العنوان حوار.. مع رمضان
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر السبت 21-أغسطس-2010
مشاهدات 121
نشر في العدد 1916
نشر في الصفحة 24
السبت 21-أغسطس-2010
﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَات من الْهُدَى وَالْفُرْقَان ) (البقرة:١٨٥)
تناولت بفرحة الصائم فطوري المبارك، ودعوتُ دعوات الإفطار المباركة. ثم نظرت إلى ضيفي الكريم، فوجدته على غير عادته جالسًا وحيدًا مهمومًا. فأصابتني رعدة الخائف على شعور ونفسية ضيفه.
فسألته أيها الحبيب ما هذا الذي أراه على وجهك؟
أهذا هو رمضان الطيب المبارك حامل الخيرات الباسم دومًا؟! ألا تشاركني فرحة الصائم حين يفطر ؟!
ألا ترى احتفاء الجميع بك؟! ألا ترى سعادة الصغير والكبير بقدومك؟!
ألا ترى سرورنا جميعًا بضيافتك؟
فنظر إلي نظرة المشفق على محدثه لجهله بحقيقة الأمور، ثم تنهد تنهيدة حزينة. وكأنها زهرة غاضب وأطرق بحزن إطرافة طويلة: حسبتها دهرًا من القلق الذي ملأني.
هموم رمضان
ثم قال: لقد حضرت إليكم على موعدي في زيارتي السنوية لكم أيها الأحباب: فوجدت الزينة في كل مكان كما عودتموني ورأيت الحفاوة من الجميع كما عودتموني.
ورأيت مظاهر حسن الضيافة الطبية كما عودتموني.
فشكر الله لكم على حسن الاستقبال ولكن مرت أيام تلو الأيام، وأنا بينكم فاستشعرت وسمعت ورأيت ما أحزنني على نفسي، وعلى مهمتي، وما أهمني على مضيفي، وما أقلقني على أحبابي.
فقلت: أيها الضيف الكريم ماذا أطلقك وما الذي أحزنك؟؟
قال: لقد جئت هذا العام - وككل زيارة سنوية – وأنا أحمل الآمال الكبار، والأمنيات العظام، بأنني سأفعل شيئًا يرضي الحق سبحانه الذي أرسلني إليكم برسالة اعتز بها: وجعلني بها مفضلًا عن أقراني من الشهور الأخرى، ويكفي نزول القرآن في ولا تنس فتح مكة، ولا تنس غزوة بدر، حتى حربكم الأخيرة ضد یهود، والتي يعتز بها الطيبون منكم فيسمونها معركة العاشر مني و.. و…
ثم صمت محدثي الكريم برهة ثم نظر إلي، ثم وجه نظره إلى الأفق البعيد: ثم أردف وكأنه يحدث نفسه أو يخاطب شخصًا بعيدًا لقد كنت أطمع في تحقيق مهمتي وأداء رسالتي التي أعيش من أجلها والتي لولاها ما خلقني سبحانه، وفضلني، وأعدني، وأرسلني إليكم.
ولقد أفهمني سبحانه أنني قادم إلى خير الأمم.
وأنني سأكون في ضيافة أبناء الأمة المختارة: الذين يحملون رسالة عظيمة تتفق مع رسالتي فاستشعرت قدرًا عظيمًا من الأنس.
وهزتني هذه الكلمات العلويات: وكأنني أسمعها لأول مرة: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ (1) عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ (2) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ (3) عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ (4) ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ (5) وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ (6) وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ (9) وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ (10) فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ (11) وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ (12) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)﴾[ سورة الرحمن:١٣: 1]
فنحن الخلائق علاقتنا بالخالق: هي ببساطة علاقة عبودية: علاقة معبود يُعبد، وعابد يعبد.
والعلاقة بيننا نحن الخلائق هي علاقة تعايش وتواد، علاقة تظللها موازين العدل والرحمة
وتنظمها سنن الله عز وجل الإلهية في الأنفس أي عالم البشر، والآفاق أي عالم المادة.
لذا غمرني شعور دافق بالألفة.
يا إلهي، إني ذاهب لزيارة أهلي وعشيرتي وإخوتي في الله.
ثم.. وهنا صمت رمضان الحبيب ورأيت عينه تملأها الدموع وواصل حديثه الشجي وكأنه لا يريد إظهار ضعفه الرقيق أمامي: لقد كنت أطمع في إحداث تغييرًا نفسيًا داخلكم فيظهر على سلوكياتكم، ثم يستمر أثره بعد مغادرتي.
أيها الأحباب أنا هدية ربكم إليكم.
انا فرصة العمر لكم.
انا سوق سنوية قد أقامها الحق لكم، وستنقض خلال أيام وسيربح فيها من يربح و سيخسر فيها من يخسر.
وانظروا لقد عاشرتكم أيامًا، ولا أقول سنوات وأنتم كما وجدتكم، وإنني أشعر بالذنب من ثقل الأمانة والرسالة التي حملني إياها الكريم سبحانه وهي أن أعينكم على حسن حمل وتنفيذ مهمتكم في هذه الحياة.
ولكنكم لم تحسنوا استغلال هديتي إليكم. ولم تقبلوا معاونتي لكم.
أحباب رمضان ومستضيفيه الكرام: هل غابت عنكم رسالتي؟!
أم فعلتم بها كما فعلتم برسالة رب العالمين؛ التي اختاركم لها؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل