العنوان حوار.. مع الشيوعيين... في أقبية السجون ( الحلقة ٢١)
الكاتب عبدالحليم خفاجي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1973
مشاهدات 91
نشر في العدد 148
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 01-مايو-1973
- وسيلتنا للإقناع الأدلة العقلية الواضحة.. لا العاطفة المشبوبة
- وحافز
للتوعية والتثقيف الاحتكاك الفكري المباشر مع الخصوم
- وملاحظات
هامة على منهج الإسلام الواضح في التشريع
كنت ومن معي من أعضاء الندوة ضائقين على مدار هذه
الجولات الفكرية بسلوك بعض الإخوة الذين بدأوا يتململون من عدم رؤيتهم ثمرة سريعة
لهذه الاتصالات، فضلًا عن تعمق العلاقة حتى أصبحت وفود الشيوعيين تترى على عنبرنا في
المناسبات المختلفة، وكان الشهيد عبدالحميد البرديني رحمه الله يوفق بين رغبتنا في
استقبالهم وبين مشاعر بعض الإخوة المتململين، فكان يعد لذلك حجرة خالية في مدخل
العنبر مفروشة بالبطاطين للاستقبال حتى لا يضطر الشيوعيون إلى المرور على
الزنازين.. وكنا من جانبنا نبذل جهدًا لترطيب قلوب الإخوة المتعجلين.
وتطورت محاولاتنا من الكلام إلى العمل، فعندما غلّظ
الأخ حسن لنا النصيحة اتفقنا على إجراء تجربة عملية عليه تجعله يدرك بنفسه فائدة
هذه الاتصالات.. فقدمنا إليه كتاب «عقائد المفكرين» للعقاد ورجوناه أن يعيننا
بقراءته، فلبث عشرة أيام ثم أعاده إلينا دون أن يتجاوز الست صفحات بدعوى أنه صعب
الفهم غير سلس العبارة، وهذا ما كنا نتوقعه..
وكانت الخطوة الثانية حين دعوناه لإحدى الجلسات على
أن يحتمل في شجاعة ما يؤذي سمعه ووعد بذلك.. وتحت شجيرات الخروع التي تسور السجن،
وفي حضرة أحد الإخوة الكبار وهو السيد محمد حامد أبو النصر، استعد الزميل الصريح
الذي اخترناه لهذا الموقف أن يجيب عن أسئلتنا بلا مواربة.
- فقلنا
له: لماذا لا تؤمن بوجود الله تعالى؟
- قال:
لذلك قصة قديمة في حياتي دعمتها دراسة للمادية الجدلية بعد ذلك.. فقد شاهدت
ترامًا يفرم طفلًا بريئًا فثارت نفسي على عدالة السماء، ثم بعد اعتناقي
للماركسية فهمت أن نشوء العقائد على مدار التاريخ كان تعويضًا عن الفهم
العلمي السليم لأسرار الطبيعة.
وهنا انتفخت أوداج الأخ حسن وعلاه الغضب وتغيرت
ملامحه، فأشرنا إليه بالتزام الاتفاق، وواصلنا سؤال الزميل.
- وما
قولك في القرآن الكريم الذي أنزل على رسول الله؟
- قال:
كان محمد رجلًا عبقريًا.. يؤلف آية لكل حادثة تقع ولم يتنزل عليه شيء..
ستقولون لي إن أحدًا لم يأتِ بسورة من مثله، وأنا أقول لكم إن أحدًا لا
يستطيع اليوم أن يأتي بمثل معلقات الجاهلية، فهل يقوم ذلك دليلًا على نزولها
من السماء؟! لعل محمدًا كان سابقًا لزمانه..
وهنا حانت لحظة انفجار الأخ حسن بعد أن فشلت
تحذيراتنا وخاطب الزميل محتدًا: أتدري ما حكم الإسلام عليك يا زميل؟
- الزميل
وقد أخذته المفاجأة: لا أدري!
- حسن:
الاستتابة أو القتل.
