الثلاثاء 01-أغسطس-1978
قبل أن ينتصف الليل، كنت جالسًا مع كتاب كعادتي أقرأ في هدوء ومتعة وكان قد شمل المكان سكون تام، ساعد على أن أغوص في أعماق الكتاب.كأنه بحر عميق، أو محيط ليس له قرار. كلما غصت بعيدًا عن السطح، وجدت الكتاب أعمق حتى صرت أنا وذلك الكتاب المفتوح بين يدي شيئًا واحدًا جامدًا لا يتحرك. وبينما أنا كذلك، لمحت وجهًا يطل من بين السطور، ما هو إلا وجه بلال بن رباح، الذي يتحدث عنه الكتاب. ثم ظهر بلال أمام بصري، ورأيته كما يصفه الكتاب ويرسم ملامحه، ويصف شكله، إنه طويل نحيل، أسود اللون، كثيف الشعر، ضامر الوجه، خفيف العارضين.
_ أتعلم إنك من أحب الشخصيات الإسلامية إلى نفوسنا، ومن أقربهم إلى القلوب؟
قال بلال ووجه يبتسم:
_ نعم.. أعلم مكانتي عند كافة المسلمين.
قلت بشيء من الدهشة:
_ لماذا يابلال أنت محبوب هكذا؟
قال بصوته الندي:
_ لأني أسلمت حبًا في الإسلام.. ولأني وجدت فيه الخير الذي لم أجده في سواه.. لم أسلم من أجل منفعة أو مصلحة كما يقال.
ازدادت دهشتي فقلت:
_ بعض المستشرقين قالوا ذلك.. زعموا أن الخدم والعبيد وأنت منهم لم يؤمنوا بدعوة محمد إلا لأنهم رأوا فيها مصلحة لهم. إذا إنها تسوي بينهم وبين علية القوم وسادة الناس.. ما رأيك يا بلال في هذا الزعم؟
_ غير صحيح.. إن المستشرقين فسروا أحداث التاريخ بمنطق فاسد.. وبغرض مكشوف.
ولمعت عينا بلال ببريق من نور إيمانه وقال:
_ إن المستشرقين عاجزون عن فهم الإسلام.. ومن هنا يأتي عجزهم عن فهم الكثير من التفسير.
قلت لبلال:
_ إن كان العبيد قد أسلموا من أجل مساواتهم بالسادة كما ظن المستشرقون.. فما هي مصلحة السادة في النزول بأقدارهم إلى مساواتهم بالعبيد؟
قال بلال:
_ أبو بكر الصديق.. كان من علية القوم.. وأسرع إلى الإسلام.. بل وتحول إلى داعية.. فهو الذي جاءني ذات ليلة وأخبرني بدعوة محمد- صلى الله عليه وسلم.. كنت على وشك أن أنام.. حين سمعت صوته يناديني في جوف الليل.. فقفزت من فراشي وخرجت إليه.. ألفيته واقفًا في وسط الظلام.. ودعاني إلى اتباع نبي هذه الأمة.. فما هي مصلحة أبي بكر في أن يسلم.. وأن يدعو غيره إلى الإسلام؟ إنه وجد فيه حياته التي كان يفقدها.. ووجد فيه نجاته من الضياع والضلال.
_ صدقت يا بلال.. ولكن ماذا فعلت بعد أن دعاك أبو بكر إلى الخير؟
_ لم أتردد.. ولم أفكر.. في نفس الليلة.. وقبل أن أصبح.. شهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.. لم أنتظر حتى أدير الأمر في ذهني.. ولم أطلب من أبي بكر أن يتركني بعض الوقت.. وإنما أسلمت في الحال. في نفس الليلة.. وملأ الإيمان قلبي.. ولا يستطيع أحد مهما كانت قوته، أن ينتزعه مني.. وأحسست أني مسلم منذ ولدت.. ونمت في تلك الليلة وأنا مطمئن.. أما فلاسفة عصركم.. والمثقفون والحاصلون على أعلى الشهادات.. فإنهم لا يخجلون من إعلان الشك.. مع أنهم مسلمون.. قد دخل الجدل حياتهم فطردهم من دائرة النور.. وقذفهم بعيدًا في منطقة الظلام.. ومن العجب أنهم يعتقدون أنهم يعيشون في النور بفضل مصباح العلم الحديث والمعرفة الوافدة من الشرق والغرب.. وليتهم يدركون الحقيقة.
قلت لبلال بن رباح.
_ كنت المسلم الصادق في إسلامه، القوي في إيمانه –وأنت العبد الضعيف الذي يملكه سيده الطاغية أمية بن خلف.. ذلك الغني المعروف بالغلظة والقسوة في حي بني جمح.
قال بلال بصوت جهوري:
_ ما إن عرف أمية أني أسلمت حتى أتى مهرولًا مسرعًا وصاح في وجهي قائلًا: دعك يا بلال من هذا الدين الذي اتبعت وعد إلى ديننا القديم فهو خير لك.
