; حوار.. مع الشيوعيين في أقبية السجون (7) | مجلة المجتمع

العنوان حوار.. مع الشيوعيين في أقبية السجون (7)

الكاتب عبدالحليم خفاجي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1973

مشاهدات 10

نشر في العدد 133

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 09-يناير-1973

حجة الإيمان أقوى

هذا الحوار العقلي الحر الذي دار -في السجون- بين فئة مؤمنة.. وآخرين أخطأوا الطريق إلى الحقيقة.. يؤكد -بكل معنى من معاني التوكيد والتثبيت- قاعدة «اليقين لا يزول بالشك».

صحيح أن هذه القاعدة الأصولية وردت في الأبحاث الفقهية المتعلقة بالعبادات والمعاملات.

وينبغي أن تأخذ هذه القاعدة مكانها في الدراسات العقائدية.. والفلسفية.. والفكرية..

فاليقين بالله لا يزول بالشك ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (إبراهيم: 10).

إن الإسلام يزدهر.. وبراهينه تتألق من خلال الحوار العقلي الحر.. ولن يهزم الإسلام أبدًا في مناقشة حرة.

وهذه السلسلة من المناقشات.. كما تبرز أصالة الفكر الإسلامي.. تبرز -من جانب آخر- ضرورة الالتزام بالهدوء.. والاتزان في النقاش الموضوعي..

فالانفعال أو الهيجان يعصف بسكينة النفس.. وحين تفقد النفس سكينتها.. يعقد التفكير عمقه.. ومن ثَمَّ تضعف الحجة.

«المجتمع»

·         أولاً.. القضية الأم.. هي الإيمان بالله والقضايا الأخرى تتبعها.. منظومة وتسلسلا والتزامًا

·         حوار سافر.. تتألق فيه براهـين الإيمان وحججه.

·         الشيوعي يناقش الجزئيات.. والمُسلم يرده إلى الأصول

هل الوجود مادة؟! وكيف نشأت الحياة؟!

أحببنا أن نعرف المدى الذي تبلغه قدرتهم العلمية على الإجابة المحددة على هذا السؤال.. لإدراكنا قيمة هذه القضية المحورية في تحديد غيرها من القضايا.. ولا يمكن أن يستقيم منهج حياة بتجاهل هذه الحقيقة بالسلب المانع أو الإيجاب القاطع وأي تجاهل لها معناه ببساطة أننا لم نعد أمام ما يسمى «بالنظرية» بل نكون أمام ما يسمى «بالتجربة والخطأ» وهو نوع من الاختلاجة الفكرية والعشوائية في التصرفات تدفع الاسم ثمنها باهظًا في الأموال والأنفس والثمرات..

وإذا كان هناك وجه شبه بين الدين والنظرية فهو في أن كلاًّ منهما قد تكلم في قضايا الوجود (الكون والحياة والإنسان) ثم في المنهج المتولد منها.

وإذا كان هناك وجه خلاف بينهما فهو ذلك الذي يكون بين الأصل الصحيح والصورة الباهتة أما «التجربة والخطأ» فهو ما أرى له موضعًا في عالم الإنسان والعقائد إن لم أكن أراه بحق جريمة في حق هذه القضايا.. ولا يخفف من جرمه محاولات ستره تحت اسم «الممارسة العملية» أحيانًا..

ومن ثَمَّ كان اهتمامنا منصبًّا على رؤية ملامح النظرية لا أكثر.. وهل صورتها مكتملة الملامح أم ما يعتبرونه نظرية هو وجه آخر «للتجربة والخطأ» عليه طلاء علمي.. أم أنه ليس ثمة في الحقيقة إلا الرسالات السماوية في جانب، «والتجربة والخطأ» في الجانب الآخر؟! وكانت هذه الخواطر وراء السؤال الذي وجهه واحد منا إليهم في جلسة ضمت كل اتجاهاتهم الحزبية..

  • الأخ: ماذا تقولون عن نشــأة الحياة؟!
  • الزميل: وجدت الخلية الحية الأولى، التي انشعبت عليها سلسلة التطور، نتيجة تفاعلات كيميائية وبيولوجية في عصور جيولوجية سحيقة.

قال من وجه السؤال بعد أن لمس المغالطة:

  • الأخ: لعلك نسيت يا زميل ما سبق أن اتفقنا عليه من التعامل بصراحة تليق بنا ومن البحث المشترك عن الحقيقة.. وليس فينا أحد يهزل عندما صمم على أن تتحمل في سبيل معتقداته كل التضحيات.. نود أن نلمس روح الجد في إجابتكم لا روح الدعاية والتدليس.. هذه الإجابة تعني أنك شخصيًا لست مقتنعًا بها.. ومثل هذه البداية لا تشجع على الوصول إلى الحقيقة التي تواصينا بالبحث عنها..

(وهنا انبرى أحد الزملاء ملطفًا الجو وقد أصبح مستقلاً عن التنظيمات فيما بعد):

  • يا فلان أنت أمام مجموعة قضوا عمرًا طويلاً في السجن إيمانًا بمبدئهم.. ويمثلون واقعًا ضخمًا في الأمة، أرجو أن تقدر ذلك حين نجيب، ونقدر أنهم لا يخفى عليهم قصدك.. حافظ على أن يحترموا تفكيرك.. ومع كل يا حضرات الإخوة ظني أنه لا يجهل ذلك وإنما أراد ألا يصدم مشاعركم الدينية.
  • الأخ: من جانبنا، فإنه ليسعد نفوسنا منطق الصراحة لأنه المتمثل في سرعة الالتقاء، والأمر بسيط وهو لا يعدو أن لديكم اعتقادًا له حججه.. ولدينا اعتقاد له حججه.. ونحن الآن نتكلم عن الحجج والأدلة.. أي نتكلم من خلال عقولنا لا من خلال مشاعرنا؛ أما من يعطل عقله منا أو منكم فـله علينا أن نخاطبه بلغة المشاعر.

مرة أخرى.. ماذا تقولون في نشأة الحياة؟ ولا يخفى عليكم أن العلم لم يقل كلمته بعد.. وإجابة الزميل تخمين لا سند له من العلم.. وعندما نقول العلم.. نقصد به قول علماء الأكاديمية الروسية الذين يحاولون منذ أكثر من نصف قرن تخليق الخلية الحية ومعرفة سر الحياة.. لأن هؤلاء العلماء هم الثقاة لديكم.. ولا نريد أن نحتج الآن بغيرهم من العلماء ولا بمنطقنا الفكري الخاص أو الإيماني.

* الزميل: سنرجع الى المختصين لدينا في هذا الشأن لعل عندهم علما فيه.. أما نحن فإن الاهتمام السياسي يستغرق كل نشاطنا ولا نعطي هذا الأمر اهتمامًا، ونعتقد أنه عديم الجدوى أو التأثير في واقعنا. إننا نهتم بالواقع وبمشاكل العمال والفلاحين الراهنة، ونسترشد بالنظرية في حلها، ونترك أمر هذه الأمور الغيبية للاعتقاد الشخصي ريثما يكشف العلم عن سرها ويميط عنه اللثام، وبعد فراغنا من حل مشاكل العمال والفلاحين يكون لدينا متسع من الوقت لبحث هذه القضية باعتبارها ترفا علميا.

  • أخ: هذا المنطق فيه قصور لا يليق بمن يتصدى لحل قضايا البشر.. وإليك وضعك الراهن.. فأنت في السجن.. مشاكلكم الواقعية المشاهدة هي كل ما يدور داخل أسواره، أما ما يدور خارج الأسوار على مدار الوطن من مختلف النشاطات الاجتماعية والسياسية فيعتبر غيبًا عنك.. لكن هل يغيب عنك أن بقاءك في السجن وأن خروجك منه مرتبط بهذا الغيب الذي يؤثر فيه تأثيرًا مباشرًا؟! وإنه لذلك فأنت تتابع هذا الغيب باستمرار ولا تنعزل عن تياراته.. هيا بنا إلى خارج الأسوار لنشارك بجلاء اختيارنا في كل أنواع النشاط.. فإن ذلك سيكون هو واقعنا المشاهد، أما جميع دول العالم وما يجري على وجه الأرض من صراع بين الشرق والغرب فيعتبر غيبًا بالنسبة لوطننا.. لكن هل نستطيع تجاهل الأثر المباشر للأوضاع العالمية على استقرار وطننا الداخلي؟ هل نملك الانصراف عن متابعة ما يدور وراء حدودنا وندفن رؤوسنا في التراب؟

هيا بنا نمشي على مسرح العالم الكبير وننظر نظرة كليّة إلى تشابك مصالحه وتفاعل تياراته، فإن ذلك سيكون هو واقعنا المشاهد الجديد، وما وراء كرتنا الأرضية من أفلاك وإشعاعات ومجالات وقوى سيكون غيبًا عنا، فهل نستطيع أن نقف منه موقف اللامبالاة ولا نتجه إلى أجواء الفضاء بالدراسات والأبحاث لما لكل ذلك من أثر مباشر على حياتنا.. وما يلزمنا من تكيف داخل دارنا الدنيا لنتوافق مع النواميس الكونية ولا نتصادم معها..