- الزميل
مندهشًا: إن هذا اعتقادي فلم تحكم بذلك؟
فتدخلنا على الفور قائلين للزميل: دع لنا أخانا.. تكلم
وكن مطمئنًا. فظل ساكتًا وهو يتابع حديثنا برضا.
• وقلنا: أليس علينا يا حسن أن نقوم بواجبنا نحو
هذا الزميل ومن على شاكلته.. ممن راحوا ضحية غزو فكري مشنون على الأمة بقوة السلطة
التي تفتك أجهزتها الإعلامية بكل القيم وأجهزتها البوليسية بكل الأبرياء ففتحت
الباب على مصراعيه للمعتقدات الغريبة.. وإن رثاءنا لهم يلقي على عاتقنا مسؤولية الرد
على جميع الشبه التي تجيش في صدر الزميل، وأن نعيد بعد ذلك عرض ما نؤمن به بأدلة
واضحة مقنعة.. ولا نعني بذلك أن تكون مقنعةً له شخصيًا، بل تكون مقنعةً لشهود أو
مراقبين عدول لا مصلحة لهم في الإنكار ولا قيد على أفكارهم من جهل أو ما أحاط بهم
من هوى يعصف بإشراق الفطرة في نفوسهم، عندئذ يكون انتشار الاقتناع لدى ذوي العقول
الراجحة والفطر المستقيمة كاشِفًا عن علة المنكر نفسه تجعله يقف هذا الموقف
المعاند ربما رغم علمه بفساد منطقه وسلامة منطق الحق..
وفي البشر يوجد هذا الصنف العجيب من الناس الذين
وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمًا
وَعُلُوًّا﴾ (النمل: 14)، وفي قوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ
لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
(الأنعام: 33).
ويحدثنا القرآن الكريم أنهم لا يكتفون بذلك بل
وينكلون بأهل الحق ليعيدوهم في ملتهم، عندئذ، ومع هذا الصنف المراوغ الذي تحكمه
العلل والمصالح، من كبر أو حسد أو جهل أو مركز اجتماعي أو مركز مالي أو أي نفع
يعود عليه من استمرار ما هو عليه من باطل، فإننا بذلك نكون أمام خلية سرطانية في
جسم الإنسانية تقتضي السلامة عزل سلوكها العدواني ويحق على صاحبها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ
عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (الشورى: 16).
أما قبل أن نؤدي دورنا الصحيح الذي يؤدي في العادة
إلى كشف الصادقين مع أنفسهم من المتناقضين معها، فقد نجني بقصورنا على أناس لم
يتبين لهم الطريق فنظلمهم وبهذا نخطئ سبيل الدعوة الصحيح..
ثم التفتنا إلى الزميل قائلين: «هل لديك ما تقوله
يا زميل؟»، فابتسم ابتسامة الرضا وهو يقول: «هذا خير ما يقال، وأنا ليس لدي ما
أعقب به سوى أنكم مجموعة ممتازة ضد الاستغلاق غيرت الصورة المخيفة التي كانت في
نفوسنا عنكم قبل أن نلتقي بكم..».
وقد فوجئ أخونا بهذا الرد الذي تركه صامِتًا
متحرجًا، وبعد عودتنا إلى العنبر قال:
– أين كتاب «عقائد المفكرين»؟
فقدمناه إليه بدون تعليق، فالتهمه في يوم واحد دون
أن تستوقفه أي صعوبة وأخذ يبحث عن غيره من الكتب حول الموضوع.
ووجدنا في حالة النشاط التي انتابته فرصتنا لتذكيره
بأن منازلة العقائد الأخرى يعود علينا بالفائدة الكبرى، فمن الظلام نعرف قيمة
النور، ومن الباطل نعرف عظمة الحق.