فقلت على الفور وبلا أي تردد أو خوف:
_ لا والله، لا أدع ديني أبدًا.
قال لي أمية بلهجة التهديد والوعيد:
_ أطعني يا بلال، وإلا دققت عنقك ومزقتك إربًا إربًا.
قلت لأمية بقلب امتلأ بقوة الإيمان:
_ لست أخشى بعد الله أحدًا، ولن أخاف من دونه ملتحدًا.
قال أمية بلسان كالسوط، ظن أنه يردني إلى ما يريد:
_ على رسلك يا بلال، لست أحب أن أكثر من الجدل معك. وسأرغمك هنا إرغامًا على العودة لدينك القديم.
قلت بنفس امتلأت بخير الدنيا و الآخرة:
_ افعل ما تشاء.
ثم حدث بعد ذلك ما حدث. نادى أمية بن خلف على خدمه ومواليه، وكان عددهم كثيرًا، ولا يعصون له أمرًا، ولا يردون له طلبًا، فلما أقبلوا إليه أمرهم أن يقوموا بتعذيبي وضعوا في عنقي حبلًا، ونادوا أطفال الحي وغلمانه، وسحبوني على وجهي وساروا بي في الطرقات، ويراني الناس ويسألون: ما هذا؟ فيقال لهم: رجل كفر باللات وسخر من هُبل وترك دين آبائه، واتبع دين محمد. فيصب القوم علي اللعنات وأنا صابر وأصيح بأعلى صوتي:
_ أحد.. أحد.. أحد..
ويظل التعذيب طوال النهار، حتى يدخل أمية بن خلف ويقول لي:
_ هيه يا بلال لعلك عدت إلى رشدك وعقلك، فتترك دين محمد.
فلا أنطق إلا بقول: أحد.. أحد.
ويقول لي أمية كأنه ناصح لي:
_ دعك يا بلال من هذا، فلن ينجيك محمد من عذابي.
فلا أقول له إلا الكلمة الخالدة: أحد.. أحد.
ويعود أمية ويهدد:
_ على رسلك يا بلال بن رباح. على رسلك.. سترى هو ما أشد وأنكى، وكان أمية يتفنن كل يوم في تعذيبي وأنا أزداد صبرًا وجلدًا وقوة وإيمانًا واحتار أمية ماذا يصنع لي. وأنا العبد الشديد العنيد، وهو الظالم العربيد. احتار في أمري فعلًا، بدليل أنه ذهب إلى صديقه أبي جهل يستشيره في قتلي فقال له:
_ لا تقتله، فإن في قتله إظهارًا لضعفنا ولكن إن يومنا هذا شديد الحر، فاذهب إلى بلال فألبسه درعًا من حديد، ثم قيده في بطحاء مكة تحت نار الشمس المحرقة وسترى أنه سيعود إليك راجيًا مستعطفًا.
قال أمية لأبي جهل:
_ فكرة صائبة، هكذا الظن بك يا أبا جهل. وسأضع على صدره صخرة كبيرة.
وفعل أمية هذه الفكرة الخبيثة، وضعوني تحت وهج الشمس مقيدًا، وفوق صدري صخرة ضخمة. وتركوني بلا طعام وبلا شراب. ونظر أمية نحوي قائلًا:
_ هيه يا بلال. كيف حالك الآن؟
وكنت أقول له بصوت لا يضعف:
_ أحد.. أحد..
وهو يقول لي ساخرًا:
_ ردد يابلال أحد أحد. وأرنا كيف تنجيك أحد.
وستظل هكذا حتى تموت أو تعود إلى ديننا. وأنا أقول له:
_ أحد.. أحد. إن يقتلوني. يقتلوني. فلم أكن لأشرك بالرحمن من خشية القتل.
وكان القوم يضربون كفًا بكف، متعجبين من قوة صبري على ذلك العذاب في سبيل دعوة آمنت بها. ثم يأتي المستشرقون في عصركم هذا ويقولون إن بلالًا ومن كان على شاكلته من الخدم والعبيد، لم يؤمنوا بدعوة محمد إلا لأنهم رأوا فيها مصلحة لهم. أي مصلحة هذه وقد تعرض بلال لأشد أنواع العذاب؟ وكان مستعدًا أن يموت مضحيًا بنفسه. هل يموت الإنسان من أجل مصلحة؟ بل يموت الإنسان مضحيًا بالمصلحة والحياة نفسها من أجل الإيمان بالله وبرسوله خاتم الأنبياء. إن الإيمان والمصلحة –شيئان مختلفان. ولكنّ المستشرقين والمفكرين الذين ساروا على نهجهم عاجزون جميعًا عن فهم الإسلام، وفي المرة القادمة يكون للحوار بقية.
أغلقت الكتاب مع منتصف الليل وقد تضاعف إعجابي بشخصية بلال بن رباح ذلك المسلم المؤمن القوي.
البقية في الأسبوع القادم