ابتداءً من داخل أسوار السجن إلى داخل حدود الوطن إلى داخل أقطار الأرض فإن تجاهل حلقات الغيب على مدار ذلك كله فيه غفلة وقصور عاجلين وهلاك آجل.. وهو على العموم منطق غير علمي إذ يدعونا إدراك ذلك إلى أن نقف من جميع قضايا الغيب موقفًا جديًّا لنقطع فيها باعتقاد حاسم يقين له أدلته القوية وإما إنكار عليه أدلته القاطعة.. والعلم على مدار العصور قد أقال كلمته في هذه القضية بأكثر من أسلوب لمن أراد أن يكلف نفسه فضيلة البحث والاهتمام.. فهل في اهتمامنا بهذه النظرة الشاملة خروج على منطق العلم والواقع؟

ألست ترى يا زميل أن درجات التزاوج بين الواقع المشاهد والواقع الغيبي تكاد تجعل الغيب شهادة والمشاهد غيبًا حسب الزاوية التي ننظر منها إلى جوهر الحقيقة وحسب ما عليه الناظر نفسه من العلم؟

  • الزميل: إذا أردت الحق فإني أوافقك على أهمية ذلك.. ولا نملك أن نتجاهل هذا الأثر، ولكننا جعلنا الأولوية لمشاكلنا الاقتصادية لأنها هي التي نكتوي بها.. وبعد ذلك سيكون لدينا الفسحة لإعطاء هذا الجانب ما يستحقه من الاهتمام.
  • الأخ: جميل منك هذا التقدير.. ولكننا إذا أعطينا غمار الناس عذرًا في أخذهم الأمور بهذا المنطق، فأنت -وقد نصبت من نفسك منقذًا للبشرية ومخلصًا لها- لا نستبيح لك هذا العذر..

فمن أمانة مثل هذا الهدف أن تتزود له بإدراك حقائق الكون والحياة الأساسية ليكون ذلك أعون لنا على علاج الدقائق.. كلانا.. نحن وأنتم.. نهتم بالواقع الذي نعيشه ونوالي تشريحه للوقوف على علله.. ولكننا ونحن نشخص الداء أو نصِف الدواء نتزود بالعلم الكلي لحقائق الحياة، ونتسلح بمعرفة جميع مراكز التأثير على الظاهرة محل الدراسة، وأنت بمنطقك هذا إنما تتجاهل أهم المؤثرات في علاج واقعك وفي إعطائك نتائج صحيحة؛ فلا أنت ستصيب في تشخيصك ولا في علاجك.. فالقصور سيصاحبك في جميع المراحل.

فكرر قوله إن الاهتمام بالواقع له المقام الأول.. وهنا تدخل الزميل الذي استقل عنهم فيما بعد وهو اليوم صحفي لامع.. وقد أدرك أي مازق تردى فيه زميله ووجه إليه الكلام في حدة قائلاً: «يا فلان.. إنه يطالبك بشمول النظرة، وهو في هذا على صواب.. ومن عجب أن يطالبك بأن تفكر بمنطق فلسفتك وأنت تتهرب منها.. إن المادية الجدلية تزودك بقانون الترابط الذي يدعوك وأنت تدرس الجزء أن تضع في اعتبارك ارتباطه بالكل حتى يكون تفكيرك علميًّا.. فلماذا تتهرب من ذلك؟!»

«ولم نشأ أن يزداد الموقف تحرجًا إبقاء عليه لجولة أخرى.. وقد يستغرب البعض تعاطف بعض الزملاء معنا.. وليس في الأمر غرابة.. فقد كنا نعلم أنه ينكر عليهم أمورًا كثيرة بحكم نفسيته المتحررة ولأن في نفسه إشكالات لم تحل فكأنه ينتصر لنفسه لا لنا في محاولته التضييق على زميله» وهذا كان وراء حرصنا على استمرار وجوده معنا.. لم نشأ أن يتحرج الموقف، فقال أحدنا:

·       على أي حال.. حسبنا الآن أنكم أدركتم وقدرتم أهمية القطع في أمر منشأ الحياة لأننا سنحصل على إحدى إجابتين قاطعتين، كل منهما بعيدة الأثر في حياتنا البشرية.. إما أن يقطع العلم بأن المادة أصل الحياة التي تطورت حتى مرحلة الفكر، ولا وجود لقوة أخرى أو شيء آخر غير المادة فيخلو الطريق أمام فلسفتكم المادية وما يتفرع عليها.. وإما أن يقطع العلم باستحالة خلق العلماء للحياة من المادة ويكشف عما فوقها من وجود؛ هل هناك غير أحد هذين الاحتمالين؟!