ومع أننا أمنا ثورة أخينا بهذه الحيلة إلا أننا
اعتبرنا ذلك منبهًا لنا، وكنا بالفعل قد أشرفنا على النهاية في هذه الجولات
بوصولنا إلى النظر إلى حركة التاريخ بمنظار الإسلام لا بمنظار التفسير المادي
للتاريخ.. ثم بوصولنا في سرد التاريخ إلى خاتم الرسالات السماوية...
وكنا نترقب وصولنا إلى هذه الخاتمة بشغف كبير؛ لأن
جولاتنا السابقة قد أقنعتنا بسراب الماركسية مثلما أفادتنا في تدعيم حقائق الإيمان
وفي معرفة قضايا الإنسان وإدراك دور الرسالات السماوية في هداية البشر أكثر من أي
وقت مضى..
ولكن يبقى وراء تلك النتائج الهامة التي زادتنا
الجولات إيمانًا بها قصد أخير لم يكتمل.. هو الذي يهم الشيوعيين في الدرجة
الأولى.. وفقدانه يعطيهم مبررًا في الالتفاف حول الإسلام بأسلوب حديث.. هذا القصد
الأخير عندنا هو القصد الأول عندهم، وهو الذي حرك بيننا هذه البدايات العقائدية
جميعها حتى أشرفنا عليه باعتباره قضية الساعة، أقدمنا على أرصدة ثابتة وباطمئنان
كبير لم يكن ليتوفر لنا لو لم نخص كل تلك الجولات السابقة.. هذا القصد قد ترجمته
أسئلتنا للشيوعيين في صور حلقة النظرة الإسلامية للتاريخ حين كنا نطالبهم بوضع أيدينا
على نص شرعي أو رأي فقهي أو واقعة تاريخية في فترة الالتزام تبين أن الإسلام ظهير
لأي شكل من أشكال الاستغلال.
وكأننا في الحقيقة كنا نوجه الأسئلة إلى أنفسنا!
فلم يعد يكفي كوننا نحمل في قلوبنا إيمانًا مطلقًا بأنهم لن يعثروا على شيء! بل
كنا نحن أيضًا أشد ظمًأ إلى إشباع أنفسنا بهذه المعرفة وأشد سعيًا للوصول إلى جسم
هذا الكنز الذي تعددت شواهده.
وقد كان.. وتفتحت شهيتنا لكل أثر حتى لكأنما نبتت
لنا حاسة سادسة تجعلنا نرى في العبادة البسيطة في أي مرجع شيئًا هامًا لا يلفت نظر
الباحث التقليدي حتى اكتملت تحت أيدينا أعظم صورة لخير أمة في التشريعات المالية
بالذات.. وكأننا كنا نكتشف عالمًا جديدًا ليس عالمنا الذي شوهه الاستعمار في
نفوسنا وعزلنا عن مشارق النور فيه..
وشعر الجسم السليم بمعاناة أحد أعضائه فاندفعت
الدماء الحارة من القلب في كل شريان تمد هذه المجموعة البسيطة التي يتكون معظمها
من الطلبة بما نحتاج إلى التزود به من العلم ولم يبخل علينا أحد بشيء، وابتسامة
الحب على شفاه الآباء تقول إن زغب القطا قد تعلموا الطيران..
وكنا بدورنا لا نحجب عن الشيوعيين معرفة قد تعين من
يتعامل بالصدق مع النفس في رؤية عالمنا الجديد..
