الثلاثاء 08-أغسطس-1978
* فتحت الكتاب المكتوب على غلافه اسم بلال، وما إن شرعت في القراءة حتى طلع وجه بلال يطل من بين السطور، ولأني رأيت هذا الوجه من قبل، كما رأيت صاحبه من خلال قراءتي عنه، لم أدهش أو أشعر بغرابة، ورحبت بهذه الشخصية التاريخية التي لها في الإسلام مكانة عالية، وقلت:
- تحدثنا يا بلال عن كيف أسلمت.. وما قال الكاذبون عنك.. هؤلاء الذين يسمون بالمستشرقين.. وزعموا أنك أسلمت من أجل منفعة أو مصلحة.. وهذا غير صحيح على الإطلاق.. كان إسلامك نابعًا من الأعماق التي استقبلت الإسلام بالفطرة..
ثم تحدثنا معًا عن أبي بكر الذي دعاك إلى الإسلام فلبيت.. وانتهى حديثنا عن تعذيب أمية بن خلف لك.. وقد ظن أنه يستطيع بهذا التعذيب الشديد أن يردك إلى الدين القديم.. ولكنك كنت قد آمنت وبلغت مكانة لا يمكن أن تتركها.. ولذلك تحملت الضرب وجرك في الرمضاء.. كما تحملت الجوع والعطش.. وإهانة الصبية والسفهاء.. قل لي يا بلال: ماذا حدث لك بعد ذلك؟
قال بلال بصوته القوي العميق:
- شاعت الأقدار أن يمر أبو بكر بن أبي قحافة.. وكان في طريقه إلى بيته.. وشاهدني في تلك الصورة المؤلمة.. ملقى على الأرض والصخرة على صدري العاري.. وتأثر أبو بكر الصديق.. والتفت إلى أمية الواقف غير بعيد وقال له:
- حتام تعذب هذا العبد، ألا تتقي الله فيه؟
قال أمية بوجهه المعقد بالغضب:
- کفى یا أبا بكر.. أنت السبب في عذابه.. وأنت أفسدته.
- لم أفسده.. ولكني هديته إلى الحق.. أنا مستعد لشرائه.
- أتشتريه.. كم تدفع فيه؟
- ما تطلبون؟
- خمس أواق من الذهب.
ولم يتردد أبو بكر ودفع له ما طلب، فقال أمية:
- لو أبيت إلا أوقية لبعناك.
- لو أبيتم إلا مائة أوقية لدفعتها.
ولكن أمية لا يفهم هذا الأسلوب وذلك السلوك الإسلامي.. في قلبه مرض، وفي نفسه عوج، وعلى عينيه غشاوة، فلم ير ولم يسمع ولم يحس.
ورفع أبو بكر الصخرة الضخمة، ونهض بلال وانطلق مع أبي بكر.
في الطريق قال بلال لأبي بكر:
- إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعمل الله.
فقال أبو بكر في الحال:
- أنت حر يا بلال.
وأصبح بلال حرًّا طليقًا من قيد العبودية وظلم الإنسان. وسار الرجلان حتى وصلا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقص أبو بكر عليه القصص، فقال له النبي:
- «الشركة يا أبا بكر».
- قد أطلقت سراحه يا رسول الله.
ومنذ ذلك التاريخ صحب بلال رسول الله كي يتفقه في الدين ويزداد علمًا بأسرار دعوته، وظل قريبًا من الرسول حتى أمر رسول الله أصحابه أن يهاجروا إلى المدينة.
وسألت بلالًا:
- كيف هاجرت.. حدثني؟
قال بلال وشعاع عينيه يلمع بالذكرى:
- هاجرت ذات ليلة مع سعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر.. سار ثلاثتنا بالليل حتى وصلنا المدينة.. وهناك وجدنا إخوة لنا من خيرة الناس وأفضلهم.. يحبون من هاجر إليهم..