قالوا: بالطبع لا.

  • الأخ: هل نحن على استعداد لنقبل ما يقوله العلم؟!
  • الزملاء: بدون شك.
  • الأخ: وحتى يأتي العلم بالقول الفصل -علم روسيا طبعًا- هل نستطيع اليوم أن نجزم بأنه لا شيء غير المادة وأن الحياة منبثقة من تفاعلات كيميائية وبيولوجية في عصور جيولوجية سحيقة؟ هل نجرؤ على هذا القول ونفتات على العلم؟!

«فصمت البعض.. وآزر البعض منطقنا وخاصة الزميل (ع.ط) الذي كانت صراحته تنال تقديرنا وتجعله مضرب المثل لزملائه في جلساتنا، لتشجيعهم على الاقتداء.. وكان ذكيًّا أو صادقًا إلى درجة لم نسجل عليه موقفًا فيه التواء أو زوغان.. وكان لذلك أسبقهم إلى القول: «كلامكم منطقي ولا غبار عليه».

  • الأخ: «وما دام العلم لم يقل لا أو نعم -علم روسيا- أليس من الأمانة العلمية ومن الإخلاص للمبدأ أن تسايروه فلا تقولوا لا أو نعم في أمر المادة مثلما لا نطالبكم بأن تقولوا لا أو نعم في أمر الخالق والروح.. وأن تعتبروا أن القول بالمادة فقط صواب يحتمل الخطأ.. وأن قولنا بالخالق وبالروح فوق المادة خطأ يحتمل الصواب عندكم؟!»
  • قالوا: «ماذا تقصدون من ذلك؟!»
  • قلنا: «نقصد أن إنصافكم وإخلاصكم للحق في ذاته وصراحتكم التي اجتذبت تقديرنا لها فيكم فآثرناكم بالجلوس على غيركم ندعوكم إلى القول بنظرية الاحتمالات.. وهذا أدنى درجات الصدق مع النفس والتمشي مع منطق العلم.. فلا تطمئنوا للقول بالمادة فقط، وإنما تراجعون قوانينها دون إصرار على اعتبارها قوانين قطعية لا تقبل النقض، وإنما الصواب أن تقولوا إنها قوانين احتمالية.. وأن تدركوا أن كل ما رتبتم على ذلك من نتائج واعتبرتموها علمية، حقيقة أمرها أنها احتمالية.. فلا تقولوا التفسير العلمي للتاريخ ولا الاشتراكية العلمية فربما كان العلم الصحيح في جانب حقائق أخرى.. فهل توافقوننا؟».

(فصمت البعض وآزر البعض منطقنا!).

فرض بفرض

واستطرد أحدنا بعد فترة صمت قائلاً:

  • الأخ: «وعلى ذلك.. فإذا كان القول بالمادة وقوانينها قد انتقلنا به من الميدان العلمي القطعي إلى ميدان الظن والاحتمال.. وأنه مجرد فرض يحتمل الخطأ والصواب.. فماذا لو فرضنا أن الحياة أوجدها خالق.. خذوها كفرض.. ولا نطالبكم بمنطقنا فهي عندنا اعتقاد له حججه وبراهينه.. فماذا يدخل على منهجكم من تغيير لو صح هذا الفرض؟ وكيف سيكون مركز فلسفتكم المادية وما تفترع عليها؟»

وهنا أبى أحدهم إلا أن يغالط فقال:

  • الزميل: «نحن نعتمد على الفروض.. وأنها تنتج المنهج التجريبي.. ويوم أن تجيب تجارب العلوم نفكر.. لأننا نخشى أن يجرنا الفرض إلى الكلام في الغيبيات».
  • الأخ: «قد سبق أن سلم بعضكم بأن القول بالمادة مجرد فرض، وسكت البعض الآخر.. ولا أظن أن السكوت كان لدليل أقوى.. ثم إنه أقيم على هذا الفرض الذي يحتمل الخطأ والصواب منهج معين في الحياة يطبق على كثير من الدول، أفلا يكون من حقنا أن نقول بالفرض في أمر الخالق وليس من وراء ذلك ضرر عملي..

ثم إن الفرض من الأساليب العلمية التي تلازم التجربة دائمًا.. بل لابد للفرض أن يسبق إجراء التجارب لينير الطريق للباحث.. فالباحث عند كل مفترق يقف ليتأمل ويرجح، وما ذلك إلا صور للفرض.. وإليك حال الطبيب.. لا بد وأن تمر بذهنه لحظة فرض لنوع المرض تنقلب إلى تأكيد بعد تمام الفحص أو تتنفي.. إننا نطالب بالأسلوب العلمي، ولا نطلب شططًا.. ونعجب كيف لا نأخذ الأمور مأخذًا كاملاً دون تهيب.. ثم ماذا يكون موقفك لو علمت أن ما نطالبك بفرضه هو حقيقة علمية..».

وهنا انبرى الزميل (ع.ط) الذي اشتهر بيننا بصراحته وقال:

  • «اسمَحوا لي أن أجيب».. فعلت الابتسامات الشفاه.. ولم يخب ظننا حين أطلق قائلاً:

«إذا صح هذا الفرض سنضطر قطعًا إلى التوقف.. لنراجع أنفسنا كثيرًا.. لأن وراء الحياة قصدًا.. لن تصير المادة هي أصل كل شيء.. سيخلو الطريق للقول بالفكر الأعظم، ستتغير قطعًا النظرة إلى الإنسان ودوره في الحياة.. سيصبح كونه مكلفًا أمرًا معقولاً بل ضروريًّا حتى ولو كان أصلنا فرضًا فلا.. ستنقلب فلسفتنا المادية وما تفرع عنها رأسا على عقب.. سيكون سهلاً على نفسي أن أصدق بالكتب السماوية وبالرسل والرسالات.. أو بعقيدة البعث والجزاء.. سأضع في اعتباري أمر الجنة والنار وما تتطلبان من الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر.. كل القيم في الحياة تستبدل.. سأقول بنفسي للناس لقد كنت أجهل أمرًا جليلاً والآن إليكم الطريق القويم..

وعن نفسي، فإنها لأمنية غالية أن أطمئن إلى أنني سأبعث لأحيا حياة أبدية في جنات النعيم.. فعندئذ يهون عليّ أن أقضي هذه الحياة بطولها أو قصرها على أي وضع مخيف في هذا الطريق الجديد بنفس القوة التي أضحي بها في طريقي هذا، حتى ولو كتبت طيلة عمري أضرب بالنعال..».

(وانفجرنا ضاحكين من عبارته التي ختم بها هذا الكلام القيم.. وشكرنا له صراحته وهو من المعدودين لديهم.. وقد نظروا إليه باندهاش بالغ).

وعقب أحدنا قائلاً: «والآن نكرر الشكر للزميل (ع.ط) على صراحته المعهودة.. ولا نطالب بأكثر من النتائج التي رتبها هو بلسانه وبيننا وبينكم ما يقوله العلم في هذا السبيل، فقد ارتضيناه حكمًا».

ولعلكم أدركتم بعد هذا العرض الطيب من زميلكم كيف -لأننا نؤمن بحقائق معينة- كان لنا منهجنا الخاص إزاء كل القضايا الإنسانية.. وكيف أننا لا ننظر إليها بمنظاركم.. «وهنا دوت صفارة العودة من العمل».

وقبل أن انصرف نذكر بأننا سنظل نقدر الصراحة والاستعداد الجاد لتقبل الحقائق ونأمل أن يكون ما وصلنا إليه اليوم أساس نبني فوقه ولا نعيد الكرة من جديد..

كما نذكر نقط الضعف هذه والبناء الفلسفي لتولوها العناية اللائقة، ولتنظموا في هذا الأمر باعتقاد تطوره ما يرتب عليه من نتائج..

ولم يتسع الوقت لكلام جديد.. وبدأت استعدادات العودة من العمل.. واكتفينا في هذه الجولة بأننا هززنا ثقتهم في فلسفتهم التي لم يفكروا يومًا في مناقشتها.. وقد فتحنا بذلك فيهم نظرة لها خطرها.. علمنا أنهم بسببها قد قضوا جلسات استمرت ليلتين في نقاش متواصل.. وقد انفرد الزميل (ص.ج) أحد زعماء «حزب حدتو» بعمل سلسلة من المحاضرات على نطاق حزبه في داخل السجن وركز فيها على أن قضية الإيمان بالله هي قلوبهم شخصية لا أثر لها على المنهج الجدلي الذي يعتبر منهجًا علميًّا صالحًا من خلال أي موقف عقدي.. وسيتضح لنا فيما بعد مقدار ما في هذا المنطق من بُعد عن الصواب.

