهو قادر على العمل وخاصة أنت لأنك صاحب الفطرة الصافية..
قال سفيان:
-بعد أن بلغت المرحلة الأولى من الشباب.. زاولت مهنة التجارة للحصول على المال.
-حدثني عن الكسب والربح.
قال سفيان بلسان المتعلم المؤمن: إن المال لا بد منه للإنسان المسلم المؤمن، وذلك أن الإيمان يتضمن أن يحفظ الإنسان نفسه من المسألة.. لا يسأل الناس أن يعطوه.. إنما يعمل ويعطي.. هذا المؤمن السخي القوي، فكان لا بد أن أكسب فاشتغلت بالتجارة دون أن أقصر في جانب العلم، قلت لسفيان:
-قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». ولقد فهم الصحابة فضل تعلم القرآن الكريم وأجر تلاوته فأقبلوا على المصحف يتدارسون آياته ويعملون بما فيها رجاء أن ينالوا الفوز والجنة، وإنك من هؤلاء الذين تعلموا العلم وعلموا غيرهم.
موقف عظيم من الرسـول الكريم
رفض عدي بن حاتم أن يدخل في دائرة النور والهداية، غير أن أخته نصحته بأن يفعل، وأن يذهب إلى الرسول ليرى بنفسه كريم أخلاقه، وعندما ذهب عدي
استقبله النبي عليه السلام وصحبه إلى بيته، وفي أثناء سيرهما، لقيت النبي الكريم عجوز فاستوقفته وكلمته في أمر من الأمور التي تخصها، فوقف النبي معها طويلًا، وإذ عدي يرى ذلك ويقول في نفسه: والله ما هو بملك لأن الملوك لا تتواضع هكذا، وتقف للناس وتسمع شكاوى المساكين في الطرقات.
ولما دخلا البيت، قدم له النبي عليه السلام وسادة جلدية محشوة بالليف ليجلس عليها، فأبى عدي وردها، فلم يكن عند الرسول غيرها ولكن الرسول رفض وأصر أن يجلس عليها ضيفه، وجلس النبي على الأرض، وهنا تأثر عدي وتملكته الدهشة بما شاهد بنفسه من موقف النبي الكريم، ودخل الإسلام في الحال ولم يقم من مكانه إلا بعد أن أصبح مسلمًا..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 324
81
الثلاثاء 09-نوفمبر-1976