- وكيف قضيت أيامك؟
- كنت أنتظر طلعة الرسول.. أخرج كل يوم إلى ظاهر المدينة لعلي أحظى برؤيته بعد أن سمعت أنه هاجر مع أبي بكر الصديق.. ولما وصل كنت في أول صفوف المستقبلين، ولما بدأ الرسول ببناء المسجد كنت من المشتركين العاملين بهمة ونشاط. وبعد أن فرغ الرسول من بناء المسجد جلس مع صاحبته يستشيرهم في طريقة يجمع المسلمين بها إلى الصلاة.
وقال صحابي:
- ننصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رآها الناس علم بعضهم بعضًا. ولكن الرسول لم يعجبه هذا الرأي، فقال آخر:
- لو رفعنا نارًا لرأها الناس جميعًا وقاموا للصلاة.
- ذلك للمجوس.
قال شخص ثالث:
- ننادي في البوق.
- هو من أمر اليهود.
قال رابع:
- نتخذ الناقوس.
- هو من أمر النصارى.
وكان يوجد رجل يسمى عبد الله بن زيد، رأى الرسول مهمومًا متفكرًا فحز ذلك في نفسه، وسأل الله تعالى أن يهديه إلى حل لمشكلة الدعوة إلى الصلاة، وذهب عبد الله إلى بيته ولم يذق طعامًا، وقام يتوضأ، وصلى ركعتين، ثم نام على طهارة ووضوء، ورأی عبد الله فيما يرى النائم رجلًا عليه ثياب خضر وفي يده ناقوس، فقال له عبد الله:
- أتبيع هذا الناقوس؟
- ماذا تريد به؟
- أريد أن أبتاعه لأضرب به الصلاة لجماعة المسلمين.
- دعك من هذا.. أنا أحدثك بخير لكم من ذلك.. وعلمه الرجل هذا النداء:
- الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن محمدًا رسول الله.. حي على الصلاة.. حي على الفلاح.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله.
ونادى الرجل بذلك النداء وهو على سقف المسجد، ثم قعد قعدة ثم نهض فأقام الصلاة، وقام عبد الله من نومه فرحًا وأسرع إلى الرسول فقص عليه ما رأى في نومه، فقال له الرسول: «قم مع بلال فألق عليه ما قيل لك، وليؤذن بذلك؛ فإنه أندى صوتًا منك».
وجاء عمر فقال:
- لقد رأيت يا رسول الله مثل الذي رأی عبد الله بن زيد.
فقال الرسول: «فلله الحمد.. فذلك أثبت».
وأصبح بلال بعد ذلك يصعد إلى أعلى المسجد يدعو الناس إلى الصلاة، وكان صوته جهوريًّا نديًّا عذبًا.
وكان يغني في أيام الجاهلية لسيده أمية بعض الأشعار. عرف بصوته الحنون الصداح بين أهل مكة، ولما بدأ يؤذن، كان أذانه ينساب بين أرجاء المدينة، فما أن يسمعه المسلمون حتى يهبوا من نومهم مسرعين إلى المسجد.
ولقد زاد بلال في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم.. فأقرها رسول الله.
قلت لبلال معجبًا به:
- معنى ذلك أنك أول المؤذنين لرسول الله..
قال بلال بصوت المؤمن القوي:
- كنت مؤذن الرسول.. وكنت أقف خلفه أدعو الناس إلى الصلاة.
- وهل اشتركت في الغزوات؟
- نعم.. وفي أول غزوة وهي غزوة بدر.. إلتقيت بأمية بن خلف.. وذكرت مواقفه معي.. وفار الدم في عروقي.. ولقصة قتل أمية حديث طويل.. نؤجله إلى حلقة قادمة.
- بل لغزوة بدر حديث شجي.. وكم أحب أن أسمع منك يا بلال طرفًا منه.. ولا أنسى أن غزوة بدر وقعت في شهر رمضان.. ونحن الآن في رمضان، وهي مناسبة طيبة جاء الحديث فيها متفقًا معها تمامًا.
**
وأغلقت الكتاب ونهضت لصلاة الليل.. تلك الصلاة التي تقام في جوف الليل في خير شهر، وكان الهدوء يشمل الكون، وبعد أن فرغت من صلاتي بدأت أستعد لتناول طعام السحور مع أهلي.
مرحبًا يا شهر الصيام.. والقرآن.
البقية في الأسبوع القادم