  • وفي اليوم الثالث قصد الزميل المتحرر موقع عملنا قبل أي شخص آخر وملامحه تنطق بالسرور وهو يقول: «أحمل إليكم نبأ عجيبًا.. لقد تحدث أحد رؤوسهم في ندوة مفتوحة داخل العنبر وأنهى إليهم أنه قد قرأ أحدث المؤلفات الفلسفية لعالم ماركسي بعنوان «أصل الحياة» وفيه يقرر المؤلف الماركسي أن هذا الكون أثر من آثار قوة كبيرة لها صفات معينة.. وسكت قليلاً ثم قال: وأنا أعتبر أن هذا تحول خطير في فلسفتهم.. ولا يفوتني أن أسجل انتصاركم في الجلسة الماضية بصورة قوية».
  • قلنا: حسبنا أنك أدركت معنا قيمة هذا الأساس وأنه جدير بأن يحظى بالاهتمام.. وأنها نقطة ضعف خطيرة في فلسفتهم إن لم تكن نسفًا لها.. قل لهم لا ينسوا أنهم في الشرق مهد الرسالات السماوية والإسلام بصفة خاصة.. ذلك الدين القيم الذي حرر العقول والنفوس وقدم العلم وكرم العلماء وجعلهم ورثة الأنبياء، ومن الخطأ البين أن يظنوا أنهم في أوروبا حيث وجدت المادية مرتعًا خصبًا في سخافات المثالية وخرافات الكنيسة وحجرها على العقول؛ مما تبرأ منه المسيحية السمحة.. ومن الظلم أن تسحب هذه الفروق على عقيدتنا، قهرا عنها.. تلك المنقطة التي قيضها الله دائمًا لإعادة التوازن إلى البشرية كلما جنحت نحو المادية أو الكهنوتية، ولعل من حسن الحظ أن تجرب الماركسية هي الأخرى نفسها في هذه البيئة الفريدة لكي تراجع نفسها.

أما عن انتصارنا فنحن لم نكن أكثر من مستفسرين ثم مذكرين بالأسلوب العلمي ونسجل أيضًا لبعض الزملاء روح الصدق والصراحة مما يبشر بأطيب النتائج...

هذه قصة إحدى الجلسات في هذا الموضوع وخرجنا من جمعيا بأنهم على اختلاف مستوياتهم يشتركون في هذا النقص ولا يملك أحدهم أن يجيب.. لكنهم يستغلون سذاجة محدثهم ليوهموه بأن العلم قد قطع في كل هذه الأمور في صالحهم.. وإذا ما لمسوا فطنة بمحدثهم عملوا على التملص وصرف الحديث إلى المسائل الاقتصادية والسياسية والصراع الطبقي ويطلقون لألسنتهم العنان..

وجهنا بعد ذلك في جلسات فردية وجماعية في سَوق ما وسعنا الجهد من الأدلة العلمية على وجود الله تعالى واهب الحياة ومُنشئ الخلق من العدم.. واعتبرنا ذلك أساسًا مهمًا قبل الدخول معهم في مناقشة المسائل الاقتصادية والاجتماعية لأن جذور هذه القضايا جميعًا ستمتد في تربة العقيدة عندنا والفلسفة عندهم.. وكنا لا نحب أن نخوض جدلاً عقيمًا إذ نحن دخلنا على هذه القضايا دخولا أبتر وأسقطنا هذا الأمر من اعتبارنا..

رحم الله الإمام الأعظم «أبو حنيفة» الذي كان على علمه وفقهه الكبير يسمي قضية الألوهية بوصف يليق بها هو «الفقه الأكبر»..

والآن.. ماذا قال العلم عنها؟!

«الفكر الأعظم».. نص كلام الزميل.. ونحن نقف عند حدود ما أخبرنا الله عن نفسه من أسماء حسنى، فلا نقول المهندس الأعظم أو العقل الأكبر أو غير ذلك من المصطلحات البشرية التي دخلتنا في متاهات الفلسفة المثالية..

الرابط المختصر :