وعندما انتهت بنا سلسلة التاريخ الذهبية إلى
الرسالة الإسلامية باعتبارها نموذجًا لجميع الرسالات التي سبقتها.. لها نفس
خصائصها ولكن على المستوى العالمي الدائم إلى يوم القيامة، جاءت فرصتنا لمعرفة
منهج الإسلام الواضح في التشريعات المالية من خلال النصوص وتصديق التطبيق العملي
لها.. ونقدم لذلك ببعض الملاحظات العامة:
1- اقتضت حكمة الله أن يبلغ كل شق من الرسالة
الإسلامية كماله بين أحضان إحدى البلدتين الطيبتين مكة والمدينة:
ففي مكة المكرمة نزلت آيات العقيدة التي غرست الإيمان
في القلوب وحررت النفوس من أغلال الشرك الذي سببه الجهل والهوى.. وبلغ مقادر ما
تنزل من القرآن الكريم 19 جزءًا في ثلاثة عشر عامًا مليئة بالفتن والبلاء أنتجت
لنا حوالي الثمانين صحابيًا كان الواحد منهم بأمة.. ولا عجب أن يحظى هذا الجانب بهذا
المقدار الكبير في القرآن الكريم وأن ينتج العدد القليل من المؤمنين؛ لأن ميدانه
النفوس، ففيها تكون اليقظة وتصح الإرادة، وبها تكون يقظة المجتمع وإرادته وبعدها
يصير كل شيء في الحياة سهلًا..
أما المدينة المنورة، فكانت المجال للشريعة التي
تمت بها إقامة المجتمع الإسلامي بما فيه من أمن واستقرار وفرص واسعة لكل فرد في
إبراز عطائه للأمانة التي استخلفه عليها.. وقد وضعت هذه الشريعة الربانية عن الناس
إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وبينت جميع مجالات الحركة المشروعة للمسلم مع
واقع الحياة من حوله، وصبغت له جميع ميادين التعامل بصبغة الاختيار ليسأل عما قدمت
يداه، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.
- ومن
مقتضيات التدبير الإلهي أن تختص كل من البلدتين الطيبتين بشق من الرسالة ليظل
ثابتًا في حس المسلمين أنه لا كمال لحياتهم ولا نجاة في آخرتهم إلا بتلازم
هذين الشقين معًا: العقيدة والشريعة.. الإيمان والعمل الصالح.. حتى لا تنطمس
هذه التفرقة العلمية في قلب المبصر وهو يعمل في حقل الدعوة الإسلامية مثلما
أنه لا تنطمس هذه التفرقة المكانية بين مكة والمدينة في عين البصير..
2– لقد أحسن المسلمون الدفاع عن عقيدتهم في كل
العصور، أو بمعنى أصح لقد دافعت هي عن نفسها، فقضاياها الواضحة وحجتها البالغة
كانت تذيب أمامها أغلال العقول وتفتح أقفال القلوب، فمضت تغزو الشعوب بغير سيف حتى
في العصور التي كان المسلمون فيها في غاية الضعف فإن مدها لم يتوقف.. ولأن حقائق
العقيدة ثابتة فهي لم تكلف المسلمين عنتًا في جلائها، وتقدم العلوم يقوي من رصيد
الحجة في مواجهة خصومها..
لكن الأمر الذي التبس على المسلمين في عصور ضعفهم
بصفة خاصة هو موضوع الشريعة، وهو المكان الذي سددت فيه الطعنة إلى الإسلام باسم
الإسلام دون أن يفطن المسلمون إلى ذلك.. فقدمت إليهم النماذج الأرضية من الغرب
والشرق على أنها تحقيق لجوهر الإسلام في مقاصده التشريعية.. ويستطيع المطلع على
كتاب: «الشرق الأدنى مجتمعه وثقافته» من سلسلة الألف كتاب أن يقف على الدراسات
الاستعمارية التي وضعت لعزل الإسلام كتشريع من حياة المجتمعات المسلمة والمحافظة
عليه داخل المسجد كعبادات فقط.. ليس يكفي أن نرفض الواقع، بل وأن نفهم إسلامنا أولًا
وقبل أي رفض..
3– لا جدال في أن التشريعات المالية هي العمود
الفقري لأغلب التشريعات الاجتماعية، ولأمر ما فقد قرن الله تعالى الصلاة بالزكاة
في 82 آية قرآنية.. وبتتبع التشريعات المالية تتضح لنا العقلية المنهجية الإسلامية
المستقلة لما لها من مركز السيادة في قضية من أهم قضايا العصر.. ورأس الحربة في
هذه التشريعات هو مبدأ الملكية..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل